العدد : ١٧٤١٨ - الأحد ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٩ جمادى الآخر ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤١٨ - الأحد ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٩ جمادى الآخر ١٤٤٧هـ

مقالات

الذكاء الاصطناعي العاطفي ليس بديلا عن المشاعر الإنسانية!

بقلم: إسراء القصاب

الأحد ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٥ - 02:00

يمكن‭ ‬أن‭ ‬يختزل‭ ‬الإنسان‭ ‬كامل‭ ‬جوهر‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬المشاعر؛‭ ‬لاسيما‭ ‬أن‭ ‬المشاعر‭ ‬جزء‭ ‬أساسي‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬تكوين‭ ‬الشخصية‭ ‬البشرية،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تمنحه‭ ‬صفته‭ ‬الإنسانية،‭ ‬إذ‭ ‬ان‭ ‬المشاعر‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬استجابة‭ ‬فسيولوجية‭ ‬نفسية‭ ‬وفكرية‭ ‬وجسدية؛‭ ‬تتولد‭ ‬نتيجة‭ ‬لتفاعلات‭ ‬الفرد‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬لتشكل‭ ‬كيان‭ ‬متكامل‭ ‬يحدد‭ ‬هويته‭.‬

وفي‭ ‬زمن‭ ‬أضحى‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الصعوبة‭ ‬بمكان‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬الإنسان‭ ‬مشاعر‭ ‬نظيره‭ ‬الإنسان‭ ‬أحيانًا‭! ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصنف‭ ‬هذا‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬اللامبالاة‭ ‬وعدم‭ ‬الاكتراث‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬تشوه‭ ‬نمو‭ ‬الشخصية‭ ‬الإنسانية‭ ‬لدى‭ ‬البعض،‭ ‬وذلك‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬عدة‭ ‬أسباب‭ ‬لسنا‭ ‬بصدد‭ ‬الخوض‭ ‬فيها،‭ ‬إنما‭ ‬أكثرها‭ ‬شيوعًا‭ ‬هي‭ ‬طبيعة‭ ‬العصر‭ ‬السريعة‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬الى‭ ‬تشظي‭ ‬الأفكار‭ ‬الإنسانية؛‭ ‬ما‭ ‬ولدت‭ ‬لدى‭ ‬فئة‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬أنوع‭ ‬الاغتراب‭ ‬النفسي‭ ‬أفقدهم‭ ‬مقومات‭ ‬الإحساس‭ ‬البشري‭ ‬بشكله‭ ‬الفطري‭.‬

ودأب‭ ‬العلماء‭ ‬والمطورون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التقنية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬ذلك‭ ‬باستخدام‭ ‬التكنولوجيا‭! ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطوير‭ ‬نماذج‭ ‬لتعليم‭ ‬وتدريب‭ ‬الآلات‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي؛‭ ‬بحيث‭ ‬تستوعب‭ ‬وتفهم‭ ‬المشاعر‭ ‬البشرية‭ ‬وتتفاعل‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬البشر‭ ‬الأسوياء‭! ‬

إذ‭ ‬يساعد‭ ‬الذكاء‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والآلة،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬للآلة‭ ‬فهم‭ ‬المواقف‭ ‬العاطفية‭ ‬للبشر،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يدفعها‭ ‬الى‭ ‬إبداء‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬تحاكي‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬حيث‭ ‬أنتج‭ ‬ذلك‭ ‬تنوعا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬النماذج‭ ‬والتطبيقات‭ ‬والأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬وفق‭ ‬هذه‭ ‬التقنية،‭ ‬والتي‭ ‬يتم‭ ‬إنتاجها‭ ‬وتطويرها‭ ‬وإدماجها‭ ‬في‭ ‬الآلات‭ ‬والأجهزة‭ ‬والروبوتات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مختلف‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭.‬

ومؤخرًا‭ ‬استطاع‭ ‬أيضًا‭ ‬متخصصون‭ ‬من‭ ‬المركز‭ ‬الفيدرالي‭ ‬للبحوث‭ ‬العلمية‭ ‬التابع‭ ‬لأكاديمية‭ ‬العلوم‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬بطرسبورغ،‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬نظام‭ ‬برمجي‭ ‬يحاكي‭ ‬ذلك،‭ ‬ويتفوق‭ ‬في‭ ‬دقة‭ ‬فهم‭ ‬المشاعر‭ ‬البشرية‭ ‬على‭ ‬نظرائه‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬المستخدمة‭ ‬حاليًا،‭ ‬لأنه‭ ‬مدرب‭ ‬على‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬فحوى‭ ‬متكامل‭ ‬من‭ ‬التفاعلات‭ ‬الإنسانية‭ ‬المتنوعة،‭ ‬كالكلام،‭ ‬والإيماء،‭ ‬وتعبير‭ ‬الوجه،‭ ‬ونظرات‭ ‬العين،‭ ‬والسلوك،‭ ‬كما‭ ‬انه‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬تحليل‭ ‬مشاعر‭ ‬الإنسان‭ ‬الصامت‭ ‬أيضًا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تحليل‭ ‬المعلومات‭ ‬السمعية‭ ‬والبصرية‭ ‬كالفيديو‭ ‬والصوت‭ ‬والنص،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬المشاعر‭ ‬الأساسية‭ ‬السبعة‭: ‬الفرح،‭ ‬والحزن،‭ ‬والخوف،‭ ‬والاشمئزاز،‭ ‬والغضب،‭ ‬والهدوء،‭ ‬والدهشة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬المشاعر‭ ‬الايجابية‭ ‬والسلبية‭ ‬والمحايدة‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتطور‭ ‬خوارزميات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬جعلها‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬البيانات،‭ ‬بحيث‭ ‬تمكنت‭ ‬نتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬الأنماط‭ ‬البشرية‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬المستخدمين‭ ‬بطرق‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تستطيع‭ ‬الشعور‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬البشر،‭ ‬وهذه‭ ‬حقيقة‭ ‬مهمة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفالها‭.‬

وخاصة‭ ‬ان‭ ‬فهم‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭ ‬يحده‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬اجتماعية‭ ‬وثقافية،‭ ‬قد‭ ‬تقف‭ ‬عصية‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬الآلة‭ ‬بشكل‭ ‬كلي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تتقن‭ ‬وفق‭ ‬النماذج‭ ‬المدخلة‭ ‬تفسير‭ ‬المشاعر‭ ‬المختزلة‭ ‬في‭ ‬المحادثات‭ ‬والنصوص‭ ‬استنادًا‭ ‬الى‭ ‬المعالجة‭ ‬الطبيعية‭ ‬لمعنى‭ ‬الكلمات‭ ‬الأساسي،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يلتبس‭ ‬عليها‭ ‬تفسيرها‭ ‬بسياقها‭ ‬الصحيح؛‭ ‬نتيجة‭ ‬لعدم‭ ‬إدراكها‭ ‬للتشبيه‭ ‬والمجاز‭ ‬اللغوي‭ ‬والإسقاط‭ ‬التهكمي‭ ‬المستخدم‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬ضمن‭ ‬الحديث‭ ‬أحيانًا‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬أن‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية‭ ‬تنتج‭ ‬عن‭ ‬تفاعلات‭ ‬معقدة‭ ‬تشمل‭ ‬الضمير،‭ ‬وإدراك‭ ‬الواقع،‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي‭ ‬والتحليلي،‭ ‬وغيرها،‭ ‬ونماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬الوعي‭ ‬والإحساس‭ ‬لفهم‭ ‬أبعاد‭ ‬هذا‭ ‬العمق،‭ ‬إنما‭ ‬مهيأة‭ ‬لتعمل‭ ‬على‭ ‬محاكاة‭ ‬المشاعر‭ ‬والتفاعل‭ ‬معها‭ ‬بشكل‭ ‬محدود،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬تجارب‭ ‬حقيقية‭ ‬ويفتقد‭ ‬العاطفة‭ ‬الفعلية‭.‬

من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأبحاث‭ ‬التكنولوجية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬العاطفي‭ ‬قدمت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاختراعات‭ ‬المدهشة،‭ ‬وأحدثت‭ ‬ثورة‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬تفاعل‭ ‬البشر‭ ‬مع‭ ‬الآلة؛‭ ‬بشكل‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬جودة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬المقدمة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬انعكس‭ ‬بشكل‭ ‬تلقائي‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬حياة‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تتقدم‭ ‬الأبحاث‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس‭ ‬لتخلق‭ ‬انجازات‭ ‬أكثر‭ ‬إدهاشًا‭ ‬وذات‭ ‬فاعلية‭ ‬واستفادة‭ ‬أكبر،‭ ‬إلا‭ ‬إنها‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬تحل‭ ‬محل‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية‭ ‬ولن‭ ‬تصبح‭ ‬بديلا‭ ‬لها‭.‬

إذ‭ ‬يبقى‭ ‬التعاطف‭ ‬والفهم‭ ‬الإنساني‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬أثمن‭ ‬وأسمى،‭ ‬وتبقى‭ ‬نظرة‭ ‬العين‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرًا،‭ ‬ونبرة‭ ‬الصوت‭ ‬أكثر‭ ‬دفئًا،‭ ‬ولمسة‭ ‬اليد‭ ‬أكثر‭ ‬حنية،‭ ‬والذكريات‭ ‬المشتركة‭ ‬حقيقة‭ ‬ملموسة‭ ‬تجسد‭ ‬المشاعر‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وما‭ ‬يقابلها‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬مشاعر‭ ‬اصطناعية‭ ‬محض‭ ‬تقليد‭ ‬يتم‭ ‬توليدها‭ ‬بواسطة‭ ‬خوارزميات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وأي‭ ‬محاولات‭ ‬للترويج‭ ‬لمشاعر‭ ‬حب‭ ‬أو‭ ‬علاقة‭ ‬صداقة‭ ‬يشعرها‭ ‬البشر‭ ‬ناحية‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أو‭ ‬الروبوتات‭... ‬الخ،‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬لا‭ ‬هدف‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬طائل‭ ‬منها؛‭ ‬سوى‭ ‬مخالفة‭ ‬الفطرة‭ ‬السوية‭ ‬المجبولين‭ ‬عليها،‭ ‬وإفساد‭ ‬لأخلاقيات‭ ‬المجتمع،‭ ‬وعبث‭ ‬بالمشاعر‭ ‬والعقول‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا