أصبحت عِلاقة الإنسان وثقافته والبيئة الطبيعية واحدة من أهم اهتمامات العلماء، حيثُ أشار العالم ريموند فيرث في دراسته «لمجتمع تيوكوبيا» إلى أهمية دراسة الجانب البيئي عند دراسة البناء الاجتماعي، كما أكد «درايل فورد D.ford» في كتابه البيئة والاقتصاد والمجتمع عام 1934م، ضرورة العِلاقة بين العوامل الثقافية والبيئة. وفي نفس الاتجاه سار جوليان سيتوارد عندما درس العلاقة والتأثير المتبادل بين الثقافة والبيئة، وهكذا نشأ تخصص جديد أطلق عليه الإيكولوجيا الثقافية (Culture Ecology) هدفه التركيز على دراسة العلاقات بين الثقافة والبيئة. وفي عصرنا الحالي، يواجه العالم العديد من التحديات البيئية والاجتماعية التي تهدد استدامة كوكب الأرض وثقافاتنا المتنوعة. وتتداخل البيئة مع الثقافة بشكل معقد، حيث تعتمد العديد من الثقافات على التنوع البيئي الذي يحيط بها. إذًا، كيف يمكننا ضمان استدامة الثقافة والبيئة معًا.
إن الثقافة والبيئة بينهما عِلاقة ترابطية عميقة، وقد توضح ذلك من العادات والتقاليد الثقافية التي تتعلق باستخدام الموارد الطبيعية بشكل أساسي، على سبيل المثال، نرى أن بعض المجتمعات التقليدية مازالت تعتمد على الزراعة المستدامة التي تراعي التوازن البيئي، ومن الممكن أن تكون هذه الممارسات التقليدية ذا فائدة للتصدي لتحديات الاستدامة في وقتنا الحاضر، مثل قضية التغير المناخي وذلك لأن التراث الثقافي والطبيعي يعد العنصر الذي يظهر هوية الشعوب ويجمع بين ماضيها وحاضرها، لاعتباره جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان، ويعكس مدى تفاعل المجتمعات مع البيئة المحيطة بها وكيفية استثمارها وتوظيفها لخدمة الإنسان من جهة، والحفاظ على الموارد من جهة أخرى.
تعد البحرين واحدة من الدول التي تتمتع بثقافة متنوعة وغنية، فقد برز التراث الثقافي الذي يتداخل مع البيئة الطبيعية، وظهر ذلك في عديد من المجالات التي تنسجم فيها حياتنا اليومية مع البيئة الطبيعية ومحتوياتها، مما ساهم ذلك في خلق صور فريدة من أشكال التعاون بين الإنسان وبيئته، ففي البحرين، كما في أغلبية الدول نجد التراث الثقافي التقليدي يعتمد بشكل أساسي على الموارد الطبيعية المحيطة، وأدى ذلك إلى نشوء علاقة متكاملة أسهمت في الحفاظ على البيئة من جهة وعلى الهوية الثقافية للمجتمع البحريني من جهة أخرى.
وعلى سبيل المثال، تعد مهنة الغوص بحثًا عن اللؤلؤ من أبرز النشاطات التي تمثل جزءًا من التراث والهوية الثقافية للبحرين، فقد كان الغواصون يعتمدون على البحر كمصدر رزق أساسي، حيثُ كان اللؤلؤ البحريني ولا يزال من أشهر المنتجات التي يتم تصديرها إلى مختلف بلدان العالم، ورغم قساوة هذه المهنة وصعوبتها، إلا أنها ساعدت في إرساء ثقافة خاصة جمعت بين المعرفة بالبحر وبيئته، والمهارات البشرية المتراكمة عبر الأجيال. اليوم، مع أنّ صيد اللؤلؤ لم يعد كما كان في الماضي، إلا أن هذه المهنة تعد جزءًا لا يتجزأ من هويتنا الثقافية الوطنية.
إضافةً إلى ذلك، يمتد التراث البحريني ليشمل فنونًا ومعارف وثقافة متأصلة في حياتنا اليومية، على سبيل المثال، حضرت الأغاني البحرينية القديمة المرتبطة بالبحر والعيون، خاصة عندما يذهبون في جولات بحرية لجزيزه النبيه صالح وكان الجميع يرددها ببساطة صادقة «سلام عليك يا نبي صالح أنت حلو والبحر مالح»، وكذلك تُعد صناعة الفخار في البحرين جزءًا راسخًا في التراث الثقافي الذي يعكس علاقة الإنسان بالأرض. وكان أجدادنا بجهد وحماس يستخدمون الطين المحلي لصناعة منتجاتهم الفخارية لاستخدامها في حياتهم اليومية في تخزين الطعام وتبريد الماء. إن هذه الصناعة لا تقتصر على إنتاج الأدوات للاستخدامات اليومية، بل كانت بمثابة وسيلة تواصل ثقافي بين مختلف الأجيال والحضارات التي مرت بها البحرين عبر العصور، وهذا ما يعكس عِلاقة الإنسان بالبيئة التي نشأ واستقر فيها.
وفي الوقت الحاضر، تواصل البحرين الحفاظ على هذه العلاقات الثقافية والبيئية عبر عديد من المشروعات البيئية التي تهدف إلى الحفاظ على الطبيعة وتعزيز التنمية المستدامة. مثلاً، مشروعات الحفاظ على الشعاب المرجانية التي تسهم في الحفاظ على التنوع البيولوجي البحري وتزيد من الوعي بأهمية البيئة البحرية لدى المواطنين. فضلاً على ذلك، تحرص البحرين على إحياء العديد من الفعاليات الثقافية التي تربط بين الفنون التقليدية كافة والبيئة الطبيعية، مما يعزز الانتماء والاحترام للطبيعة.
أن هذه العِلاقة بـالأرض كانت أساسية في تعزيز الهوية الثقافية لشعب البحرين، حيث كانت الزراعة جزءًا من ممارسات الحياة اليومية. البحرين أيضًا تشتهر بتنوعها البيئي، الذي يجمع بين البيئة البحرية والصحراوية، ووجود جزر مثل «حوار» التي تعد موطنًا لعديد من الطيور المهاجرة والحياة البحرية المتنوعة. فالتفاعل بين الإنسان والبيئة في البحرين خلق ثقافة فريدة من نوعها تركز على احترام الموارد الطبيعية، وهذا انعكس في الفنون التقليدية التي تحاكي جمال البحر والصحراء.
وعلى الرغم من التحديات الحديثة التي قد تهدد البيئة، إلا أن البحرين تبذل جهودًا كبيرة للحفاظ على هذا التراث الثقافي والطبيعي، وتقدم نموذجًا مدروسًا للتكامل بين التراث الثقافي والبيئة، حيث يتم الحفاظ على الهوية الثقافية من خلال احترام البيئة الطبيعية. ومع التحديات البيئية التي تواجهها المنطقة، من خلال عدة مشروعات كـالحفاظ على الشعاب المرجانية، وتعزيز الوعي البيئي بين جميع فئات المجتمع المحلي، مما يضمن أن تظل هذه الثقافة حية ومتجددة عبر الأجيال.
إن تحقيق استدامة الثقافة والبيئة يتطلب تعاونًا عالميًّا بين الحكومات، المجتمعات المحلية، والمنظمات الدولية. انطلاقًا من تعزيز الوعي البيئي والثقافي، واستخدام التكنولوجيا المبتكرة، من الضروري أن نواصل جميعنا تعزيز هذا التكامل، مما يساعد على المحافظة على التوازن بين النمو البشري والحفاظ على البيئة، وتمكننا من بناء مستقبل مستدام يحافظ على التنوع البيئي والثقافي الذي يميز كل مجتمع. حيثُ إن التوازن بين حماية البيئة والحفاظ على التراث الثقافي ليس أمرًا مستحيلًا، بل هو تحدٍ يتطلب إرادة مجتمعية ورؤية بعيدة المدى لتحقيق التغير الإيجابي في مملكتنا الحبيبة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك