استوقفتني سيدة ذات يوم بعد الانتهاء من محاضرتي بعنوان (التحول إلى مجتمع مستدام)، وسألتني: هل يمكن تنفيذ فكرة الأهداف المستدامة في المنزل؟ فقلت لها: نعم، يمكن ذلك. فقمت بشرح إمكانية تنفيذ بعض أهداف التنمية المستدامة في المنزل، وانتهى الحوار، إلا أن الموضوع لم ينته بالنسبة إلي، فرحت أفكر بطريقة منهجية علمية في تنفيذ هذه الفكرة والأهداف سواء في المنزل أو حتى المؤسسات المهنية بمختلف أنواعها وأحجامها.
أتذكر أنه في عام 2006 أصدرتُ كتابًا بعنوان (المرأة والبيئة والتنمية المستدامة)، وكتبتُ فيه فصلاً كاملاً بعنوان (إدارة المنزل بيئيًا)، تطرقت فيه إلى القضايا المتعلقة بالتنمية المستدامة فيما يتعلق بالبيئة المنزلية فقط، علمًا أن أهداف التنمية المستدامة التي نعرفها اليوم لم تكن واضحة المعالم آنذاك أو حتى مكتوبة بالطريقة المذكورة اليوم، ولكن كان اجتهادًا مني بقدر الإمكان، وذلك بحسب ما كان يصل إلي من قصاصات ومراجع من المنظمة الدولية.
واليوم أصبحت أهداف التنمية المستدامة متداولة، وغدت من القضايا الأكثر انتشارًا وتداولاً في المنتديات العلمية وكذلك المتعلقة بالتنمية البشرية، وما سنحاوله من خلال هذا المقال وبعض المقالات الأخرى القادمة في المستقبل القريب بإذن الله أن نضع الأطر المنهجية لمنظومة الإدارة المستدامة للمنزل من خلال الأعمال والأنشطة والمهام المنزلية، سواء المتعلقة بالبيئة أو تربية الأطفال وفيما يتعلق باقتصادات المنزل والقضايا المتعلقة بالصحة وما إلى ذلك.
ما الاستدامة المنزلية؟
لا نريد أن نُعرّف التنمية المستدامة بالتعريفات الأكاديمية التي صدرت ونُشرت بعدما دشنت أهداف التنمية المستدامة، ولكن دعونا نُعرف الاستدامة والتنمية المستدامة وكأنها نشاط يومي يعيشه الإنسان ويتعايش معه في كل مناحي الحياة، ففي هذه الحالة فإن الاستدامة تعني أن نقوم بالعمل أو الأنشطة بصورة دائمة ومتكررة مع تحسين تلك الأنشطة والمهام بصورة مستمرة وتطويرها حتى تصبح أهداف التنمية المستدامة جزءًا من حياة الإنسان، فيعيشها ويتعايش معها، فتغدو واقعًا ملموسًا؛ فهو حينما يتعامل مع التعليم فإن التعليم يصبح جزءًا من حياته الذي لا يستغني عنه، وحينما يتحدث عن الصحة فإنها تغدو ديدنه، وهكذا مع بقية الأهداف.
فحينما نصل بتفكيرنا إلى هذه المستويات فإن أهداف التنمية المستدامة تتحول من حبر على ورق إلى حقائق تحول حياتنا من حياة نظرية إلى منظومة تغير حياتنا بصورة منهجية، وإن كنا لا نؤمن يقينًا أن أهداف التنمية المستدامة هي الحقيقة المطلقة أو أنها كاملة ومتكاملة ولا ينقصها شيء، وإنما الحقيقة تقول بوضوح إنها تحتاج إلى إعادة نظر سواء في النظرية أو في التطبيق، ولكن هذا أمر لا يهمنا اليوم في هذا المقال.
أنشطة المنزل والأسرة
من الطبيعي أن تختلف الأنشطة والمهام من منزل إلى آخر، ولكن دعونا نتحدث بصورة عامة، بمعنى أننا سنتحدث عن الأنشطة العامة التي تتم في كل منزل وما بين أفراد الأسرة، وهي كالآتي:
اختيار شريك الحياة والزواج.. لنبدأ منذ اللحظة التي يرغب الابن في الزواج، حينئذ تقوم الأم أو الأب في بعض الأحيان، وأحيان أخرى الأخت وخاصة الكبيرة، بالبحث عن الزوجة التي تجدها مناسبة لابنهم، فتتم الكثير من الإجراءات وتصرف الكثير من الأموال حتى يتم عقد القران وحفل الخطوبة، وأخيرًا حفل الزواج، وبعد ذلك ندخل إلى عش الزوجية.
إنجاب الأولاد؛ في الحالات الطبيعية يرزق الإنسان بأول مولود بعد تسعة أشهر، ولكن في بعض الأحيان وربما بسبب أو بآخر قد يتأخر الإنجاب بضعة أشهر أخرى أو حتى بضع سنوات، وربما لا يرزق الإنسان بأي مولود. وفي الحالة الأولى فإنه تقام بعض الاحتفالات، وفي الحالات الأخرى يتم البحث عن العلاج الناجع.
البحث أو بناء منزل العمر.. في بعض الدول ولدى بعض العائلات يصبح البحث عن منزل العمر أزمة يصعب التعامل معها، إذ يمكن أن يبقى الأبن وزوجته وأولاده في منزل والده أكثر من 20 سنة حتى يجد المنزل الذي يمكن أن يستمر فيه بقية حياته، وفي حالات أخرى فإنه مع كتابة عقد القران فإن الولد يوقع عقد بناء المنزل الذي سيعيش فيه هو وعائلته، وحتى ربما يقوم الأب بالاتفاق مع الشركة التي ستقوم ببناء المنزل، وبعد الانتهاء من بناء المنزل يقدم الأب مفتاح المنزل للابن هدية زواج.
تأثيث وتزيين المنزل.. وبأي طريقة كانت فإنه من الحتمية بمكان أن يتم تأثيث المنزل وتزيينه بعدما يتم تسلم منزل العمر، وهنا تدخل العائلة الصغيرة في دوامة اختيار الأثاث والألوان ونوعيات الأثاث وما إلى ذلك من أمور كثيرة.
الزراعة المنزلية.. بعض العوائل تحب الزراعة، فإن كان في المنزل مساحة خارجية فإنه يمكن استخدامها للزراعة، وخاصة زراعة بعض أنواع الخضراوات أو بعض الأشجار، وإن لم تكن هناك مساحة يمكن الاعتماد على الزراعة الداخلية ونباتات الظل، وكل هذه النوعيات من الزراعة تحتاج إلى اهتمام ورعاية، وحتى إن بعض النباتات والأشجار تحتاج إلى رعاية خاصة وحذر خاص.
الاهتمام بتربية الأولاد.. وهذه العملية تبدأ منذ اللحظة الأولى التي يُرزق فيها الإنسان بطفل، ومن ذلك تغذية الطفل والاهتمام بنظافته وصحته، وبعد ذلك تعليمه الثقة بالنفس وكيفية الحركة واحترام وحب الآخرين، وبعد ذلك كله تعليم القراءة والكتابة، ويجب أن يتوج كل ذلك بالأخلاقيات الحسنة، وربما هي أصعب مهمة ودورة يدخلها الوالدان، لأن تربية الطفل ليست من السهولة بمكان وإنما هي قدرة كبيرة ينجح فيها الكثيرون وفي المقابل يسقط فيها آخرون.
التربية والتعليم.. يمكن أن يُعد التعليم كنشاط قائم بذاته، وخاصة في ظل الحضارة المتسارعة المعتمدة على التعليم والتقنيات والذكاء الاصطناعي، فعلى الأسرة أن تفكر في تعليم الأبناء وتخصص لهم الموارد اللازمة، فما عادت الأمية مقبولة في هذا العصر.
الأجهزة الإلكترونية.. وكأي تقنية حديثة فإن الأجهزة الإلكترونية ذات جانبين؛ الجانب الإيجابي والجانب السلبي، فالجانب الإيجابي ينحصر في الأدوات الضرورية في عمليات التعليم والتثقيف ونمو الفكر، ومن الجانب الآخر ونقصد به الجوانب السلبية فإنها يمكن أن تُعد من الملهيات التي تصرف الأطفال عن التعليم وخاصة حينما يدمن الطفل الألعاب الإلكترونية ومشاهد الأفلام غير الأخلاقية، وحتى العادية، فالقضية هنا هي الإدمان واللهو وترك الأولويات.
اقتصاديات المنزل.. الجانب الاقتصادي موضوع مهم في الأسرة، فالمال شئنا ذلك أم رفضنا، وأيًا كان إيماننًا في المال، إلا أنه موضوع مهم، فهو محرك المنزل، ومن غيره تقف الأسرة عاجزة وتقف أحوالها. لذلك على الأسرة أن تنفق بحكمة وذكاء، فلا إسراف ولا تقتير، وهذا هو الميزان الحساس.
القضايا البيئية.. الفكر والثقافة البيئية جزء أصيل من حياة الأسرة، فالبيئة وقضاياها الشائكة لا يمكن تغافلها، سواء كنا نتحدث عن إدارة الكهرباء والماء أو إدارة المخلفات، وغيرها من أمور كثيرة، وحتى موضوع اختيار الأثاث والملابس والسيارات وما إلى ذلك، وعلى ذلك فإن القضايا البيئية من الأمور المهمة التي لا يمكن إغفالها مهما تغافلنا.
الغذاء وسلامة الغذاء.. ومن الأمور التي يجب أن تؤخذ في البال والاعتبار موضوع الغذاء ونوعية الغذاء وقيمته الغذائية، إذ إن الكثير من الأسر لا تهتم بما يأكل أفرادها، فتهمل الأغذية ذات القيمة الغذائية العالية من على المائدة وتستبدلها بالأغذية الضعيفة في قيمتها الغذائية، وكذلك موضوع سلامة الغذاء وإبعادها عن مصادر التلوث وخاصة الميكروبي.
الترويح والمناسبات.. من الأمور الأساسية أيضًا أن يفكر الأب والأم في موضوع الترويح وإقامة المناسبات السعيدة، فمثلاً يمكن الاحتفال بأعياد الميلاد والأعياد المجتمعية، وأعياد الزواج، وربما في بعض الأحيان بعض النجاحات الصغيرة يحتاج فيها المرء إلى الاحتفال، وخاصة التخرج في المدرسة أو الجامعة أو ما إلى ذلك، فإن مثل هذه الأمور لا تكلف كثيرًا من الناحية المادية، ونحن هنا لا نتحدث عن البذخ وإنما نتحدث عن احتفالات أسرية.
المشاكل والأزمات.. لا توجد أسرة على الكرة الأرضية لا تواجه المشاكل خلال مسيرة حياتها؛ ففي كل خطوة يمكن أن نجد مشكلة وفي كل منعطف نصادف أزمة، ولكن يبقى الأمر مرهونا بقدرة هذا المجتمع الصغير على مواجهة كل هذه التحديات، وكيف يمكن إدارتها والكيفية المناسبة للتصدي لها. لذلك فإن على قادة هذا المجتمع وإدارته أن يكون على دراية كافية لإدارة مثل هذه المشكلات وتلك الأزمات؛ إذ يجب أن يتم التصدي لها بعقلانية وهدوء ومن غير غضب.
طبعًا، هذه الأمور التي ذُكرت ليست كل الأنشطة، وإنما هناك أمور وأنشطة كثيرة تجري في المنزل يصعب حصرها هنا وفي هذا المقال، فماذا سيكون مصير الطفل الذي يفشل في الدراسة، وماذا يحدث للطفل الموهوب، وماذا عن العبادات والأخلاق العامة، وماذا يحدث إذا أصيب أحد أفراد الأسرة بمرض عضال لا سمح الله. كل هذه الأمور وأمور أخرى سوف نُخضعها للدراسة من حيث الاستدامة وأهداف التنمية المستدامة، ولكن قد يسأل سائل: أين أهداف التنمية المستدامة من كل هذا الذي ذُكر؟
نقول؛ هذه هو موضوعاتنا القادمة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك