مضى عام 2025، وعانت البيئة في تلك السنة من فشل وإخفاقات دولية كبيرة انعكست سلباً على أمن وسلامة كوكبنا، وبالتحديد بالنسبة إلى أزمة التغير المناخي وسخونة الأرض وارتفاع حرارتها وزيادة حمضية مياهها. فلم ينجح المجتمع الدولي من إيجاد حلٍ جماعي مشترك، وفشل من خلال مفاوضات الاجتماعات الأممية حول التغير المناخي المستمرة منذ أكثر من 30 عاماً في الوصول إلى معاهدة دولية مشتركة وملزمة لجميع الدول لمواجهة هذا التحدي العظيم والمصيري المشترك. فدرجة حرارة الأرض في ارتفاع سنة بعد سنة ولم تنجح الاجتماعات الدولية في تحديد الآليات والحلول لمنع زيادتها، ومستوى سطح البحر أيضاً في ارتفاع مشهود عاماً بعد عام دون أن يجد الإنسان الأدوات اللازمة لإيقافه ومنع الفيضانات والأعاصير الناجمة عنه.
وبالرغم من هذا الوضع المظلم والمتدهور الذي يعيش فيه كوكبنا، إلا أن هناك بعض الجوانب المتعلقة بالتغير المناخي والذي حقق نجاحاً ملموساً ومشهوداً في عام 2025، وبخاصة في الجانب المتعلق بالقانون الدولي للتغير المناخي، وبالتحديد القرار التاريخي الذي صدر عن محكمة العدل الدولية حول التغير المناخي في لاهاي في يوليو من العام المنصرم.
وهذا القرار يعد تاريخياً وفريداً من نوعه لسببين رئيسين. الأول هو ولوج محكمة العدل الدولية وربما لأول مرة منذ إنشائها في قضية تُعد وتُصنَّف عند كثير من الدول بأنها قضية بيئية بحتة ولها علاقة مباشرة بأحد عناصر البيئة، وهو الغلاف الجوي، فلا علاقة لهذه المحكمة الدولية بها، ولا تقع ضمن اختصاصها والأهداف التي أنشئت من أجلها والمتعلقة بالجانب السياسي والأمني والحقوقي للبشر، إضافة إلى تقديم الرأي والمشورة في النزاعات بين الدول، كذلك بيان الرأي الشرعي الدولي بشأن المسائل القانونية التي تحيلها إياها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. والسبب الثاني هو أن هذه المحكمة ربطت قضية التغير المناخي بحقوق الإنسان في كل أرجاء العالم، مما يعني بأن على دول العالم حسب قوانين حقوق الإنسان الاهتمام بهذه القضية وحماية الإنسان في كل المجتمعات من تداعياتها. كما أن المحكمة اعتبرتها قضية عدالة دولية بين الدول النامية والفقيرة التي تعاني وتتضرر يومياً من مردودات وتداعيات التغير المناخي، وهي لم تتسبب في وقوعه، والدول الصناعية المتقدمة التي كانت مصدر وقوع هذه القضية منذ قرابة قرنين من الزمان بتلويث الهواء من المصانع والسيارات والقطارات وغيرهما، فلا بد إذن من هذه الدول أن تتحمل مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية في تحقيق العدالة المناخية الدولية.
وقد نُشرتْ الفتوى القانونية الدولية في 23 يوليو 2025 في قضية «مسؤولية الدول في مواجهة التغير المناخي»، حيث تَضَمن الطلب الإجابة عن سؤالين هما أولاً: ما دور والتزامات وواجبات الدول حسب القانون الدولي في حماية الأنظمة المناخية من انبعاثات الأنشطة البشرية من غازات الاحتباس الحراري مثل غاز ثاني أكسيد الكربون، وثانياً: ما العواقب القانونية لهذه الالتزامات والأضرار الناجمة عنها للنظم المناخية ذات العلاقة بالدول، وبالتحديد على الدول الجزرية النامية، والناس، والأجيال المستقبلية.
وقد أكدت الفتوى عدة مبادئ منها العدالة البيئية بين الدول، فلا تتعدى أية دولة بيئياً على السيادة البيئية لدولة أخرى أو لكوكبنا عامة، إضافة إلى العدالة البيئية بين الأجيال، أي بين الجيل الواحد والأجيال المتعاقبة، فلا يؤثر أي جيل في مكونات وعناصر البيئة من الناحيتين النوعية والكمية حتى تتمتع كل الأجيال على حدٍ سواء ببيئة نظيفة، وسليمة، وصحية، وموارد وثروات بيئية غير ملوثة. وأما المبدأ الثاني فهو ضم قضية التغير المناخي وتداعياتها في بند حقوق الإنسان، فمن حق أي إنسان أن يعيش في بيئة تُعينه على الحياة الكريمة والعيش الرغيد، وتقوي دوره في البناء والتطور والإنتاج، وتحقيق التنمية المستدامة.
أما الأزمة الدولية الثانية التي يخوضها كوكبنا منذ التسعينيات من القرن المنصرم فتُعد قصة نجاح لتضافر الجهود الدولية وتكاتفها لعلاج قضية تخص كوكبنا وتشترك فيها كل دول العالم من حيث المسؤولية في وقوعها من جهة، ومن حيث السقوط في تداعياتها المختلفة. وقد تحققت النتائج الإيجابية الدولية لهذه الأزمة المشتركة في عام 2025 بشكلٍ خاص.
هذه القضية هي انخفاض غاز الأوزون في طبقة الأوزون في القطب الجنوبي، والتي هي جزء صغير وحيوي ومهم جداً لاستدامة حياة البشر على سطح الأرض من طبقة الاستراتسفير العليا. وتتلخص هذه القضية في استخدام الإنسان لمواد كيميائية في تطبيقات كثيرة جداً كالتبريد والتكييف، وهذه المواد مع الوقت تسربت إلى الهواء وانتقلت إلى أعالي السماء حتى بلغت طبقة الأوزون، حيث قامت هذه الملوثات بتحليل غاز الأوزون الذي يحمي الإنسان من الأشعة فوق البنفسجية، فتَحوَّل غاز الأوزون إلى غاز الأكسجين غير المطلوب في تلك الطبقة، مما أدى إلى وجود منطقة شاسعة منخفضة تركيز غاز الأوزون فتتسرب منها الأشعة فوق البنفسجية القاتلة وتصل إلى سطح الأرض وتتضرر منها كل الكائنات الحية من إنسان، ونبات، وحيوان.
واليوم خفت وتيرتها وشدتها، وبدأ تركيز غاز الأوزون يتعافى في تلك الطبقة حسب تحليلات «الإدارة الوطنية للملاحة الجوية» (ناسا)، والإدارة القومية الأمريكية للمحيط والغلاف الجوي في عام 2025. ويعزى السبب في هذا النجاح إلى تضافر وتكامل جهود دول العالم أجمع بقيادة الأمم المتحدة والدول الصناعية المتقدمة الكبرى لمواجهة هذه الظاهرة البيئية الصحية الوجودية والمصيرية المشتركة. فقد قامت الدول وشركاتها الصناعية بالتخلص التدريجي من الملوثات الكيميائية التي أدت مع الوقت إلى استنفاد غاز الأوزون في طبقة الجو العليا، حيث استخدمت الأمم المتحدة أداة المعاهدات الدولية وعلى رأسها بروتوكول مونتريال.
أما قضية النجاح الثالثة للمجتمع الدولي في عام 2025 فهي متعلقة بانقراض الأنواع من الحياة الفطرية النباتية والحيوانية التي تعيش معنا على سطح الأرض، حيث أعلن «الاتحاد الدولي لصون الطبيعة» في أكتوبر 2025 أنه تم رفع اسم سلاحف البحر الخضراء من قائمة الأنواع المهددة بالانقراض، مما يؤكد نجاح جهود دول العالم التي استغرقت قرابة 40 عاماً في حماية وإكثار هذا النوع من السلاحف حتى وصلت أعداده إلى بر الأمان.
وبالرغم من تحقيق المجتمع الدولي لبعض الإنجازات والنجاحات في عام 2025، فهي في تقديري ما هي إلا فقط شمعة بسيطة تضيء الطريق في نهاية نفقٍ مظلم وطويل جداً لا يمكن معرفة مصيره ونهايته. فهل ستكون لخير البشرية، ونماء بيئتها وازدهار مكوناتها، أم ستكون أداة تدميرها والقضاء عليها؟
ismail.almadany@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك