يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
العرب ومقاطعة إسرائيل
قبل فترة كتبت إنه من الخطأ الفادح أن تتصور الدول العربية أنه بعد اتفاق غزة، حتى لو تم تنفيذه بالكامل، فإن القضية قد انتهت، وإن الحرب طويت صفحتها. وقلت إنه لا يجوز إهدار مكاسب كبيرة تحققت للعرب في خضم حرب إبادة عزة، مثل انقلاب الرأي العام العالمي على إسرائيل وانكشاف حقيقتها، ومثل مواقف المنظمات الدولية التي وقفت بقوة ضد إسرائيل وأدانت جرائمها ومجرمي الحرب الإسرائيليين.. وهكذا.
من أكبر هذه المكاسب حركة المقاطعة العالمية لإسرائيل. هذه الحركة تجتاح العالم منذ اندلاع حرب إبادة غزة وفي الدول الغربية بالذات، وهي حركة مقاطعة شاملة لكل المجالات.
نحن في الوطن العربي لا نهتم كثيرا للأسف بمتابعة هذه الحركة. لكن في الفترة الماضية قرأت تقارير كثيرة في الإعلام الغربي ترصد حركة المقاطعة وتناقش أبعادها المختلفة وأهميتها التاريخية.
من أهم هذه التقارير تقرير مطول نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية قبل فترة تحت عنوان «كيف أصبحت مقاطعة إسرائيل موضة عالمية؟». من المهم أن نقدم عرضا لأهم ما جاء به إذ يقدم صورة واضحة لحركة المقاطعة.
يقول التقرير إن عامين من الكارثة الإنسانية في غزة أدت إلى «تقويض الإجماع الذي كان يحمي إسرائيل من ضغوط دولية كبيرة. وتتزايد الدعوات إلى مقاطعة الشركات الإسرائيلية والمجاورة لها، ومنع إسرائيل من المشاركة في الفعاليات الرياضية والثقافية، وقطع العلاقات مع مؤسساتها الأكاديمية .ومن الملاعب إلى الشوارع الرئيسية، ومن قاعات الحفلات الموسيقية إلى الساحة السياسية، تنتقل حركة المقاطعة من الهامش إلى التيار الرئيسي».
ويضيف التقرير: «مع أن انتقاد السياسة الإسرائيلية ليس جديدًا، إلا أن حرب غزة كانت بمثابة حافز، إذ حطمت المحرمات، وشجعت المعارضة، ودفعت المشاعر العامة والسياسية إلى آفاق جديدة. ويرى عديد من المراقبين نقطة تحول تلوح في الأفق، تُذكرنا بالحملة العالمية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا».
وبحسب التقرير، فإن اتساع حركة المقاطعة دفع جيريمي بن عامي، وهو رئيس منظمة مؤيدة لإسرائيل إلى القول: «إنه أكبر تحول رأيته في حياتي فيما يتعلق بالمواقف ليس فقط في المجتمع اليهودي الأمريكي، ولكن الجمهور على نطاق واسع». ويضيف إن هذا ليس معاداة للسامية، بل هو رفض لما تفعله الحكومة الإسرائيلية.
ويورد تقرير الجارديان أرقاما تؤكد إلى أي حد اتسعت حركة المقاطعة في مختلف المجالات. مثلا، وقَّع 380 كاتبًا ومنظمة، رسالةً تُعلن أن الحرب في غزة إبادة جماعية، وتدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، وذلك بعد رسالة سابقة من المجتمع الأدبي تُعلن مقاطعة معظم المؤسسات الثقافية الإسرائيلية.. كما وقّع أكثر من 4500 عامل سينمائي، كثير منهم من هوليوود، تعهدًا بمقاطعة المؤسسات والمهرجانات السينمائية الإسرائيلية «المتواطئة .«وفي أماكن أخرى من عالم الموسيقى، انضم مئات الفنانين، من بيورك إلى ماسيف أتاك، إلى دعوة لمنع بث موسيقاهم في إسرائيل.
ويذكر التقرير إنه في عالم كرة القدم، يواجه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، ضغوطًا لمنع إسرائيل من المشاركة في المسابقات الدولية. ويشير إلى أنه عرضت لوحة إعلانية في ساحة تايمز سكوير بنيويورك كُتب عليها «إسرائيل ترتكب إبادة جماعية». وكان ذلك جزءًا من حملة أطلقتها تدعو إلى مقاطعة المنتخب الإسرائيلي، ومقاطعة الأندية الإسرائيلية، ومنع اللاعبين الإسرائيليين من اللعب.
وعلى صعيد المقاطعة الاقتصادية يذكر التقرير أن الشركات الإسرائيلية والشركات التي دعمت إسرائيل في حرب غزة تواجه حركة مقاطعة واسعة النطاق كبدتها خسائر فادحة.
تقرير آخر تحدث عن المقاطعة الأكاديمية للباحثين والمؤسسات الإسرائيلية دوليا. وقال إن هذه المقاطعة شهدت قفزة غير مسبوقة خلال العامين الماضيين، إذ تزايدت حالات الرفض والتجميد للتعاون الأكاديمي مع إسرائيل ثلاث مرات مقارنة بالعام السابق، نتيجة الجرائم المستمرة التي ارتكبتها في قطاع غزة. وذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن ما يقرب من ألف حالة مقاطعة أكاديمية سُجّلت ضد الإسرائيليين منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، شملت مؤسسات بحثية وجمعيات مهنية وأفرادًا من المجتمع الأكاديمي الدولي .وأضافت الصحيفة، أن عدد المقاطعات تضاعف ثلاث مرات مقارنة بما كان عليه قبل عام، مشيرةً إلى أن كبار الأكاديميين في إسرائيل عبَّروا عن قلقهم العميق من الانعكاسات المتزايدة لهذه العزلة الأكاديمية ونقلت عن أحد الباحثين الإسرائيليين قوله: «إن البحث العلمي في إسرائيل «يقف على حافة الانهيار» بسبب تزايد العزلة الدولية».
وذكرت الصحيفة أن نحو 40 جامعة أجنبية أعلنت خلال العامين الماضيين إنهاء تعاونها الأكاديمي مع نظيراتها الإسرائيلية، إما بصورة كاملة أو جزئية، ما يعكس انحدارًا واضحًا في مكانة إسرائيل الأكاديمية عالميًّا.
هذه مجرد نماذج لتقارير غربية كثيرة توضح كيف أن حركة مقاطعة إسرائيل أصبحت حركة راسخة وتتوسع ولها تأثيرات كبرى في إسرائيل.
نثير هذا الموضوع لننبه إلى أن استمرار وتصاعد حركة المقاطعة العالمية لإسرائيل تطور كبير جدا في صالح العرب وقضيتهم في الصراع مع إسرائيل. لهذا من المفروض دعم هذه الحركة بكل السبل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك