يعد التعاون بين دول الخليج العربي والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية التنمية التكنولوجية لهذه الدول. تتزايد أهمية الذكاء الاصطناعي على الصعيدين الاقتصادي والتكنولوجي عالميًا، ويُتوقع أن يكون له تأثير عميق على مسار الاقتصاد العالمي، حيث تُقدّر مؤسسة البيانات الدولية إضافة الذكاء الاصطناعي 19.9 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول نهاية العقد الحالي.
هذا التطور الكبير يفتح المجال أمام دول الخليج لتعزيز قدراتها في هذا المجال، حيث تتطلع إلى بناء بنية تحتية متطورة تُمكّنها من أن تصبح مركزًا عالميًا للحوسبة والذكاء الاصطناعي، مستفيدة من شراكاتها المتنامية مع الشركات الأمريكية العملاقة.
وليس من المستغرب تنامي المنافسة العالمية على قيادة تطوير الذكاء الاصطناعي، وكتب بين بوكانان، الأستاذ المساعد في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة المستشار الخاص السابق للبيت الأبيض في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تانتوم كولينز، المدير السابق للتكنولوجيا بمجلس الأمن القومي الأمريكي، لمجلة «فورين أفيرز» كيف أن الشركات الأمريكية -من بينها جوجل وأمازون وأوبن إيه آي- «تتصدر جميع تقييمات القدرات العامة للتكنولوجيا تقريبًا»، وكيف أن «عددًا قليلًا» من الشركات الأمريكية التي تنتج رقائق أشباه الموصلات الحيوية «تبلغ قيمتها أكثر من سوق الأسهم الصينية بأكملها».
وتبدو طموحات أعضاء مجلس التعاون الخليجي في مجال الذكاء الاصطناعي وطيدة بالفعل، حيث أقرت كيلسي جودمان، مسؤولة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنتدى الاقتصاد العالمي، بأن حكوماتها «تستثمر بكثافة في الاقتصاد الذكي، ليس فقط لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط»؛ ولكن أيضًا «لصياغة إطار مستقبلي مُستدام قائم على التكنولوجيا». ووصف جوزيه بيلياو، المدير المساعد لمبادرة أمن الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي، الخليج العربي بأنه بات «مُستقر الاستراتيجية الجديدة» للولايات المتحدة في المنطقة؛ ما يجعلهم في وضع جيد لينهلوا من كل ما يتعلق بالتعاون التكنولوجي والوصول إلى الأنظمة المقيدة المصنوعة في أمريكا.
وكان هذا أمرًا تم تأكيده خلال زيارة دونالد ترامب للخليج العربي في مايو 2025، مع توقيعه اتفاقيات مع دول عدة توفر بموجبها وصولاً أكبر إلى رقائق أشباه الموصلات الأمريكية المتطورة، التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي، إلا أن زيارة ولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان لواشنطن في منتصف نوفمبر 2025 -التي وصفها مايكل فرومان رئيس مجلس العلاقات الخارجية، بأنها «المحطة الأبرز في تعزيز العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية بالعصر الحديث»- كانت أيضًا بحسب روبرت موجيلنيكي، كبير باحثين مقيم لدى معهد دول الخليج العربية: تمثل «دفعة للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» بين الولايات المتحدة والخليج العربي.
ومع التزام الرياض بضخ استثمارات بقيمة تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي، وافقت واشنطن في المقابل على تصدير أكثر رقائقها تقدمًا، ضمن برنامج أوسع للتعاون المتزايد بين الشركات الخليجية ونظيرتها الأمريكية لتدشين مراكز بيانات ضخمة؛ حيث ستلعب قدرات الذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا. وتوقع موجيلنيكي أن «يدفع القادة الخليجيون لتوسيع وتسريع التعاون التكنولوجي مع الولايات المتحدة» بشكل أكبر، فيما أكد حسن الحسن، زميل أول في سياسة الشرق الأوسط لدى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن «نهج البيت الأبيض في عهد ترامب تجاه سباق قيادة الذكاء الاصطناعي ضد الصين يختلف بشكل ملحوظ» عن نهج الإدارة الديمقراطية السابقة بقيادة جو بايدن؛ فلا يزال صانعو السياسات الأمريكيون حذرين للغاية من دور بكين في هذا المجال التكنولوجي.
وعقب اجتماع ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي في البيت الأبيض يوم 18 نوفمبر أعلنت إدارة ترامب توقيع «مذكرة تفاهم تاريخية في مجال الذكاء الاصطناعي» لتزويد المملكة «بالوصول إلى الأنظمة الأمريكية الرائدة عالميًا». وفي اليوم التالي، وقع ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي والأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي «شراكة استراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي» التي تحدد النية المتبادلة «لتوريد أشباه الموصلات المتقدمة، وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبناء وتطوير البنية التحتية المتقدمة للذكاء الاصطناعي»، و«توسيع الاستثمارات عالية القيمة» بين البلدين.
وبناءً على ذلك، وافقت وزارة التجارة الأمريكية على بيع رقائق أمريكية متقدمة من إنتاج شركة إنفيديا ومقرها كاليفورنيا إلى شركة الذكاء الاصطناعي السعودية هيوماين، التي يدعمها صندوق الاستثمارات العامة في المملكة، وهو الأمر الذي استتبعه توقيع الشركة على سلسلة من اتفاقيات الشراكة الجديدة مع شركات التكنولوجيا الأمريكية، من بينها أمازون وإيه إم دي وسيسكو وأدوبي وكوالكوم.
وكان من المتوقع أن يوافق ترامب على هذه الصادرات قبل زيارة ولي العهد، وخاصة بعد الموافقة في أكتوبر 2025 على تصدير رقائق متقدمة من شركة إنفيديا إلى الإمارات بقيمة عدة مليارات من الدولارات، كما ذكرت بلومبرج.
ما هو مؤكد هو الطموحات الطويلة المدى لدول الخليج في تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي، والعلاقات القوية التي أقامتها مع شركات التكنولوجيا الأمريكية لتحقيق هذا الهدف؛ فقد أشار كاميل دجوميش، الشريك في شركة نورث أوف ساوث كابيتال في لندن، إلى أن شركتي هومين السعودية وجي 42 الإماراتية تمتلكان «القدرة المالية للاستثمار» ولديهما علاقات مع شركات تكنولوجيا أمريكية عملاقة مثل إنفيديا. كما أضاف أن هناك شراكات جديدة مع الحكومة الأمريكية. وعلق على كيفية استفادة دول الخليج من هذه الديناميكيات لبناء «البنية التحتية الإقليمية» التي يمكن أن تسهم في جعل المنطقة «مركزًا عالميًا للحوسبة».
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى إعلان جي 42 في نوفمبر شراكتها مع مايكروسوفت لزيادة سعة مراكز البيانات في الإمارات بمقدار 200 ميجاوات، وكذلك إعلان هومين خططها لنقل 600000 شريحة أشباه موصلات من إنفيديا خلال السنوات الثلاث القادمة. وتحدث طارق أمين، الرئيس التنفيذي لشركة هومين عن نية الشركة «بناء سعة تعادل ما تم بناؤه في السعودية خلال 20 عامًا» في عام 2026 وحده.
ورغم أن فورمان أشار إلى أن الاتفاقات الأخيرة ستسمح للشركات الأمريكية بلعب دور محوري في «النظام البيئي للحوسبة عالية الأداء» في السعودية ومنطقة الخليج بشكل عام فإن موجيلنيكي لفت إلى أن حكومات المنطقة «تسعى لتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي المحلية بأحدث التقنيات المتاحة». وكان وزير الاقتصاد الإماراتي عبدالله بن طوق المري قد أكد مؤخرًا أهمية امتلاك «القدرات المستقلة» في هذا المجال، ووصف الذكاء الاصطناعي بأنه «دولة ذات سيادة».
من المهم أيضًا مراعاة المنظور الأمريكي تجاه التعاون التكنولوجي طويل الأمد مع دول الخليج. وفي هذا السياق، تعد الصين أبرز منافس عالمي للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما جعل الإدارات الأمريكية السابقة مترددة في توسيع التعاون التكنولوجي مع حلفائها وشركائها حول العالم.
وأوضح موجيلنيكي أن العديد من الاتفاقات التي تم إعلانها خلال زيارة ترامب لم تتقدم بالسرعة المتوقعة بسبب «دور الصين في المنطقة والمقاومة البيروقراطية في الحكومة الأمريكية». لذلك، أكدت مذكرة التفاهم مع الرياض ضرورة «حماية التكنولوجيا الأمريكية من النفوذ الأجنبي».
وفيما يتعلق برقائق أشباه الموصلات التي تم تصديرها إلى المنطقة، أكد ديفيد ساكس، رئيس مجلس مستشاري البيت الأبيض للعلوم والتكنولوجيا، أن «الغالبية العظمى» من هذه الرقائق ستكون «مملوكة ومدارة» من قبل شركات أمريكية تعمل في المملكة والإمارات. وأضافت شبكة سي إن بي سي أن الشركات المحلية التي ستستفيد من هذه التقنيات ستلتزم «بمتطلبات أمنية وإبلاغية صارمة» تحت إشراف مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة.
وفي تعليقه على هذه الديناميكيات أوضح موجيلنيكي أن التعاون المزدهر بين الولايات المتحدة ودول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي لا يزال في بدايته، مشيرًا إلى أن «الكثير من التفاصيل الأخرى بحاجة إلى تسوية» في المستقبل. ومع ذلك، أكد أن «الشراكات الخليجية المتنامية مع الحكومات والشركات الأمريكية ستظل مكونات أساسية في هذا المجال سريع التطور».
وبالنسبة إلى السعودية، ستكون الاتفاقات التي تم التوصل إليها أثناء وبعد زيارة ولي العهد إلى واشنطن في نوفمبر 2025 حاسمة بالنسبة إلى نية شركة هومين في التعامل مع حوالي 6% من عبء العمل العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الطموحات الخليجية الكبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي، يبقى التعاون مع الولايات المتحدة أحد العوامل الرئيسية التي ستحدد مستقبل هذه الجهود. ورغم التحديات والضغوط الجيوسياسية فإن العلاقات المتنامية بين الخليج وأمريكا في هذا المجال تظهر فرصًا كبيرة للطرفين.
إن التعاون التكنولوجي بين الجانبين سيُسهم في تسريع تحولات اقتصادية ضخمة، ويسهم في بناء بنية تحتية قوية تُسهم في خلق بيئة محفزة للابتكار في الذكاء الاصطناعي. المستقبل سيكشف المزيد من التفاصيل حول مدى نجاح هذه الشراكات ومدى قدرة دول الخليج على الاستفادة من التقنيات الأمريكية لتعزيز قدراتها التكنولوجية وتحقيق أهدافها الطموحة في هذا القطاع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك