دار الجدل طويلًا بين دعاة الإسلام ودعاة العَلْمانية، فالعَلْمانيون يزعمون أن سياق التقدم في هذا العصر يقتضي تبني العَلْمانية كمنهج للحياة، وأن الدين -وهنا نقدم الإسلام كنموذج- يقولون زاعمين: إن الإسلام قد استوعب كل ما له علاقة مباشرة وغير مباشرة بين الإسلام والنظم الوضعية، وأنه قد آن الأوان لأن يكف الإسلام يده وتدخله في التشريعات البشرية التي شرعها الناس لحياتهم، وأن ما يسمى الأركان الخمسة التي ذكرها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الحديث المشهور، -يزعموا- أن هذه الأركان لا محل لها من الإعراب الآن، وأن على الناس أن يختاروا لأنفسهم أركانًا جديدة تقوم مقام الأركان التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ونحن نرد على هؤلاء زعمهم، ونبطل دعوتهم ولا نقيم لها وزنًا؛ لأن ما قدمه الإسلام من تجربة ثرية في الدولة التي أنشأها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ولأن الدولة في الإسلام دولة مدنية ذات منهجية إسلامية مارس فيها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) جميع سلطات الحاكم في أي دولة مدنية، إضافة إلى ما يتعلق بالحلال والحرام من الأقوال، والأفعال، فاستكمل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شروط الدولة المدنية التي ترعى مبدأ الحلال والحرام، وأهم مظهر من مظاهر الدولة المدنية تداول السلطة، وتقنين القوانين التي ترعى مصالح العباد، وسنحاول في هذه المقالة أن نبسط القول في الحدود التي يجب على الحاكم في الدولة المدنية ألا يتعداها، والحدود التي يجب عليه ألا يقترب منها.
لقد بَيَّنَ لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأركان التي تقوم عليها الدولة المدنية بمرجعيتها الإسلامية حين قال: (بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) متفق عليه.
إذًا، فالركن الأول، والأساس، هو الإيمان بالله تعالى، وأنه لا معبود بحق سواه سبحانه، وأن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) رسول الله، فإذا قالت العَلْمانية ما يخالف هذا، وأن الإنسان أولى بسن القوانين، وهذا مقبول في ظل غياب تشريعات من الله تعالى ومن رسوله (صلى الله عليه وسلم) أما مع وجود تشريعات من الكتاب والسنة، فتقدم هذه السنن والقوانين على غيرها، ونقول لهؤلاء إن عظمة هذه الأركان التي دعا إليها الإسلام أنها تستمد سلطاتها من الله تعالى لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه، ولأن طاعة الله تعالى في التشريع مقدمة على طاعة المخلوقين، فالتوحيد إذًا هو الركن الأساس والواجب اتباعه، وعدم التهاون في الأخذ به، يقول تعالى: «إن هذه أمّتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» الأنبياء: 92. ولقد ذكر الله تعالى التزام أولي العزم من الرسل بوضع السنن والشرائع، فقال سبحانه: «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب» الشورى: 13.
هذا هو الركن الأول من أركان الإسلام، وهو التوحيد، أما الركن الثاني، فهو الصلاة، ولقد شرعت لمهمتين عظيمتين، الأولى: للصيانة، والثانية: للعلاج، اما الصيانة فنجدها في قوله تعالى: «اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون» العنكبوت: 45. فإذا غلبت المعصية الإنسان ولامسها أو واقعها، فهنا يأتي دور الصلاة كعلاج، وذلك في قوله سبحانه: «وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين» هود: 114.
أما الركن الثالث، وهو الزكاة، فإن العبد حتى تقبل منه زكاته بعد تمام شروطها، فشرطها الأساس أن يكون مكسبه من حلال، وهذا يعني تحريم كل وسيلة من وسائل الكسب غير المشروع، وبهذا فإن المسلم سوف يذوق لذة العطاء قبل أن يصير مزكيًا، وهذا نجده في قول الحق سبحانه: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم» التوبة: 103.
إن في الزكاة إذا أخرجتها تطهيرا للمال، ولصاحب المال، وتزكية له ولماله، وفيها قمة العطاء حين يرفع الرسول (صلى الله عليه وسلم) كفه الشريفة ليدعو له بالبركة في عمره، وفي ماله، وفي سعيه المبرور لبلوغ الغاية التي يرجوها.. كل هذا الخير ولم يصل المسلم بعد إلى درجة المزكي، فما بالكم إذا بلغ هذه الدرجة؟!
أما الصيام، فهو ركن الإسلام الرابع الذي يتسامى فيه المسلمون إلى مرتبة التقوى التي ينشدها كل مسلم، ويجتهد في تحصيلها، وخاصة ليلة القدر التي هي في حساب الزمن خير من ألف شهر، وفيها ما يعادل عبادة خمسة وثمانين سنة.. ليلة واحدة تحقق للمسلم إذا صادفها عمره كله عبادة وتسبيحًا ودعاءً.
نأتي الآن إلى الركن الخامس وهو الحج، وفيه من الخير العميم ما لا يتصوره المسلم حين ينادي المنادي يوم عرفة، ويقال لهم ارجعوا فقد غفر اللًه لكم.
وبعد، فهذه الأركان الخمسة، وهذه هي عطاؤها، وصدق الله تعالى: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» البقرة: 185.
إذًا، فلا لقاء، ولا التقاء بين العَلْمانية والإسلام، إنما هي قطيعة ونفور.
وبعد، فهذا هو الإسلام: في وضوح تام في عقائده.. ووضوح تام في شرائعه.. ووضوح تام في أخلاقه!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك