لا يزال موضوع استخدام الأطفال «منصات التواصل الاجتماعي» يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الاجتماعية والتربوية والإعلامية، بالرغم من انتشارها على نطاق واسع في جميع أنحاء المعمورة، وسبب هذا الجدل هو أن هذه المنصات بالرغم من فوائدها المتعددة فإنها تحمل في طياتها أضراراً كبيرة على النشء؛ إذ باتت هذه المنصات قبلتهم الأولى، ومصدر متعتهم، وسعادتهم، وخاصة بعد تراجع دور التلفزيون وانحساره بعد أن كان هو مصدر التسلية؛ حيث يقضون الساعات الطوال أمام شاشته الفضية لمتابعة برامجه، ومشاهدة أفلام الكارتون التي تشمل القصص والمغامرات التي تجذبهم، وتسحر عقولهم.
فمع التطورات التكنولوجية الحديثة في بداية الألفية الثانية، تغير الحال حين أطل على العالم ابتكار جديد في عالم الاتصالات عرف بـ«مواقع التواصل الاجتماعي»، ولم تمض سنوات حتى عرف العالم منصات جديدة.
إن ما يعنينا الآن من هذه الثورة التكنولوجية الهائلة أن أحد مخرجاتها هو تأثيرها السلبي على الأطفال؛ إذ باتت هذه المسألة تؤرق التربويين، وتسبب لهم قلقاً كبيراً وتدفعهم إلى حث الحكومات على التفكير جدياً في الأخطار التي يسببها المارد القادم من عالم التكنولوجيا. ويستند هؤلاء التربويون على الدراسات التي تثبت حجم الأضرار الجسيمة الناجمة عن الاستخدام المفرط «لمنصات التواصل الاجتماعي» على عالم الكبار والصغار والمراهقين على حد سواء.
ومما زاد الطينة بلة هو أن الرقابة الوالدية باتت صعبة بسبب التطور التكنولوجي السريع وصعوبة الموازنة بين الحرية والمراقبة، ما خلق تحديات مثل إيجاد حسابات مزيفة، وضياع الخصوصية، والتعرض للمحتوى غير اللائق، والتنمر، ويعزى ذلك إلى الفجوة الرقمية بين الأجيال حيث يتفوق الأبناء على آبائهم في «الثقافة الإلكترونية»، وهو الأمر الذي يحد من إشراف الوالدين على أبنائهم ومتابعتهم.
هذا الابتكار تحول إلى إدمان عند الأطفال، وهنا تكمن الخطورة لما لمرحلة الطفولة من أهمية كبيرة في المجتمعات؛ فهي مستقبل الأمم والشعوب، وأن أي خلل تتعرض له سيؤثر حتماً على مستقبل المجتمع.
وبناء على ذلك، فإن طرح هذا الموضوع في هذا الوقت ليس ترفاً، بل بات مسألة ضرورية وحتمية تستدعي التحرك، وهذا ما فعلته أستراليا مؤخراً عندما قامت حكومتها بإصدار تشريع يمنع الأطفال دون السادسة عشرة من إنشاء حسابات على منصات التواصل الاجتماعي.
في اعتقادي أنها لم تتخذ هذا القرار لمجرد نزوة سياسية أو لبروز إعلامي، ولكنها اتخذته بناء على قناعة بخطورة آثارها التي أثبتتها الدراسات؛ حيث أكدت أن الجلوس بالساعات أمام شاشات الكمبيوتر، والالتصاق بالهواتف الذكية والاستخدام الكثيف لمنصات التواصل الاجتماعي، يرتبط بزيادة معدلات القلق والاكتئاب، واضطرابات النوم، وتدهور تقدير الذات، إضافة إلى أنها تقلل الابداع في أذهان الأطفال، وتحرمهم من إخراج ابداعاتهم ومواهبهم التي توجد بداخلهم، إضافة إلى أنها ساعدت على تفشي العزلة بين الأطفال، فلم يعودوا يريدون التواصل مع أفراد الأسرة والأصدقاء، ويفضلون الانزواء برفقة هواتفهم.
إن إصدارها هذا التشريع هو في الحقيقة قرار جريء، وخطوة متقدمة، لأنه يعبر عن التزام الدولة بحماية أطفالها من الأخطار التي يتعرضون لها من الاستخدام غير الرشيد لمنصات التواصل.
في هذا السياق، فإننا نتمنى من دولنا العربية أن تحذو حذوها، وتُقدم على إصدار مثل هذا التشريع الذي يحظر على الأطفال إنشاء حسابات على المنصات، وحبذا أن يسبق هذا التشريع قيام الجهات البحثية في دولنا العربية كالجامعات ومراكز البحوث بدراسات علمية حول تأثير العالم الرقمي على الأطفال؛ وذلك ليطمئن قلب المشرع، وليتكئ على نتائج تلك الدراسات في إصدار التشريعات اللازمة التي تعالج الفوضى الرقمية عند المستخدمين لهذه المنصات.
قد يتصور البعض أن الموضوع مبالغ فيه، وأنه ليس بالخطورة التي يصفها المختصون، ويذهب هؤلاء إلى القول إن الأمر بات واقعاً وليس بالإمكان الوقوف في وجه هذا المارد. في ظني أن الرد بسيط ولا يحتاج إلى فذلكات؛ إذ إن الوقائع التي تنقلها إلينا وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية تبين حجم الكارثة التي يتعرض لها أطفالنا جراء ما تقذفه عليهم التكنولوجيا الرقمية من محتويات عبر منصاتها المختلفة، وما تتركه من أخطار تهدد عالمهم؛ إذ بات هكذا العالم بما يحمله من إغراءات تشد الأطفال وتجذبهم إلى التوحد مع هذا الساحر الافتراضي الذي ينسيهم واقعهم الاجتماعي الحقيقي.
وهذا ينطبق أيضاً على المراهقين، وهذا ما أثبتته الدراسات التي تناولت فئة المراهقين؛ إذ حذرت من انتشار ظاهرة «الإدمان على استخدام الشبكات الاجتماعية»، وأشارت إلى أن المراهقين باتوا متصلين بهذه الشبكات بصورة شبه دائمة، ولا شك أن هذا التصرف يعرضهم لمشكلات نفسية واجتماعية.
ولتأكيد أهمية هذا الموضوع عالمياً، نشير إلى اهتمام الأمم المتحدة به، وقد بينت إحصاءاتها حجم هذه المشكلة، فأشارت إلى أن الأطفال يشكلون ثلث مستخدمي شبكة «الإنترنت» عالمياً، وأوضحت أيضاً أن 80% من المراهقين يقرون بأن بيئة «الإنترنت» غير آمنة، وحافلة بالجرائم.
إن اهتمام الأمم المتحدة بهذه المشكلة يعني أن خطورتها وصلت إلى الذروة، وأن التحرك لمواجهتها أصبح واجباً كونها مشكلة عابرة للحدود؛ فظاهرة ما يعرف بـ«التنمر السيبراني» باتت شائعة في الفضاء الإلكتروني من دون رقيب أو حسيب، وبسببها يتعرض الأطفال في أرجاء المعمورة للإهانة والتشهير والتهديد عبر الشاشات؛ حيث كشفت العديد من دول العالم عن حوادث مأساوية انتحر فيها أطفال ومراهقون، الأمر الذي دعا المختصون في مجال الصحة النفسية إلى إطلاق رسائل تحذيرية يدعون فيها المسؤولين في الدول كافة إلى التحرك سريعاً، والتدخل مباشرة لإنقاذ الطفولة وحمايتها من هذا المارد، وخاصة بعد أن تحولت العملية إلى «إدمان» أثر على الأطفال، فدفعهم إلى الانعزال والانطواء، وأفقدهم الروح الاجتماعية.
إن وجود تشريعات تقنن دخول الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي لا شك أنه سيكون مفيدا، وسيحد من انغماس الأطفال في وحل المواقع، وينسجم مع دور الدول في حماية الأطفال.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك