على مختلف العصور والأزمنة لا تتطور اقتصادات البلدان إلا بسواعد أبنائها، والمقصود هنا أبناؤها من الذكور والإناث الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية تطوير مختلف الأنشطة، والمهن والحرف التي تتوارثها الأجيال أبا عن جد. ولو أخذنا البلدان المتطورة فسنجد أن التاريخ يؤكد ذلك وحتى عصرنا الحالي. وعلى الرغم من أن دول العالم أصبحت أكثر اعتمادا على بعضها البعض واقتصاداتها باتت متداخلة فإن الأساس يظل هو الاعتماد على أبناء البلد.
وهنا أود أن ألقي الضوء في هذا الموضوع على مملكة البحرين حيث كان ولا يزال أبناؤها وبناتها البحرينيون منذ زمن بعيد يعملون في كافة الحرف والمهن سواء الذهنية أو البدنية، حيث كان البحريني يمتهن العديد من الوظائف كفني الكهرباء، وفني السيارات واللحام، كما نجد أنه عمل في مجال الغوص، وبعدها عمل في مختلف مجالات النفط. وسوف نلاحظ كذلك الانتشار الواسع لمهن السقاي والنجار والسباك وبائع الفواكه والخضراوات والسمك والقصاب وسائق الحافلات وسيارات الأجرة وصاحب دكان بيع الأغذية والملابس. وهذا إن دل على شيء، فإنه يؤكد على أن الآباء والأجداد كان لهم الدور الأساسي والأهم في تبني وتطوير مختلف الأنشطة الاقتصادية والتجارية.
وفي واقع الأمر لمست ذلك بشكل واضح عندما قمت بجولة قصيرة في فعالية ليالي المحرق التي تزامنت مع احتفالات مملكة البحرين بالعيد الوطني وذكرى تولي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد، حفظه الله ورعاه، مقاليد الحكم في البلاد. وهنا استذكرت كافة المهن والحرف التي اضطلع بها أبناء الوطن عبر الأجيال وبسواعدهم أسهموا في ترسيخ وبناء اقتصاد البحرين. وقد نجحت ليالي المحرق في إبراز هذه الحقيقة وترسيخها في أذهان مواطني الوطن العزيز وزوار المملكة. ومع مسيرة التطور المتسارع التي تشهده البحرين، اندثرت بعض الحرف والمهن، فبما جرى تحديث وتطوير البعض الآخر مواكبة للتطور العالمي في مختلف الأنشطة الاقتصادية، لاسيما مع دخول التكنولوجيا في معظمها.
إلا أن ما يلفت الانتباه هو التراجع الملحوظ لمشاركة العنصر البحريني في العديد من هذه الحرف والمهن خلال السنوات الأخيرة. ولا شك أن هذه المجالات لا تزال تمتلك فرصا حقيقية للمساهمة في الحد من البطالة، وهو ما ينسجم مع ما يوليه صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، من اهتمام وتوجيهات تهدف إلى إيجاد حلول عملية وملموسة لهذا الملف.
ومن ناحية اقتصادية أخرى، فإن الوضع الحالي يؤدي إلى تأثير سلبي على التدفقات النقدية التي تقدر بمئات الملايين التي تخرج إلى خارج المملكة، من دون أن يعود بالاستفادة على الاقتصاد البحريني. كما ان عدم الاعتماد على المواطن في العديد من هذه المهن والحرف يسفر عن انخفاض القوة الشرائية للمواطنين. ومن ناحية أخرى، لاحظنا في الفترة الأخيرة التأثير الإيجابي لاعتماد القبطان البحريني في استغلال الثروة السمكية، حيث أسهم في توفير وظائف جديدة للمواطنين. ووفقاً لتقديري، فإن تنفيذ برنامج إحلال يوفر ما بين 9 و10 آلاف وظيفة سنويا سيعود بفائدة كبيرة على الاقتصاد البحريني ويساعد في تحقيق توجيهات صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، في دعم مشاركة المواطنين وتعزيز التنمية المستدامة.
لنكن واقعيين وندرك أن عدداً من المهن والحرف التقليدية قد اختفى وبشكل نهائي، بينما شهدت مهن أخرى تغيراً كبيراً نتيجة الاعتماد على التقنيات الحديثة التي تشهد تطورات متسارعة في معظم الأنشطة الاقتصادية والحياتية. ومع ذلك، هناك في الوقت نفسه العديد من الحرف والمهن المتوافرة، التي يمكن للمواطن الامتهان بها والاستفادة منها من خلال برامج الإحلال المنظمة والمخططة.
من وجهة نظري، للمواطن والأب والأم وصاحب العمل ومعاهد التدريب، دور مهم في استعادة هذه الحرف والمهن لأهل هذا الوطن. كما أن الدولة تعمل بجد وهمة لإتاحة الفرص للمواطن لشغل مختلف الأعمال، كما أنها لا تدخر جهدا في دعم وتشجيع التدريب المستمر، كل ذلك في سبيل تحقيق أهداف التنمية الوطنية، وتلبية احتياجات سوق العمل وخلق وظائف مناسبة. فلنعمل جميعا يداً بيد وبلا كلل على تهيئة كافة الظروف من المنزل الى المدرسة والمعاهد الفنية والصناعية والمهنية والتدريب المناسب لاستعادة الكثير من هذه الحرف والمهن لصالح المواطنين، بما يعزز سوقنا المحلي وبفتح آفاق للاستفادة على المستوى الخليجي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك