بنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسته الخارجية منذ البداية على ركيزتين أساسيتين؛ الأولى إطفاء الحرائق وإنهاء الحروب في العالم والركيزة الثانية هي بناء التوازن الاقتصادي في علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بالشراكات التجارية في العالم.
وبالنسبة إلى الركيزة الأولى فقد نجح ترامب فعلا في تحقيق خطوات إيجابية في إنهاء أو محاصرة الصراعات والحروب؛ إذ نجح في وقف الحرب على غزة ولو مؤقتاً، التي استمرت سنتين متواصلتين وأدت إلى دمار شامل للبنية التحتية وتركت ضحايا أكثر من 150 ألفا بين قتيل وجريح ومعوق. وبالرغم من كل الشكوك المتصلة بهذه الحرب وبالرغم من مواصلة الاحتلال الإسرائيلي عمليات القتل اليومي فإن مجرد تدخل الرئيس ترامب بكل قوة في هذه القضية قد فتح باب الأمل لاستعادة الشعب الفلسطيني الشقيق في غزة جزءا من سيادته المفقودة بسبب حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل خلال السنين الأخيرة.
وعلى صعيد آخر نجح ترامب أيضا في إيقاف ومحاصرة الحرب بين الهند وباكستان خلال أيام قليلة، ويعتبر هذا التدخل من قبل الرئيس ترامب لإيقاف هذه الحرب ومنع اتساع نطاقها خطوة مهمة لإطفاء نار هذه الحرب الجديدة، وحتى بالنسبة إلى المواجهة التي حدثت بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة وإيران من جهة أخرى فقد تمكن الرئيس ترامب من وضع حد لنطاق هذه المواجهة وعدم تحويلها إلى حرب شاملة طاحنة بين الطرفين، وهذا أيضا بفضل الجهد الذي بذله الرئيس الأمريكي من خلال الضغط على إسرائيل ومن خلال الضغط على طهران في الوقت نفسه.
وعلى صعيد الحرب الروسية الأوكرانية التي شهدت خلال الأشهر الثلاثة الماضية اتساع نطاق المواجهة العسكرية وتبادل الهجمات بين البلدين الجارين وازدادت دموية هذه الحرب التي تلتهم يوميا المئات من الضحايا من الجانبين فإن جهود الرئيس ترامب لإيقافها جاءت ضمن الوفاء بوعده بإيقاف هذه الحرب التي اعتبر سلفه جو بايدن المسؤول الأول عن اشتعالها. وقد بدا واضحا أن جهود ترامب كانت جادة لأنها تنطلق من معادلة بين مصالح روسيا الاتحادية ومصالح أوكرانيا في الوقت نفسه وبغض النظر عن نتائج هذه الوساطة التي يقوم بها ترامب فإن الأوروبيين بوجه خاص يرفضون هذا الحل الذي اقترحه الرئيس ترامب قبل عدة أسابيع المؤلف من 28 نقطة، والدليل على ذلك أن اجتماعهم مع الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي قد أدى إلى تقليص النقاط إلى 19 نقطة؛ إذ ألغى الأوروبيون النقاط التي تراعي مصالح روسيا الاتحادية التي بسببها قامت روسيا بالعملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، وذلك بهدف إنهاء هذه الوساطة وإنهاء المشروع السلمي ومواصلة الحرب حتى سنوات عديدة قادمة بالرغم من أن الأمر قد بات واضحا أن الأوكرانيين يخسرون هذه الحرب في الميدان وبالرغم من مساندتهم في القتال، ولم يؤد هذا الموقف الأوروبي الرافض للسلام والمحرض على القتال إلى آخر جندي أوكراني والمحرض على روسيا الاتحادية سياسيا واقتصاديا وإعلاميا فإن ذلك يجعل الرئيس ترامب يتخلى عن مشروعه لإنهاء هذه الحرب التي يعتبر حلها وإنهاءها مصلحة أمريكية بالدرجة الأولى، ولذلك بدأ يميل إلى تهميش الدور الأوروبي بعد اتضاح هذا الموقف المحرض على استمرار الحرب.
إن الطريق إلى حل هذه القضية الشائكة لا تزال أمامه العديد من العقبات؛ فروسيا مازالت مصرة إصرارا حادا على مطالبها الأساسية، وهي بوجه خاص المطالب الإقليمية بضم إقليم الدونباس إلى روسيا الاتحادية لاستحالة عيش السكان الروس مجددا تحت مظلة السياسة الأوكرانية بعد أن تعرضوا للقتل والإبادة منذ عام 2013 حتى عام 2022، والمطلب الثاني المتعلق بحياد أوكرانيا وعدم انضمامها إلى حلف الناتو في المستقبل، في المقابل فإن أوكرانيا أيضا المدعومة من الأوروبيين ترفض أي حل يتضمن النقطتين المشار إليهما وهما الأرض والحياد.
ويبقى السؤال في هذا السياق هل ستنجح الدبلوماسية الأمريكية وأسلوب الرئيس ترامب في حل هذه المعضلة؟
من الواضح أن فرص الحل التوافقي بين الأطراف المختلفة تبدو محدودة، وقد يؤدي ذلك إلى جولات جديدة من الحرب والقتال في الفترة المقبلة بشكل أشرس وشامل، وخاصة أن الأوروبيين لا يخفون هدفهم الرئيسي في إلحاق الهزيمة العسكرية بروسيا واستعدادهم للقيام بأي شيء في إطار الرد على الحرب المعلنة ضد روسيا من قبل الأوروبيين بما في ذلك احتمالية اللجوء إلى السلاح النووي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك