مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، أعادت إدارته الجمهورية استخدام التهديدات والإنذارات الحادة في محاولة لإجبار الدول والمنظمات الأخرى - سواء الحلفاء أو الخصوم- على الامتثال لمطالبها. فعلى الصعيد الاقتصادي، أدت مراجعة شاملة للسياسات التجارية الأمريكية إلى مفاوضات مباشرة بين قادة العالم وترامب، وعلى الصعيد الجيوسياسي، هدد مرارًا بإسقاط الحكومات المنافسة لواشنطن، من فنزويلا إلى إيران. وفي الحالة الأخيرة، بلغ الخطاب العدائي ذروته بانضمام الجيش الأمريكي إلى حملة الضربات الجوية الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو 2025؛ وهو تصعيد وضع منطقة الشرق الأوسط بأكملها على حافة حرب شاملة.
بالتزامن مع هذا التقويض للنظام الدولي، استمرت إدارة ترامب في دعمها لإبادة إسرائيل للفلسطينيين بغزة، وهو ما تضمن بدوره حملة ترهيب مُمنهجة ضد المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرات توقيف دولية بحق بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ويوآف غالانت وزير الدفاع السابق، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وشمل ذلك سابقًا سلسلة من العقوبات الموجهة ضد مسؤولي المحكمة - بمن فيهم قضاتها وكريم خان، المدعي العام للمحكمة - وتصاعد الأمر أكثر، أواخر عام 2025، مع ورود تقارير تفيد بتوجيه واشنطن إنذارًا نهائيًا للمحكمة الجنائية الدولية بتعديل وثيقتها التأسيسية -نظام روما الأساسي- لإنهاء أي تحقيقات جارية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ومنع فتح أي تحقيقات مستقبلية.
وفي محاولةٍ واضحةٍ لإسكات النضال القانوني من أجل تحقيق العدالة لضحايا الإبادة الجماعية الإسرائيلية للفلسطينيين، والتي تواطأت فيها الحكومة الأمريكية بشكلٍ كامل، ومع استحالة تغيير المحكمة لقواعدها؛ يتضح جليًا الموقف التصادمي الذي تتبناه إدارة ترامب تجاه المحكمة الجنائية الدولية. ومع تساؤل ألكسندرا شارب، من مجلة «فورين بوليسي»: عن «إلى أي مدى ستصل حملة الضغط التي يشنها ترامب ضد المحكمة الجنائية الدولية؟»، أفادت كيرا كاي، مُراسلة شبكة «بي بي إس»: بـ«تنامي المخاوف من عدم قدرة المحكمة على الاضطلاع بمهامها»؛ جراء العقوبات واسعة النطاق المفروضة على وجودها.
وأشارت مولي كويل، من وكالة «أسوشيتد برس» إلى أنه «عندما يخدم ذلك السياسة الخارجية الأمريكية، كانت الولايات المتحدة من أشد المؤيدين للمحكمة في كثير من النواحي»، ولكن في الحالات التي «لا يخدم فيها مسار تحقيقاتها السياسة الخارجية الأمريكية، لم تكن الولايات المتحدة من أشد المؤيدين لها». في الواقع، بينما رحّبت إدارة بايدن، سلف ترامب، بتحقيق المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب الروسية ضد أوكرانيا بعد غزو موسكو في فبراير 2022 وإصدار مذكرة توقيف دولية بحق فلاديمير بوتين في مارس 2023، وصف ترامب قرار المحكمة الجنائية الدولية المماثل بإصدار مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت لارتكابهما جرائم حرب موثقة بأنه «شائن»، مُصرًّا على أن الولايات المتحدة «ستقف دائمًا إلى جانب إسرائيل»، حتى عندما يُطالب بمعاقبتها على أفظع الجرائم الدولية.
منذ عودته إلى السلطة في واشنطن، صعّد ترامب هجوم الولايات المتحدة على المحكمة الجنائية الدولية إلى مستويات غير مسبوقة، بما في ذلك فرض عقوبات اقتصادية وسفر على تسعة مسؤولين في المحكمة في أغسطس 2025، من بينهم خان وعدد من القضاة، متذرعا بما وصفه «تجاوزات» ارتكبوها ضد الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية. وبناءً على اتهامات مماثلة، اتخذت الخارجية الأمريكية إجراءات عقابية ضد فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك عقب انتقاداتها المتكررة لأعمال الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل والدعم الذي تتلقاه من الحكومة الأمريكية وعدد من الشركات الغربية.
وكتبت هوميرا باموك، من وكالة رويترز: أن واشنطن «لم تصل حتى الآن إلى حد فرض عقوبات على المحكمة ككيان»، بيد أن ريد روبنشتاين، المستشار القانوني لوزارة الخارجية، حذر في يوليو 2025 الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية تحذيراً شديد اللهجة، مفاده أنه ما لم يتم «وقف» جميع تحقيقات المحكمة في جرائم الحرب الأمريكية والإسرائيلية، فإن «جميع الخيارات لا تزال مطروحة» لمزيد من الترهيب الاقتصادي والسياسي.
ويتزامن توقيت الإنذار الأمريكي مع حملة إدارة ترامب للضربات العنيفة في البحر الكاريبي، والتي صنفها مدعٍ عام سابق في المحكمة الجنائية الدولية على أنها جرائم ضد الإنسانية. وشرعت المحكمة بالفعل في تحقيق رسمي حول الانتهاكات المزعومة التي ارتكبها أفراد الجيش الأمريكي بأفغانستان، وأفادت وسائل الإعلام الغربية على نطاق واسع بتوجس البيت الأبيض من رفع دعوى قضائية أخرى ضده؛ بسبب ما يُسمى بهجمات «الضربة المزدوجة» ضد من زعم أنهم تجار مخدرات.
يُقدر عدد القتلى في الهجوم الأمريكي على قوارب مخدرات مزعومة بالكاريبي حتى الآن بثمانين شخصًا، وبينما حاولت الحكومة الأمريكية الادعاء بأن القتلى كانوا «مقاتلين غير شرعيين» وأن أفعالهم «تُشكل هجومًا مسلحًا» على الولايات المتحدة، اعتبر برايان فينوكين، كبير مستشاري برنامج الولايات المُتحدة بمجموعة الأزمات الدولية المستشار القانوني السابق بالخارجية الأمريكية، هذا الادعاء «غير مقنع على الإطلاق»، مضيفًا أن «القتل المُتعمد خارج نطاق النزاع المسلح» الذي تُنفذه القوات الأمريكية؛ ليس له من مُسمى قانوني غير «جريمة قتل».
ويؤيد هذا الرأي المحامي الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو، أول مدعٍ عام للمحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2012، إذ شدد على أن الأشخاص المستهدفين هم «مجرمون لا جنود»، موضحًا أن «المجرمين يُعدّون مدنيين» وفقًا للقانون الدولي، وبالتالي يتمتعون بالحماية القانونية ذاتها. وأضاف أوكامبو أن الحكومة الأمريكية تروّج لفكرة مفادها «أن لها الحق في قتل من تشاء»، وهو ما أدانه بشدة واعتبره «اتجاهًا بالغ الخطورة على العالم»، ويتناقض كليًا مع الصورة التي دأبت الولايات المتحدة على تقديم نفسها بها منذ عام 1945 باعتبارها «ضامنًا للسلام العالمي وحامية للقيم الغربية».
ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول جمهوري لم يُفصح عن هويته حديثه عن «قلق متزايد» داخل إدارة ترامب من احتمال أن توجه المحكمة الجنائية الدولية اهتمامها، بحلول عام 2029، إلى جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم. وأشار المسؤول إلى أن الأمر قد لا يقتصر على ملاحقة ترامب، بل قد يمتد ليشمل نائب الرئيس جيه. دي. فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، لدورهم المحتمل في جرائم ضد الإنسانية.
وعلى الرغم من تأكيد نواب المدعين العامين في المحكمة الجنائية الدولية أنهم لم يتلقوا أي شكوى دولية تتعلق بحملة الهجمات الأمريكية في منطقة الكاريبي، فإن تصريح مصدر في البيت الأبيض بقوله: «لن نسمح بحدوث ذلك» يفسر سبب توجيه إنذار نهائي مباشر إلى المحكمة لوقف تحقيقاتها. ويُقال إن هذا الإنذار نُقل عبر دبلوماسي أوروبي في نوفمبر.
وتشير مراجعة لوائح المحكمة وإجراءاتها إلى أن التوصل إلى تعديل توافقي بين أعضائها يبدو أمرًا غير مرجح، إذ يتطلب تعديل نظام روما الأساسي موافقة ثلثي الدول الموقعة عليه، والبالغ عددها 125 دولة. وإضافة إلى أن الولايات المتحدة ليست طرفًا في النظام، فإن عدد الدول الغربية القابلة للتأثر بالضغوط الدبلوماسية الأمريكية أقل بكثير من عدد الدول التي رفضت بشكل قاطع الحرب الإسرائيلية على غزة. كما أثار باموك مسألة أن «إضفاء حصانة شاملة على أفراد بعينهم» سيُنظر إليه حتمًا على أنه «تقويض للمبادئ التأسيسية للمحكمة»، ويتعارض مع مهمتها الجوهرية المتمثلة في محاسبة جميع مرتكبي جرائم الحرب.
ولا شك في أن إدارة ترامب تدرك جيدًا صعوبة تمرير أي تعديل على نظام روما الأساسي داخل المحكمة الجنائية الدولية، ولذلك تسعى إلى تعظيم الأثر العقابي عبر وسائل أخرى، بهدف جعل العمل اليومي للمحكمة بالغ الصعوبة، وإبطاء وعرقلة جهودها في توثيق وتحليل أدلة جرائم الحرب الإسرائيلية والأمريكية.
وفي هذا السياق، أوضح كويل أن العقوبات الاقتصادية تُعد «إجراءات قاسية للغاية» سبق أن استخدمتها الحكومة الأمريكية ضد «جماعات متطرفة وحكومات معادية». من جهته، بيّن شارب أن العقوبات الجديدة المفروضة على المحكمة نفسها ستحدّ بشكل كبير من قدرتها على الوصول إلى الحسابات المصرفية، والتنقل والسفر، فضلًا عن الخدمات التكنولوجية التي تعتمد عليها، ولا سيما أن مزودي خدمات البريد الإلكتروني شركات أمريكية مثل مايكروسوفت.
وبينما وصفت كاي مكتب المدعي العام بأنه «النقطة الأكثر تأثرًا» بالعقوبات، حذرت من أن توسيع نطاقها سيخلّف عواقب خطيرة على المواطنين الأمريكيين العاملين داخل المحكمة الجنائية الدولية أو المتعاونين معها في تحقيقات حقوق الإنسان. ونتيجة لذلك، ستجد تحقيقات المحكمة الأخرى في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط نفسها في وضع بالغ الحساسية.
ويجب التشديد على أن الهدف الأساسي لإدارة ترامب من تهديد المحكمة الجنائية الدولية يتمثل في ترهيب مسؤوليها ودفعهم إلى وقف تحقيقاتهم في انتهاكات حقوق الإنسان الإسرائيلية، إضافة إلى الضغط على الدول الأعضاء لتجاهل أوامر الاعتقال الصادرة عن قضاة المحكمة. وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال نجاح الحكومة الأمريكية، منذ يناير 2025، في إجبار عدد من الموظفين الرئيسيين في المحكمة على الاستقالة، في وقت تجاهلت فيه دول أوروبية موقعة على نظام روما الأساسي التزاماتها بالقانون الدولي عن قصد.
ومن بين موظفي المحكمة الجنائية الدولية الذين اضطروا إلى الاستقالة بسبب التداعيات الشخصية المحتملة للعقوبات الأمريكية، المحامي البريطاني أندرو كايلي، الذي كان يشرف سابقًا على تحقيقات المحكمة في جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي وحركة حماس. وقال كايلي لصحيفة «ذي أوبزرفر» في يونيو 2025 إن التهديد بالعقوبات وضعه في «وضع بالغ الخطورة»، موضحًا أن وجود أطفاله في الولايات المتحدة يجعل أي عقوبات تنعكس عليهم مباشرة. وأضاف أن هناك «خوفًا حقيقيًا» يسود بين موظفي المحكمة من فرض عقوبات إضافية من واشنطن، وهو ما يعززه الإنذار الأمريكي الأخير.
كما أن التزام بعض الدول الأعضاء بدعم نظام روما الأساسي لا يزال محل شك. فعلى الرغم من أن ليز إيفنسون، مديرة برنامج العدالة الدولية في منظمة هيومن رايتس ووتش، تحدثت خلال الاجتماع السنوي الأخير لجمعية الدول الأطراف الموقعة على النظام في لاهاي مطلع ديسمبر عن «أجواء إيجابية» عكست تأكيد الممثلين على «العمل المشترك لدعم المحكمة»، فإن حكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي كانت قد تجاهلت في وقت سابق من العام مذكرات التوقيف الدولية الصادرة بحق بنيامين نتنياهو ويوآف جالانت. بل إن المستشار الألماني فريدريش ميرتس زار نتنياهو في ديسمبر 2025، معلنًا أن حكومته «ستدافع» عن مصالح إسرائيل.
ورغم حملة الترهيب المنسقة التي شنتها الولايات المتحدة ضد المحكمة الجنائية الدولية، والتقاعس المتكرر لعدد من القادة الأوروبيين عن دعم القانون الدولي، لا يزال التزام المدافعين عن حقوق الإنسان بتحقيق العدالة للفلسطينيين قائمًا. وفي هذا السياق، شدد كايلي في حديثه لصحيفة «الأوبزرفر» على أهمية «الوقوف إلى جانب ما هو صائب، حتى وإن كان الثمن باهظًا».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك