لقد تغيرت مواقف الناخبين الأمريكيين تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لكن المعلقين الإعلاميين والمستشارين السياسيين لم يستوعبوا ذلك. فهم مازالوا عالقين في الماضي، متشبثين بافتراضات عفا عليها الزمن حول الناخبين، وهم يواصلون بالتالي العمل وفق أساليب قديمة.
نشرت صحيفة واشنطن بوست مؤخرا مقالةٌ بعنوان «مرشحون يستحقون المتابعة مع انطلاق سباقات انتخابات التجديد النصفي لعام 2026»، هي مقالة تمثل خير دليل على مدى انفصال المحللين عن الواقع، حيث سلطت المقالة الضوء على ستة سباقات انتخابية اعتبرها كتّاب الصحيفة جديرة بالمتابعة في العام المقبل.
كان أحد أبرز السباقات الانتخابية ترشح الدكتور عبد السيد، الأمريكي من أصل عربي، عن الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان. وبعد وصفه لـ«تقدمية السيد الصريحة» -أي دعمه للرعاية الصحية الشاملة ورفع الضرائب على أصحاب المليارات، وحصوله على تأييد السيناتور بيرني ساندرز- يوجه كاتب المقال هذه الضربة القاضية:
«ربما تكون آراؤه بشأن السياسة الخارجية هي الأكثر إثارة للجدل؛ فقد وصف أعمال إسرائيل في غزة بأنها إبادة جماعية، كما أنه يؤيد قطع المساعدات العسكرية عن الدولة اليهودية».
وأظهرت استطلاعات رأي عديدة مدى اتساع نطاق التغيرات في المواقف، وكان أحدث هذه الاستطلاعات وأكثرها شمولاً للرأي العام الأمريكي ذلك الذي أجرته مجلة الإيكونوميست في أغسطس 2025. إليكم بعض نتائجه:
يؤيد 43% من الناخبين خفض المساعدات العسكرية لإسرائيل، بينما يرغب 13% فقط في زيادتها. وتبلغ نسبة المؤيدين للخفض مقابل المؤيدين للزيادة بين الديمقراطيين 58% إلى 4%. أما بين المستقلين، فالنسبة متقاربة.
هل ترتكب إسرائيل إبادة جماعية؟ من بين جميع الناخبين أجاب 44% بـ«نعم» و28% بـ«لا». أما بين الديمقراطيين فكانت النسبة 68% مقابل 8% فقط. وبين المستقلين، كانت النسبة 45% مقابل 19%.
وتُظهر استطلاعات أخرى أن الناخبين يؤكدون أنهم أكثر ميلاً لدعم المرشحين الذين يتبنون مثل هذه المواقف وأقل ميلاً للتصويت لأولئك الذين يدافعون عن السياسات الإسرائيلية ويريدون الحفاظ على المستويات الحالية للمساعدات العسكرية لإسرائيل.
أما الاستنتاج البديهي فهو أن أحد المرشحين الذين يتخذون مواقف مماثلة لمواقف الدكتور عبد السيد ليسوا مثيرين للجدل على الإطلاق. بل إنهم في الواقع جزء من التيار الأمريكي السائد الجديد.
وسعيا لتقديم المزيد من الأدلة على هذا التحول، ومع بقاء أقل من عام على انتخابات التجديد النصفي، من اللافت للنظر أن أكثر من عشرين مرشحًا للكونغرس قد أعلنوا بالفعل عن نيتهم رفض مساهمات لجان العمل السياسي من الجماعات المؤيدة لإسرائيل.
ويشمل ذلك ثلاثة أعضاء حاليين في الكونغرس، جميعهم كانوا في السابق من أشد المؤيدين لإسرائيل، وكانوا في الانتخابات السابقة من بين المتلقين لملايين الدولارات من مصادر مؤيدة لإسرائيل، بما في ذلك لجان العمل السياسي والإنفاق المستقل من الأموال المظلمة.
كان يُقال سابقًا إن انتقاد إسرائيل يُشبه المساس بـ«الخط الأحمر» في السياسة الأمريكية.. عليك تجنّبه وإلا ستُعاقب. وبطريقة ما، لا يزال الأمر كذلك، ولكن بشكل معكوس؛ فقد كان دعم إسرائيل في السابق شرطًا أساسيًا للمرشحين للكونغرس. أما الآن، فتُظهر استطلاعات الرأي أن الناخبين أقل ميلًا للتصويت للمرشحين الذين يرفضون انتقاد إسرائيل أو الذين يتلقون تمويلًا من لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل.
ومع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، يُتوقع أن يُعلن المزيد من المرشحين نأيهم بأنفسهم عن السياسات الإسرائيلية، كما يُتوقع أن تُصاب الجماعات المؤيدة لإسرائيل بالذعر وتُصعّد من جهودها بضخ عشرات الملايين من الدولارات في حملات بلا هوادة تهدف إلى إلحاق الهزيمة بالمرشحين المنتقدين لإسرائيل.
أعتقد أن هذا قد يأتي بنتائج عكسية، لأن ما سيثير الجدل في عام 2026 هو السياسات الإسرائيلية والتبرعات المقدمة للحملات المؤيدة لإسرائيل، وليس العكس، كما أنه كلما أدرك المحللون والمستشارون ووسائل الإعلام ذلك مبكراً، كلما كان ذلك أفضل للسياسات الأمريكية.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك