العدد : ١٧٤٥١ - الجمعة ٠٢ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٥١ - الجمعة ٠٢ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ رجب ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مقترح لتنظيم حالات التشوهات الجنينية الجسيمة

بقلم: نبيلة رجب

الجمعة ٠٢ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

ما‭ ‬إن‭ ‬تكشف‭ ‬الفحوصات‭ ‬المبكرة‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬وجود‭ ‬تشوّه‭ ‬جسيم‭ ‬في‭ ‬الجنين‭ ‬حتى‭ ‬يجد‭ ‬الوالدان‭ ‬نفسهما‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬لم‭ ‬يستعدا‭ ‬له‭. ‬تقرير‭ ‬طبي‭ ‬واحد‭ ‬كفيل‭ ‬بأن‭ ‬يغيّر‭ ‬نظرة‭ ‬الأسرة‭ ‬للأيام‭ ‬المقبلة،‭ ‬ويضعها‭ ‬أمام‭ ‬أسئلة‭ ‬ملحّة‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬فعله،‭ ‬وما‭ ‬يسمح‭ ‬به‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يُرجح‭ ‬معها‭ ‬أن‭ ‬يحيا‭ ‬الجنين‭ ‬حياة‭ ‬مستقرة‭.‬

وهذا‭ ‬الإرباك‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الطبية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬الوازع‭ ‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬يحمله‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬قلوبهم،‭ ‬ورغبتهم‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬يتخذونه‭ ‬قريباً‭ ‬مما‭ ‬يطمئنون‭ ‬إليه‭. ‬لذلك‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬محدد،‭ ‬لا‭ ‬يتركهم‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬غامضة‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬المقترح‭ ‬الذي‭ ‬طرحه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الشورى‭ ‬مؤخراً،‭ ‬وهو‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬حالات‭ ‬طبية‭ ‬محددة‭ ‬تحتاج‭ ‬عند‭ ‬وقوعها‭ ‬إلى‭ ‬قرار‭ ‬مسؤول‭. ‬ووفق‭ ‬المقترح،‭ ‬يتم‭ ‬إنهاء‭ ‬الحمل‭ ‬قبل‭ ‬الشهر‭ ‬الرابع،‭ ‬وبعد‭ ‬تأكيد‭ ‬لجنة‭ ‬طبية‭ ‬مكوّنة‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬استشاريين‭ ‬أن‭ ‬الجنين‭ ‬مصاب‭ ‬بتشوّه‭ ‬جسيم‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬حالته‭ ‬بحياة‭ ‬طبيعية‭ ‬بعد‭ ‬الولادة‭.‬

ولم‭ ‬يترك‭ ‬المقترح‭ ‬التفاصيل‭ ‬معلّقة‭. ‬الإجراء‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬معتمد‭ ‬وعلى‭ ‬يد‭ ‬جهة‭ ‬طبية‭ ‬متخصصة،‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬كتابي‭ ‬من‭ ‬الوالدين‭ ‬بعد‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬تقرير‭ ‬اللجنة‭. ‬هذه‭ ‬الضوابط‭ ‬تجعل‭ ‬المسار‭ ‬محدداً،‭ ‬بينما‭ ‬القانون‭ ‬الحالي‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بإنهاء‭ ‬الحمل‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط؛‭ ‬هي‭ ‬وجود‭ ‬خطر‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الأم،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتطرق‭ ‬إلى‭ ‬حالات‭ ‬التشوّهات‭ ‬الجنينية‭ ‬الجسيمة‭ ‬التي‭ ‬يكتشفها‭ ‬الطب‭ ‬الحديث‭.‬

على‭ ‬مستوى‭ ‬الأفراد،‭ ‬وجود‭ ‬تنظيم‭ ‬قانوني‭ ‬يخفف‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الحيرة‭ ‬التي‭ ‬ترافق‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬الحساسة؛‭ ‬فبين‭ ‬ما‭ ‬يوضحه‭ ‬الطبيب‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬منصوص‭ ‬عليه‭ ‬فعلياً،‭ ‬قد‭ ‬تشعر‭ ‬الأسرة‭ ‬بفجوة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جسر‭. ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬لا‭ ‬يغيّر‭ ‬قناعات‭ ‬أحد،‭ ‬لكنه‭ ‬يجعل‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الموقف‭ ‬أقل‭ ‬عبئاً،‭ ‬ويمنح‭ ‬من‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬سنداً‭ ‬يعتمد‭ ‬عليه‭ ‬بدل‭ ‬المواجهة‭ ‬منفرداً‭.‬

القانون‭ ‬المعمول‭ ‬به‭ ‬اليوم‭ ‬وُضع‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الفحوصات‭ ‬تكشف‭ ‬ما‭ ‬تكشفه‭ ‬الآن‭. ‬الطب‭ ‬تقدّم‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬بينما‭ ‬بقيت‭ ‬النصوص‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬تقريباً‭. ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬التغيّر،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يكشفه‭ ‬الأطباء‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬الحمل‭ ‬وما‭ ‬يسمح‭ ‬به‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭.‬

فالقوانين‭ ‬أساساً‭ ‬وُجدت‭ ‬لحماية‭ ‬الناس‭ ‬وتوجيههم‭ ‬إلى‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬يخدمهم،‭ ‬لذلك‭ ‬يصبح‭ ‬تحديث‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬من‭ ‬التشريعات‭ ‬حاجة‭ ‬واقعية،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬كثيرون‭ ‬أمام‭ ‬تشخيص‭ ‬طبي‭ ‬دقيق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬يشرح‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬فعله‭.‬

ليست‭ ‬البحرين‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النقاش؛‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬مرت‭ ‬بالتجربة‭ ‬نفسها‭. ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬والإسلامية‭ ‬وضعت‭ ‬ضوابط‭ ‬تسمح‭ ‬بإنهاء‭ ‬الحمل‭ ‬قبل‭ ‬120‭ ‬يوماً‭ ‬عندما‭ ‬يثبت‭ ‬وجود‭ ‬تشوّه‭ ‬جسيم‭ ‬عبر‭ ‬لجنة‭ ‬طبية‭ ‬مختصة،‭ ‬ودول‭ ‬أخرى‭ ‬فضلت‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬أكثر‭ ‬تحفظاً،‭ ‬وقصرت‭ ‬الإجراء‭ ‬على‭ ‬حالة‭ ‬الخطر‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الأم‭.‬

هذه‭ ‬التجارب‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬نقل‭ ‬أي‭ ‬نموذج‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬لكنها‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬تحديث‭ ‬التشريعات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬قائم‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬دول،‭ ‬وبصور‭ ‬تراعي‭ ‬ظروف‭ ‬كل‭ ‬مجتمع‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الديني،‭ ‬فالمسألة‭ ‬ليست‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬مسار‭ ‬الفقه‭. ‬النصوص‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬حالات‭ ‬الضرر‭ ‬ومع‭ ‬تقدير‭ ‬الأطباء،‭ ‬واعتبرت‭ ‬رفع‭ ‬الحرج‭ ‬مقصداً‭ ‬شرعيا‭ ‬معتبراً‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬الثوابت،‭ ‬بل‭ ‬تنظيم‭ ‬لحالة‭ ‬طبية‭ ‬محددة،‭ ‬تتحقق‭ ‬شروطها‭ ‬عبر‭ ‬تقارير‭ ‬مختصين،‭ ‬وليست‭ ‬محل‭ ‬تقدير‭ ‬فردي‭ ‬أو‭ ‬رغبة‭ ‬شخصية‭.‬

وتثار‭ ‬أحيانا‭ ‬مخاوف‭ ‬أخلاقية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬أي‭ ‬تعديل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬أبواب‭ ‬لا‭ ‬يرغب‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬طرقها،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يستغل‭ ‬البعض‭ ‬الاستثناءات‭ ‬لأسباب‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالحالات‭ ‬الجسيمة‭. ‬وهذه‭ ‬مخاوف‭ ‬مفهومة،‭ ‬لكن‭ ‬وجود‭ ‬ضوابط‭ ‬محددة‭ ‬ولجنة‭ ‬مختصة‭ ‬يجعل‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬منضبطا،‭ ‬ويمنع‭ ‬أي‭ ‬توسع‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭.‬

ومن‭ ‬الجوانب‭ ‬التي‭ ‬تعزّز‭ ‬هذا‭ ‬الإجراء‭ ‬التعريف‭ ‬الطبي‭ ‬الدقيق‭ ‬لما‭ ‬يُقصد‭ ‬بالتشوّهات‭ ‬الجسيمة‭. ‬الحالات‭ ‬المعروفة‭ ‬طبياً،‭ ‬مثل‭ ‬انعدام‭ ‬الدماغ‭ ‬الكامل‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬التشوّهات‭ ‬القلبية‭ ‬القاتلة،‭ ‬تُعد‭ ‬أمثلة‭ ‬على‭ ‬أوضاع‭ ‬لا‭ ‬يُرجى‭ ‬معها‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة‭. ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬يضبط‭ ‬التطبيق‭ ‬ويمنح‭ ‬الأطباء‭ ‬والجهات‭ ‬المعنية‭ ‬فهماً‭ ‬مشتركاً‭ ‬للحالات‭ ‬المشمولة‭.‬

ولعل‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لأي‭ ‬تشريع‭ ‬تظهر‭ ‬حين‭ ‬يخفف‭ ‬عن‭ ‬الناس‭ ‬ثِقل‭ ‬الخيارات،‭ ‬ويمنحهم‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الطمأنينة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬تغييره‭.‬

تخيّلوا‭ ‬أسرة‭ ‬تُبلغ‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬حملها‭ ‬أن‭ ‬جنينها‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬تشوّه‭ ‬جسيم‭. ‬الطبيب‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الجنين‭ ‬لن‭ ‬يعيش‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ساعات‭ ‬بعد‭ ‬الولادة‭. ‬لكن‭ ‬القانون‭ ‬الحالي‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بأي‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬الحمل‭. ‬أشهر‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الانتظار‭ ‬لنهاية‭ ‬معروفة‭ ‬مسبقاً‭. ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬نريده‭ ‬لأسرنا؟

هذا‭ ‬المقترح‭ ‬لا‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬قراراً،‭ ‬بل‭ ‬ينظّم‭ ‬مساراً‭ ‬لمن‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭. ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يستحق‭ ‬نقاشا‭ ‬جاداً‭. ‬الأسر‭ ‬البحرينية‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بهذه‭ ‬المحنة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬معها‭ ‬بتشريع‭ ‬واضح،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬نتركها‭ ‬وحيدة‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬طبي‭ ‬قاسٍ‭ ‬وقانون‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬بمعاناتها‭. ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬المقترح‭ ‬فرصة‭ ‬لمجتمعنا‭ ‬ليراجع‭ ‬تشريعاته‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬الأسر‭ ‬ويحفظ‭ ‬كرامتها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمس‭ ‬ثوابتنا‭ ‬أو‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬قيمنا‭ ‬المشتركة‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com

‭=‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا