لماذا يشعر المستفيد أحياناً أن الطريق إلى الخدمة أطول مما ينبغي؟
ولماذا تتكرر الإجراءات بأسماء مختلفة بينما تبقى الغاية واحدة؟
في كثير من الحالات لا تكمن المشكلة في نقص الإمكانات، وإنما في غياب الوقفة الواعية التي تعيد النظر في الخدمات كوحدات مترابطة لا كمسارات متفرقة. التجارب المؤسسية الناضجة أثبتت أن الفارق الحقيقي لا تصنعه الميزانيات وحدها، وإنما تصنعه عقلية إدارية قادرة على التوقف عند الخدمات التي تشترك في الهدف نفسه، وتجميعها في مسار واضح يخدم المستفيد قبل أن يخدم الهيكل التنظيمي.
في تجربة مثل السويد لم يبدأ تطوير الخدمات من سؤال التمويل، وإنما من سؤال أبسط وأعمق. كيف يرى المستفيد هذه الخدمة. أين يتكرر الجهد دون قيمة. وكيف يمكن بناء الخدمة كمنظومة واحدة بدل أن تتوزع بين جهات متعددة. هذه العقلية هي التي قادت إلى توحيد المسارات وتقليص الإجراءات، وبناء خدمات قائمة على فهم شامل لا على تراكم تنظيمي.
من هنا يظهر مفهوم الهدر غير المرئي بوصفه عبئاً صامتاً يتشكل تدريجياً داخل تفاصيل العمل اليومي دون أن يُرصد في التقارير المالية. يبدأ من تكرار المتطلبات بين وحدات داخل المؤسسة الواحدة، ويتسع مع تعدد المسارات وتكرار التقييمات، وانتقال المستفيد بين جهات مختلفة لتحقيق نتيجة واحدة. نموذج يُعاد تعبئته، توقيع إضافي لا يغير القرار، لجنة أخرى لطلب سبق تقييمه، مستند محفوظ لدى جهة أخرى يُطلب من جديد. هذا النوع من الهدر لا يثقل رحلة المستفيد فقط، وإنما يستنزف وقت الموظف ويضعف أثر الخدمة مهما حسنت النوايا.
هنا تبرز عقلية الإداري الناضج حين يقف باستدراك شامل لجميع الخدمات المتقاربة في المقصد، ويتعامل معها كوحدة واحدة لا كسلسلة إجراءات منفصلة. الإداري الناضج لا ينطلق من حدود الجهة، وإنما من النتيجة المرجوة. ما الذي يفترض أن تحققه هذه الخدمة، وكيف يمكن الوصول إليه بأقصر طريق وأكثره وضوحاً. ومن هذا المنطلق يبدأ التطوير المؤسسي الحقيقي، لا من إضافة أنظمة جديدة أو استحداث وحدات تنظيمية، وإنما من مراجعة صادقة لما هو قائم، والتمييز بين إجراء يضيف قيمة فعلية، وآخر تحول إلى ممارسة إدارية فقدت معناها.
ومع إعادة توجيه رحلة المستفيد نحو المسار الأبسط والأكثر كفاءة بوصفها معياراً حاكماً في تصميم الخدمة، أصبحت إعادة تصميم الخدمات حاجة ملحة. تبدأ هذه الإعادة من داخل المؤسسة عبر ضبط الأدوار وتوحيد المسارات، ثم تمتد إلى تنظيم العلاقة مع الجهات ذات الصلة، بحيث تُجمع الخدمات المتقاربة ويعاد تقديمها ضمن مسار واحد مفهوم وقابل للتنفيذ.
عندما تُبنى الخدمات على أساس رحلة المستفيد وتُنفذ بمنطق التكامل لا التجزئة، تصبح الكفاءة نتيجة طبيعية. البيانات التي تُقدّم مرة واحدة يُعاد استخدامها، التقييمات تُوحّد بدل تكرارها، والتنسيق يتم على مستوى المسار لا المخاطبات. وتبدأ نتائج إعادة تصميم الخدمات في الظهور بوضوح. زمن إنجاز أقصر، مسارات أوضح، أدوار داخلية أكثر تحديداً، ضغط أقل على الموظف، وشعور أعلى لدى المستفيد بأن الخدمة صُممت لفهم حاجته لا لاختبار صبره. كما ترتفع الكفاءة التشغيلية للمؤسسة نفسها، وتتراجع الأخطاء، وتصبح الرقابة أسهل لأنها تستند إلى مسار واضح لا إلى إجراءات متراكمة.
من هنا يتشكل مفهوم الكلفة صفر كنهج إداري ناضج. ليس لأن الجهد غائب، وإنما لأن الجهد يُوجّه إلى مواضع الخلل قبل أن تتضخم. كثير من التحسينات المؤثرة في جودة الخدمات جاءت من قرارات تنظيمية واعية، ومن شجاعة إدارية في التبسيط قبل الإضافة.
الإداري الواعي يدرك أن كل إجراء زائد له أثر، حتى إن لم يُسجل رقماً. أثر على الوقت والثقة، وأثر على شعور المستفيد تجاه المؤسسة. كما يدرك أن التبسيط لا يعني التهاون، وإنما يعني وضوحاً أكبر، ومسؤولية أدق، ومساراً أسهل للفهم والتطبيق.
وفي النهاية، كل خدمة لا تُصمم مع المستفيد ستُعاد صياغتها لاحقاً تحت ضغط الواقع. وحين يكون المستفيد حاضراً منذ البداية في تصميم الخدمة، فإن كثيراً من الهدر يختفي تلقائياً، ويقصر الطريق، وتستعيد المؤسسة معناها الحقيقي كمنظومة تعمل بوعي واتساق، وتخلق قيمة يشعر بها كل من يتعامل معها.
مهتمة بالحوكمة وتطوير الأداء
المؤسسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك