تُعد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي خطوة محورية في إعادة رسم ملامح السياسة الخارجية الأمريكية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي يسعى إلى وضع بصمته الخاصة في العلاقات الدولية. ففي الوقت الذي تركز فيه الاستراتيجية على تعزيز الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، تبرز انتقادات ترامب الحادة للمسؤولين الأوروبيين، متهمًا إياهم بالضعف والافتقار إلى الفاعلية في الأزمات العالمية.
إن هذه الانتقادات تتجاوز حدود التصريحات العابرة لتتعلق برؤيته العميقة لعلاقات واشنطن مع حلفائها التقليديين، ما يثير تساؤلات بشأن مستقبل التحالفات العابرة للأطلسي وأثرها على استقرار النظام الدولي القائم.
أشارت ناتالي توتشي، مديرة المعهد الإيطالي للشؤون الدولية، إلى أن القادة الأوروبيين استقبلوا هجمات ترامب عليهم خلال ولايتيه بابتسامات مصطنعة، معتبرين أنه «لا يمكن التنبؤ بتصرفاته» رغم تناقضها، وأنه «قابل للسيطرة عليه في النهاية». ومع ذلك، يبدو أن هذا التصور لم يعد ينطبق، وفقًا لترامب الذي وصف في مقابلة، بتاريخ 8 ديسمبر، مع «بوليتيكو» قادة الغرب بأنهم «ضعفاء»، وادعى أن دولهم «تتدهور» بسبب الهجرة.
إن وصفه «بوليتيكو» بأنه «أشد إدانة من ترامب حتى الآن» للديمقراطيات الغربية يجب أن يُوضع في سياق الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي، التي اعتبرها كاس مود أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورجيا محاولة لتدمير الديمقراطية الليبرالية.
وفي حفل أقيم في واشنطن العاصمة خلال إشرافه على قرعة كأس العالم 2026، التي ستستضيف الولايات المتحدة جزءًا منها، قدّم رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، جائزة «فيفا للسلام» الافتتاحية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما أثار جدلاً واسعاً. وتُفهم الجائزة على أنها تعويض رمزي لجائزة نوبل للسلام التي لم يحصل عليها ترامب في وقت سابق من العام، رغم اهتمامه العلني بها.
سخرت وسائل الإعلام الغربية من إطراء إنفانتينو لترامب، حيث وصفه جيروم لاتا من صحيفة «لوموند» بأنها «لحظة تتجاوز السخرية والتهكم إلى درجة استحالة الضحك». ومع ذلك، يعتبر ذلك مثالاً على مغازلة العديد من المسؤولين الدوليين لترامب، على أمل تحسين الظروف الاقتصادية والسياسية لأنفسهم أو لبلدانهم أو منظماتهم.
حاول قادة دول أوروبية بارزة، مثل رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، استمالة الرئيس الأمريكي مرارًا وتكرارًا، وخاصة لتفادي أسوأ آثار التعريفات الجمركية الجديدة التي فرضتها واشنطن على الصادرات الأجنبية، إلى جانب استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.
أفادت الاستراتيجية الجديدة بأن الولايات المتحدة «لا تزال أعظم دولة وأكثرها نجاحًا في تاريخ البشرية»، وهو تصريح يتناقض مع سياسة الإدارة الحالية التي تعتمد على الترهيب، وترفض احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتتواطأ مع إسرائيل في أعمال ضد الشعب الفلسطيني. هذه الإخفاقات تشترك فيها أيضًا القوى الغربية الكبرى، ما قلل من مصداقيتها كمنظومة «النظام الدولي القائم على القواعد».
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، استمر القادة الأوروبيون في اتباع نهج متوازن بين معارضة تصريحاته وأفعاله وإظهار الاحترام العلني له. على سبيل المثال، زار ستارمر واشنطن في فبراير لخفض الرسوم الجمركية على الصادرات البريطانية ودعوة ترامب لزيارة المملكة المتحدة، كما تحدث ماكرون بإيجابية عن فرص التفاوض المباشر مع بوتين لإنهاء حرب أوكرانيا، وأشاد ميرتس بالقدرة على التواصل الجيد مع ترامب.
على الرغم من هذه المبادرات، تم تهميش صانعي السياسات الأوروبيين من قِبل إدارة ترامب الحالية، حيث تم استبعادهم من جميع قنوات صنع القرار الجيوسياسي الرئيسية. كما أشارت هولي إليات من «سي إن بي سي» إلى أن مستشاري ترامب وضعوا خطة سلام لأوكرانيا من دون إبداء رأي يذكر من قبل القادة الأوروبيين الذين كانوا يراقبون الوضع من بعيد.
أوضح ترامب في مقابلته مع «بوليتيكو» أن المسؤولين الأوروبيين «يريدون أن يكونوا على قدر كبير من الصواب السياسي» ولا يعرفون ماذا يفعلون في الأزمات، منتقدًا عدم فاعليتهم في إنهاء الحرب في أوكرانيا. كما هاجمهم بشأن «التوقعات غير الواقعية» لنهاية الحرب، وفقًا لاستراتيجية الأمن القومي.
إن انتقادات ترامب لأوروبا شملت أيضًا الهجرة، حيث وصف الدول الأوروبية بأنها «لن تكون قابلة للحياة» إذا استمرت مستويات الهجرة الحالية. وجاء هذا الكلام متماشيًا مع ما ورد في الاستراتيجية الأمريكية حول «المحو الحضاري» الذي تواجهه أوروبا.
إن واشنطن تهدف من خلال هذا الموقف إلى تغيير العلاقات الجيوسياسية طويلة الأمد مع حلفائها. وقد ادعى ترامب، بدون دليل، أن «بعض أعضاء الناتو سيصبحون أغلبية غير أوروبية» في المستقبل القريب، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقات عبر الأطلسي، بحسب توتشي، التي ترى أن الرسالة التي قد تخرج من ذلك هي أن «الرابطة الوحيدة الممكنة عبر الأطلسي» هي تلك التي تنشأ بين قوى اليمين المتطرف.
كان رد فعل القادة الأوروبيين ضعيفًا في مواجهة هذه الهجمات، حيث اقتصر على تصريحات دبلوماسية عامة مثل تصريحات رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا: «نحن نحترم خيار الأمريكيين، وعليهم احترام الخيارات الديمقراطية لمواطنينا»، وذلك من دون الرد المباشر على انتقادات ترامب. هذا الضعف يعزز بالفعل الخطاب المهين الذي يتبناه الرئيس الأمريكي تجاههم. وعقب مكالمة هاتفية بين ستارمر وماكرون وميرتس وترامب في 10 ديسمبر، صرح مكتب رئيس الوزراء البريطاني في داونينج ستريت بأن القادة «يرحبون بالجهود المبذولة لتحقيق سلام عادل ودائم»، من دون أي إشارة إلى أي رد على اتهامات ترامب.
على المدى البعيد، حذرت توتشي من أن إغداق الهدايا على ترامب، أو حتى الدبلوماسية الأوروبية التي تشمل زيارات جماعية لواشنطن، لن تحمي التحالف عبر الأطلسي طالما ظل ترامب في السلطة. ورغم دعوتها القادة الغربيين إلى إظهار «الشجاعة» في مواجهة خطاب ترامب، فإنه لا يبدو أن هناك استعدادًا حقيقيًا لذلك، نظرًا إلى التهديدات الاقتصادية والسياسية التي قد تفرضها واشنطن.
إن استهداف ترامب للقادة الأوروبيين باتهامات الضعف لن يصرف الأنظار عن إخفاقاته السياسية والأخلاقية العديدة. وبينما تؤكد استراتيجية الأمن القومي الاعتقاد أن الولايات المتحدة «يجب أن تكون مهيمنة في نصف الكرة الغربي كشرط لأمنها وازدهارها»، بما يسمح لواشنطن بالتدخل «بثقة حيثما ومتى دعت الحاجة»، سلطت وسائل الإعلام الغربية الضوء على العلاقة الوثيقة بين الرئيس الأمريكي وبوتين، حيث أعرب أندرو ريفكين من مجلة «ذا أتلانتيك» عن أسفه لمحاولات ترامب «المتناقضة» لإجبار موسكو على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، التي باءت جميعها بالفشل.
وبالمثل، سمح ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالسيطرة الفعلية على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، ما وسّع نطاق التواطؤ الأمريكي في الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة، وشنّ حملة غارات جوية على إيران في صيف عام 2025، وفرض شروط وقف إطلاق النار على الشعب الفلسطيني، وهي شروط منحازة بشدة لطموحات إسرائيل في التطهير العرقي وضم الأراضي. ويتجلى مدى نفوذ الزعيم الإسرائيلي على ترامب في محاولة الرئيس الأمريكي الضغط على نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، لإصدار عفو عن نتنياهو بتهم الفساد.
أما فيما يتعلق بكيفية استجابة القارة على المدى الطويل، فقد أشار جويل ريلاند، الباحث الرئيسي في مركز الأبحاث «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة»، إلى أنه في ظل «نظام أكثر تقلباً»، يتعين على الدول المتشابهة في التوجهات «العمل بتعاون وثيق لتعظيم نفوذها»، إلا أن تصرفات ستارمر وماكرون وميرتس وأسلافهم خلال سنوات ترامب في إدارة واشنطن أظهرت عدم فعاليتهم، وافتقارهم إلى الشجاعة السياسية والأخلاقية لمواجهة الولايات المتحدة ورفضها لسياستها الدولية.
إن انتقادات ترامب اللاذعة للمسؤولين الأوروبيين، إلى جانب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي تعكس توجهات متشددة نحو الهيمنة العالمية، تشير إلى مرحلة جديدة في العلاقات الدولية التي قد تفرض تحديات كبيرة على التحالفات التقليدية. وفي ظل هذه الديناميكيات المتغيرة، يظل السؤال المطروح هو مدى قدرة أوروبا على إعادة تقييم مواقفها السياسية والاستجابة بفعالية للتهديدات التي تطرحها إدارة ترامب، وهل ستتمكن من الحفاظ على استقلالها في مواجهة السياسات الأمريكية الجديدة؟ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، في وقت يتزايد فيه القلق بشأن مستقبل النظام الدولي والعلاقات عبر الأطلسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك