تشهد العلاقات بين روسيا ودول الخليج العربي في السنوات الأخيرة تقلبات كبيرة انعكست على مختلف أبعاد التعاون الاقتصادي والجيوسياسي. فبينما تراجع النفوذ الروسي على الصعيد الإقليمي نتيجة أزمات متعددة وأحداث دولية كبرى، حافظت موسكو على حضورها الاستراتيجي في المنطقة من خلال توجيه اهتمامها نحو مجالات محددة مثل قطاع الطاقة والاستثمارات، مع اعتماد نهج براغماتي يوازن بين التحديات والفرص المتاحة. هذا الواقع يعكس قدرة روسيا على إعادة صياغة موقعها في الشرق الأوسط، عبر مزيج من المشاركة الانتقائية والدبلوماسية الاقتصادية المدروسة.
في يوليو 2025، كتب مايكل مكفول، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ستانفورد، وعباس ميلاني، مدير الدراسات الإيرانية بجامعة ستانفورد، في مجلة «فورين أفيرز» عن كيفية تدهور مكانة روسيا في الشرق الأوسط بشكل حاد خلال عشرين شهرًا فقط، حيث تضررت سمعة موسكو كراعٍ وضامن للأمن في المنطقة بشدة؛ جراء إضعاف إسرائيل لقوة إيران وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا.
وانعكس هذا التقييم بالأوساط الأكاديمية الغربية، حيث تساءل أليكس فاتانكا، باحث بارز لدى معهد الشرق الأوسط، عن أن «الرواية» التي روّج لها الكرملين بقيادة فلاديمير بوتين منذ 2015، والتي تُصوّر روسيا كلاعبٍ لا غنى عنه في الشرق الأوسط؛ لم تعد صالحة.
وفي ظل ما وصفته مؤسسات غربية مثل مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي بـ«واقع جديد في الشرق الأوسط»، ومع تأكيد معلقون مثل بيوتر سوير، من صحيفة الجارديان على «تراجع النفوذ الروسي» بشكلٍ جلي؛ أوضح آخرون، من بينهم د. ديانا جاليفا، باحثة زائرة في مركز الدراسات الإسلامية بجامعة كامبريدج، أن روسيا لا تزال «ذات أهمية استراتيجية» للمنطقة؛ بعد أن حوّلت اهتمامها شطر «دبلوماسية الطاقة»، فضلًا عن «المشاركة الانتقائية، والتواصل الاقتصادي الموجّه».
وهكذا، أقر نيكولاي كوزانوف، الزميل الاستشاري ببرنامج روسيا وأوراسيا في المعهد الملكي للشؤون الدولية «تشاتام هاوس»، بأن الكرملين «تكيف مع الواقع الجديد» بدلاً من «الانسحاب من الشرق الأوسط» كلياً، مضيفاً أنه «يواصل استغلال الفرص التي توفرها المنطقة» «لتخفيف ضغط العقوبات، وتعويض الخسائر الاقتصادية والسياسية»، فضلاً عن «خلق تحديات بين الحين والآخر» لخصومه الأمريكيين والأوروبيين.
بينما وثّق مكفول وميلاني أن بوتين «أعاد تأكيد نفوذ موسكو في الشرق الأوسط» من خلال «واقعيته البراغماتية» التي قدمت «بديلاً مريحاً لما اعتبرته دول عديدة في المنطقة سياسات وإجراءات أمريكية ساذجة ومزعزعة للاستقرار»، فقد أضافا أن هذه «الاستراتيجية بدأت بالانهيار» مع اندلاع الحرب بغزة في أكتوبر 2023.
وبُعيد استعار أتون الحرب بين روسيا وأوكرانيا في فبراير 2022، وجدت موسكو نفسها غارقة في مستنقع حرب استنزاف مدمرة للغاية، جلبت معها سلسلة من العقوبات الاقتصادية والسياسية الغربية – بما في ذلك عقوبات على عائدات صادراتها النفطية – كما لم تتدخل روسيا لصالح النظام الإيراني في مواجهاته المباشرة مع إسرائيل في عام 2024 أو في 2025.
وحلل مايكل كلارك، أستاذ زائر في قسم دراسات الحرب بكلية كينغز كوليدج لندن، كيف أن موسكو وطهران «انصرفتا فعلياً» عن دعم نظام الأسد السوري في ديسمبر 2024.
وكتب ستيف روزنبرغ، من شبكة «بي بي سي» كيف مثَّل سقوط الأسد «ضربة لهيبة لروسيا» دوليًا، وأضافت جاليفا، في مقالها للمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، أنه «وجه ضربة قوية لمصداقية روسيا كحليف في الشرق الأوسط». وبناءً على ذلك، لاحظ فاتانكا في المجال الجيوسياسي أن موسكو اكتسبت سمعة دولة «تُكثر الحديث»؛ لكنها «لا تفي بوعودها دائمًا»، وأضاف كوزانوف أن استبعاد الكرملين من قمة السلام التي عُقدت بشرم الشيخ في أكتوبر 2025 كان أحد «الضربات الرمزية» العديدة التي تلقتها روسيا خلال العامين الماضيين.
وعلى الرغم من تراجع طموحات روسيا الجيوسياسية والأمنية في الشرق بشكل ملحوظ، بيد أن جاليفا أكدت بقاء «الطاقة كمحور رئيسي للتنمية» في العلاقات مع دول الخليج العربي والمنطقة ككل. وفي الواقع، لا تزال موسكو لاعباً رئيسياً في مجموعة أوبك بلس لمنتجي النفط الخام، حيث تجاوزت مستويات إنتاجها 9.367 ملايين برميل يومياً في نوفمبر 2025.
كما أشار فاتانكا إلى اتجاه المملكة العربية السعودية نحو تقليص مستوى التنسيق السياسي مع موسكو، بهدف حصر العلاقة في إطار دبلوماسية الطاقة.
وشددت جاليفا على وجود مؤشرات تعكس ديناميكية إيجابية في العلاقات الثنائية بين دول الخليج العربي وروسيا، من بينها عدد من منتديات واتفاقيات الاستثمار المشتركة. ففي هذا السياق، وافقت هيئة قطر للاستثمار في أبريل 2025 على إنشاء منصة استثمارية جديدة بقيمة 1.14 مليار دولار بالتعاون مع الصندوق الروسي للاستثمار المباشر، تستهدف قطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية والتعدين.
كما أعقب ذلك في أغسطس من العام نفسه زيارة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة سمو الشيخ محمد بن زايد، لموسكو، والتي أسفرت عن توقيع اتفاقيات استراتيجية جديدة عززت موقع الإمارات باعتبارها مسؤولة عن أكثر من 80% من الاستثمارات العربية في الاقتصاد الروسي.
إضافة إلى ذلك، وخلال معرض «إينوبروم» الدولي للصناعات، وهو المعرض الصناعي الأبرز في موسكو، في يوليو 2025، أكد رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين استمرار التعاون مع المملكة العربية السعودية في مجالات الطاقة والهندسة الميكانيكية والمعادن. وتبع ذلك انعقاد المنتدى السعودي الروسي للاستثمار والأعمال في الرياض مطلع ديسمبر 2025، والذي أشار كوزانوف إلى أن «النتيجة الرئيسية» له تمثلت في التوصل إلى «اتفاقية شاملة للإعفاء من التأشيرة»، وهو تطور نادر الحدوث في علاقات المملكة مع دول أخرى، بحسب ملاحظته.
كما يشهد قطاع السياحة المتبادلة تطورات لافتة، حيث جرى خلال عام 2025 إطلاق رحلات جوية مباشرة جديدة من قبل شركات الطيران الروسية تربط موسكو وسوتشي ويكاترينبورغ بدبي، إلى جانب تسيير رحلات مباشرة من موسكو إلى الرياض عبر شركة طيران ناس. وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن روسيا باتت من بين الوجهات السياحية الأبرز للزوار القادمين من منطقة الخليج العربي.
ورغم النمو المستمر في العلاقات الاقتصادية بين روسيا ودول الخليج العربي، فإنها لا تزال محدودة من حيث الحجم والطموح مقارنة بتلك التي تربط دول الخليج بالولايات المتحدة أو الصين. فعلى سبيل المثال، لا يتجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي بين الإمارات العربية المتحدة وروسيا عُشر حجم التبادل التجاري مع الصين، كما لا تستطيع موسكو مضاهاة حجم الاستثمارات التي تعهّد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه السعودية، ولا مستوى الاتفاقيات الضخمة الموقعة للتعاون في مجال المعادن الأرضية النادرة.
وفيما يخص التوجهات الإقليمية المستقبلية لروسيا، أكد كوزانوف أن النهج الروسي تجاه الشرق الأوسط منذ عام 2022 أصبح «أقل تكلفة»، وفي الوقت نفسه «أكثر مرونة»، وهي معادلة تخدم حكومة «تميل إلى تجنب الانخراط في مبادرات عالية المخاطر» في مناطق أخرى من العالم «إلا عند الضرورة القصوى».
وأضاف كوزانوف أن الكرملين يبدو مصممًا على «الحفاظ على براغماتية كاملة» في تعاطيه مع القضايا الإقليمية، وهو ما يتجلى في «إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف»، بما في ذلك إيران وإسرائيل، وتركيا ودول الخليج، ومصر، فضلًا عن «الفصائل المختلفة في سوريا وليبيا»، وذلك ليس بهدف «حل النزاعات»، بل من أجل «ضمان استمرار حضوره وتأثيره».
وعليه، ففي حين أعاد فاتانكا تأكيد تقييم عدد من الخبراء الغربيين بشأن تراجع مكانة روسيا في المنطقة، شددت جاليفا على أن موسكو لا تزال شريكًا استراتيجيًا لعدد من الدول، رغم تراجع نفوذها النسبي. ويتجلى ذلك بوضوح في قطاع الطاقة، حيث لا يزال الكرملين يتمتع بصوت مؤثر داخل تحالف أوبك بلس، كما أقرّ كوزانوف بأن استمرار الاتفاقيات ومنتديات الاستثمار بين روسيا ودول الخليج العربي يعكس متانة الشراكة الاقتصادية القائمة بينهم.
وفي هذا السياق، وبينما تناولت جاليفا الكيفية التي يُرجّح أن تتكيف بها حكومة بوتين مع الديناميكيات الإقليمية الراهنة من خلال تنويع مجالات التعاون، طرح كوزانوف تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت روسيا بحاجة فعلية إلى تصدّر المشهد في كل تطور إقليمي للحفاظ على نفوذها، كما يرى كثير من المراقبين الغربيين، أم أن الأنسب لها في المرحلة الراهنة هو الاكتفاء بدور لاعب ثانوي يتمتع بنفوذ محدود، لكنه قادر على تحقيق مكاسب استراتيجية مستدامة.
بالرغم من القيود والتحديات التي تواجهها روسيا في الشرق الأوسط، فإن استمرار علاقاتها مع دول الخليج في مجالات الطاقة والاستثمار يشير إلى أنها لا تزال لاعبًا مؤثرًا، وإن كان دورها محدودًا مقارنة بالطموحات السابقة. ويبرز هذا الوضع أهمية التحرك الاستراتيجي الذكي، حيث يمكن لموسكو، من خلال تبني نهج ثانوي لكنه مستدام، تحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية دون الانخراط في صراعات كبيرة، مما يؤكد قيمة المرونة والبراغماتية في السياسة الروسية تجاه المنطقة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك