يمكن أن يختزل الإنسان كامل جوهر التجربة الإنسانية في المشاعر؛ لاسيما أن المشاعر جزء أساسي لا يتجزأ من تكوين الشخصية البشرية، وهي التي تمنحه صفته الإنسانية، إذ ان المشاعر بحد ذاتها ما هي إلا استجابة فسيولوجية نفسية وفكرية وجسدية؛ تتولد نتيجة لتفاعلات الفرد مع البيئة المحيطة لتشكل كيان متكامل يحدد هويته.
وفي زمن أضحى فيه من الصعوبة بمكان أن يفهم الإنسان مشاعر نظيره الإنسان أحيانًا! أو ربما يمكن أن يصنف هذا كنوع من أنواع اللامبالاة وعدم الاكتراث الناتجة عن تشوه نمو الشخصية الإنسانية لدى البعض، وذلك ناتج عن عدة أسباب لسنا بصدد الخوض فيها، إنما أكثرها شيوعًا هي طبيعة العصر السريعة التي أدت الى تشظي الأفكار الإنسانية؛ ما ولدت لدى فئة نوعا من أنوع الاغتراب النفسي أفقدهم مقومات الإحساس البشري بشكله الفطري.
ودأب العلماء والمطورون في مجال التقنية والذكاء الاصطناعي على حل ذلك باستخدام التكنولوجيا! من خلال تطوير نماذج لتعليم وتدريب الآلات على الذكاء العاطفي؛ بحيث تستوعب وتفهم المشاعر البشرية وتتفاعل معها على غرار البشر الأسوياء!
إذ يساعد الذكاء العاطفي في الذكاء الاصطناعي على تحسين التفاعل بين الإنسان والآلة، بما يتيح للآلة فهم المواقف العاطفية للبشر، وبالتالي يدفعها الى إبداء ردود أفعال تحاكي الطبيعة الإنسانية، حيث أنتج ذلك تنوعا كبيرا في النماذج والتطبيقات والأنظمة التي تعمل وفق هذه التقنية، والتي يتم إنتاجها وتطويرها وإدماجها في الآلات والأجهزة والروبوتات من قبل مختلف الشركات العالمية.
ومؤخرًا استطاع أيضًا متخصصون من المركز الفيدرالي للبحوث العلمية التابع لأكاديمية العلوم الروسية في بطرسبورغ، من تطوير نظام برمجي يحاكي ذلك، ويتفوق في دقة فهم المشاعر البشرية على نظرائه من النماذج المستخدمة حاليًا، لأنه مدرب على التعرف على فحوى متكامل من التفاعلات الإنسانية المتنوعة، كالكلام، والإيماء، وتعبير الوجه، ونظرات العين، والسلوك، كما انه يتمكن من تحليل مشاعر الإنسان الصامت أيضًا، إلى جانب تحليل المعلومات السمعية والبصرية كالفيديو والصوت والنص، كما أنه قادر على فهم المشاعر الأساسية السبعة: الفرح، والحزن، والخوف، والاشمئزاز، والغضب، والهدوء، والدهشة، بالإضافة إلى المشاعر الايجابية والسلبية والمحايدة.
لا شك أن تقدم التكنولوجيا وتطور خوارزميات الذكاء الاصطناعي جعلها أكثر قدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات، بحيث تمكنت نتيجة لذلك من فهم الأنماط البشرية والتفاعل مع المستخدمين بطرق لم تكن ممكنة من قبل، وبالرغم من قدرتها على التعامل مع المشاعر الإنسانية إلا أنها لن تستطيع الشعور كما يفعل البشر، وهذه حقيقة مهمة لا يمكن إغفالها.
وخاصة ان فهم المشاعر الإنسانية بشكل صحيح يحده عدة عوامل اجتماعية وثقافية، قد تقف عصية على إدراك الآلة بشكل كلي، إضافة إلى أنها قد تتقن وفق النماذج المدخلة تفسير المشاعر المختزلة في المحادثات والنصوص استنادًا الى المعالجة الطبيعية لمعنى الكلمات الأساسي، إلا أنه قد يلتبس عليها تفسيرها بسياقها الصحيح؛ نتيجة لعدم إدراكها للتشبيه والمجاز اللغوي والإسقاط التهكمي المستخدم للتعبير عن الذات ضمن الحديث أحيانًا.
إلى جانب أن المشاعر الإنسانية تنتج عن تفاعلات معقدة تشمل الضمير، وإدراك الواقع، والتفكير النقدي والتحليلي، وغيرها، ونماذج الذكاء الاصطناعي لا تملك الوعي والإحساس لفهم أبعاد هذا العمق، إنما مهيأة لتعمل على محاكاة المشاعر والتفاعل معها بشكل محدود، وهو ما لا يعكس تجارب حقيقية ويفتقد العاطفة الفعلية.
من المؤكد أن الأبحاث التكنولوجية في مجال الذكاء الاصطناعي العاطفي قدمت العديد من الاختراعات المدهشة، وأحدثت ثورة في طبيعة تفاعل البشر مع الآلة؛ بشكل استطاع أن يؤثر على مستوى جودة العديد من الخدمات المقدمة في مختلف القطاعات، الأمر الذي انعكس بشكل تلقائي على تحسين جودة حياة الفرد والمجتمع.
ومن المتوقع أن تتقدم الأبحاث التقنية في هذا المجال بشكل ملموس لتخلق انجازات أكثر إدهاشًا وذات فاعلية واستفادة أكبر، إلا إنها بالرغم من ذلك لن تحل محل المشاعر الإنسانية ولن تصبح بديلا لها.
إذ يبقى التعاطف والفهم الإنساني المتبادل بين البشر أثمن وأسمى، وتبقى نظرة العين أكثر تأثيرًا، ونبرة الصوت أكثر دفئًا، ولمسة اليد أكثر حنية، والذكريات المشتركة حقيقة ملموسة تجسد المشاعر الإنسانية، وما يقابلها ما تقدمه التكنولوجيا ليس سوى مشاعر اصطناعية محض تقليد يتم توليدها بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وأي محاولات للترويج لمشاعر حب أو علاقة صداقة يشعرها البشر ناحية تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو الروبوتات... الخ، هي محاولة لا هدف لها ولا طائل منها؛ سوى مخالفة الفطرة السوية المجبولين عليها، وإفساد لأخلاقيات المجتمع، وعبث بالمشاعر والعقول.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك