ما إن تكشف الفحوصات المبكرة عن احتمال وجود تشوّه جسيم في الجنين حتى يجد الوالدان نفسهما أمام واقع لم يستعدا له. تقرير طبي واحد كفيل بأن يغيّر نظرة الأسرة للأيام المقبلة، ويضعها أمام أسئلة ملحّة حول ما يمكن فعله، وما يسمح به القانون في مثل هذه الحالات التي لا يُرجح معها أن يحيا الجنين حياة مستقرة.
وهذا الإرباك لا يأتي من الناحية الطبية فقط، وإنما كذلك من الوازع الديني الذي يحمله الناس في قلوبهم، ورغبتهم في أن يكون أي قرار يتخذونه قريباً مما يطمئنون إليه. لذلك يميلون إلى طريق محدد، لا يتركهم في مساحة غامضة.
من هنا جاء المقترح الذي طرحه عدد من أعضاء مجلس الشورى مؤخراً، وهو قائم على تنظيم التعامل مع حالات طبية محددة تحتاج عند وقوعها إلى قرار مسؤول. ووفق المقترح، يتم إنهاء الحمل قبل الشهر الرابع، وبعد تأكيد لجنة طبية مكوّنة من ثلاثة استشاريين أن الجنين مصاب بتشوّه جسيم لا تسمح حالته بحياة طبيعية بعد الولادة.
ولم يترك المقترح التفاصيل معلّقة. الإجراء يتم في مستشفى معتمد وعلى يد جهة طبية متخصصة، وبناءً على طلب كتابي من الوالدين بعد الاطلاع على تقرير اللجنة. هذه الضوابط تجعل المسار محدداً، بينما القانون الحالي لا يسمح بإنهاء الحمل إلا في حالة واحدة فقط؛ هي وجود خطر مباشر على حياة الأم، من دون أن يتطرق إلى حالات التشوّهات الجنينية الجسيمة التي يكتشفها الطب الحديث.
على مستوى الأفراد، وجود تنظيم قانوني يخفف جزءاً كبيراً من الحيرة التي ترافق هذه المواقف الحساسة؛ فبين ما يوضحه الطبيب وما هو منصوص عليه فعلياً، قد تشعر الأسرة بفجوة تحتاج إلى جسر. هذا التنظيم لا يغيّر قناعات أحد، لكنه يجعل التعامل مع الموقف أقل عبئاً، ويمنح من يمر به سنداً يعتمد عليه بدل المواجهة منفرداً.
القانون المعمول به اليوم وُضع في وقت لم تكن الفحوصات تكشف ما تكشفه الآن. الطب تقدّم بشكل ملحوظ، بينما بقيت النصوص في هذا الأمر كما هي تقريباً. ومع هذا التغيّر، أصبح من الطبيعي أن تظهر فجوة بين ما يكشفه الأطباء في بدايات الحمل وما يسمح به القانون في مثل هذه الحالات.
فالقوانين أساساً وُجدت لحماية الناس وتوجيههم إلى الطريق الذي يخدمهم، لذلك يصبح تحديث هذا الجانب من التشريعات حاجة واقعية، حتى لا يبقى كثيرون أمام تشخيص طبي دقيق من دون إطار قانوني يشرح ما يمكن فعله.
ليست البحرين وحدها في هذا النقاش؛ دول أخرى مرت بالتجربة نفسها. بعض الدول الخليجية والإسلامية وضعت ضوابط تسمح بإنهاء الحمل قبل 120 يوماً عندما يثبت وجود تشوّه جسيم عبر لجنة طبية مختصة، ودول أخرى فضلت الإبقاء على مسار أكثر تحفظاً، وقصرت الإجراء على حالة الخطر المباشر على حياة الأم.
هذه التجارب لا تعني نقل أي نموذج كما هو، لكنها تشير إلى أن النقاش حول تحديث التشريعات في هذا المجال قائم في عدة دول، وبصور تراعي ظروف كل مجتمع.
أما على الجانب الديني، فالمسألة ليست خارجة عن مسار الفقه. النصوص تعاملت مع حالات الضرر ومع تقدير الأطباء، واعتبرت رفع الحرج مقصداً شرعيا معتبراً. وهنا لا يوجد تغيير في الثوابت، بل تنظيم لحالة طبية محددة، تتحقق شروطها عبر تقارير مختصين، وليست محل تقدير فردي أو رغبة شخصية.
وتثار أحيانا مخاوف أخلاقية من أن يؤدي أي تعديل في هذا المجال إلى فتح أبواب لا يرغب المجتمع في طرقها، أو أن يستغل البعض الاستثناءات لأسباب لا علاقة لها بالحالات الجسيمة. وهذه مخاوف مفهومة، لكن وجود ضوابط محددة ولجنة مختصة يجعل التعامل مع هذه الحالات منضبطا، ويمنع أي توسع في التطبيق.
ومن الجوانب التي تعزّز هذا الإجراء التعريف الطبي الدقيق لما يُقصد بالتشوّهات الجسيمة. الحالات المعروفة طبياً، مثل انعدام الدماغ الكامل أو بعض التشوّهات القلبية القاتلة، تُعد أمثلة على أوضاع لا يُرجى معها استمرار الحياة. هذا التعريف يضبط التطبيق ويمنح الأطباء والجهات المعنية فهماً مشتركاً للحالات المشمولة.
ولعل القيمة الحقيقية لأي تشريع تظهر حين يخفف عن الناس ثِقل الخيارات، ويمنحهم قدراً من الطمأنينة في مواجهة ما لا يملكون تغييره.
تخيّلوا أسرة تُبلغ في بداية حملها أن جنينها يعاني من تشوّه جسيم. الطبيب يؤكد أن الجنين لن يعيش أكثر من ساعات بعد الولادة. لكن القانون الحالي لا يسمح بأي خيار سوى الانتظار حتى نهاية الحمل. أشهر طويلة من الانتظار لنهاية معروفة مسبقاً. هل هذا ما نريده لأسرنا؟
هذا المقترح لا يفرض على أحد قراراً، بل ينظّم مساراً لمن يحتاج إليه. أعتقد أنه يستحق نقاشا جاداً. الأسر البحرينية التي تمر بهذه المحنة تستحق أن نقف معها بتشريع واضح، لا أن نتركها وحيدة أمام واقع طبي قاسٍ وقانون لا يعترف بمعاناتها. النقاش حول هذا المقترح فرصة لمجتمعنا ليراجع تشريعاته بما يخدم الأسر ويحفظ كرامتها، من دون أن يمس ثوابتنا أو يتعارض مع قيمنا المشتركة.
rajabnabeela@gmail.com
=

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك