العدد : ١٧٤٨٤ - الأربعاء ٠٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٤ - الأربعاء ٠٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

الهدر غير المرئي

بقلم: عبير محمد دهام.

الثلاثاء ٠٣ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

لماذا‭ ‬يشعر‭ ‬المستفيد‭ ‬أحياناً‭ ‬أن‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الخدمة‭ ‬أطول‭ ‬مما‭ ‬ينبغي؟

ولماذا‭ ‬تتكرر‭ ‬الإجراءات‭ ‬بأسماء‭ ‬مختلفة‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬الغاية‭ ‬واحدة؟

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬الإمكانات،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الوقفة‭ ‬الواعية‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬كوحدات‭ ‬مترابطة‭ ‬لا‭ ‬كمسارات‭ ‬متفرقة‭. ‬التجارب‭ ‬المؤسسية‭ ‬الناضجة‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬الميزانيات‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬تصنعه‭ ‬عقلية‭ ‬إدارية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬الخدمات‭ ‬التي‭ ‬تشترك‭ ‬في‭ ‬الهدف‭ ‬نفسه،‭ ‬وتجميعها‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬واضح‭ ‬يخدم‭ ‬المستفيد‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يخدم‭ ‬الهيكل‭ ‬التنظيمي‭.‬

في‭ ‬تجربة‭ ‬مثل‭ ‬السويد‭ ‬لم‭ ‬يبدأ‭ ‬تطوير‭ ‬الخدمات‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬التمويل،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬أبسط‭ ‬وأعمق‭. ‬كيف‭ ‬يرى‭ ‬المستفيد‭ ‬هذه‭ ‬الخدمة‭. ‬أين‭ ‬يتكرر‭ ‬الجهد‭ ‬دون‭ ‬قيمة‭. ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬الخدمة‭ ‬كمنظومة‭ ‬واحدة‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تتوزع‭ ‬بين‭ ‬جهات‭ ‬متعددة‭. ‬هذه‭ ‬العقلية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬توحيد‭ ‬المسارات‭ ‬وتقليص‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وبناء‭ ‬خدمات‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬شامل‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬تراكم‭ ‬تنظيمي‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬مفهوم‭ ‬الهدر‭ ‬غير‭ ‬المرئي‭ ‬بوصفه‭ ‬عبئاً‭ ‬صامتاً‭ ‬يتشكل‭ ‬تدريجياً‭ ‬داخل‭ ‬تفاصيل‭ ‬العمل‭ ‬اليومي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُرصد‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬المالية‭. ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬المتطلبات‭ ‬بين‭ ‬وحدات‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬الواحدة،‭ ‬ويتسع‭ ‬مع‭ ‬تعدد‭ ‬المسارات‭ ‬وتكرار‭ ‬التقييمات،‭ ‬وانتقال‭ ‬المستفيد‭ ‬بين‭ ‬جهات‭ ‬مختلفة‭ ‬لتحقيق‭ ‬نتيجة‭ ‬واحدة‭. ‬نموذج‭ ‬يُعاد‭ ‬تعبئته،‭ ‬توقيع‭ ‬إضافي‭ ‬لا‭ ‬يغير‭ ‬القرار،‭ ‬لجنة‭ ‬أخرى‭ ‬لطلب‭ ‬سبق‭ ‬تقييمه،‭ ‬مستند‭ ‬محفوظ‭ ‬لدى‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الهدر‭ ‬لا‭ ‬يثقل‭ ‬رحلة‭ ‬المستفيد‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬يستنزف‭ ‬وقت‭ ‬الموظف‭ ‬ويضعف‭ ‬أثر‭ ‬الخدمة‭ ‬مهما‭ ‬حسنت‭ ‬النوايا‭.‬

هنا‭ ‬تبرز‭ ‬عقلية‭ ‬الإداري‭ ‬الناضج‭ ‬حين‭ ‬يقف‭ ‬باستدراك‭ ‬شامل‭ ‬لجميع‭ ‬الخدمات‭ ‬المتقاربة‭ ‬في‭ ‬المقصد،‭ ‬ويتعامل‭ ‬معها‭ ‬كوحدة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬كسلسلة‭ ‬إجراءات‭ ‬منفصلة‭. ‬الإداري‭ ‬الناضج‭ ‬لا‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬حدود‭ ‬الجهة،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬النتيجة‭ ‬المرجوة‭. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تحققه‭ ‬هذه‭ ‬الخدمة،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬بأقصر‭ ‬طريق‭ ‬وأكثره‭ ‬وضوحاً‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬يبدأ‭ ‬التطوير‭ ‬المؤسسي‭ ‬الحقيقي،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬إضافة‭ ‬أنظمة‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬استحداث‭ ‬وحدات‭ ‬تنظيمية،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬مراجعة‭ ‬صادقة‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬قائم،‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬إجراء‭ ‬يضيف‭ ‬قيمة‭ ‬فعلية،‭ ‬وآخر‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬إدارية‭ ‬فقدت‭ ‬معناها‭.‬

ومع‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬رحلة‭ ‬المستفيد‭ ‬نحو‭ ‬المسار‭ ‬الأبسط‭ ‬والأكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬بوصفها‭ ‬معياراً‭ ‬حاكماً‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬الخدمة،‭ ‬أصبحت‭ ‬إعادة‭ ‬تصميم‭ ‬الخدمات‭ ‬حاجة‭ ‬ملحة‭. ‬تبدأ‭ ‬هذه‭ ‬الإعادة‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬عبر‭ ‬ضبط‭ ‬الأدوار‭ ‬وتوحيد‭ ‬المسارات،‭ ‬ثم‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬بحيث‭ ‬تُجمع‭ ‬الخدمات‭ ‬المتقاربة‭ ‬ويعاد‭ ‬تقديمها‭ ‬ضمن‭ ‬مسار‭ ‬واحد‭ ‬مفهوم‭ ‬وقابل‭ ‬للتنفيذ‭.‬

عندما‭ ‬تُبنى‭ ‬الخدمات‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬رحلة‭ ‬المستفيد‭ ‬وتُنفذ‭ ‬بمنطق‭ ‬التكامل‭ ‬لا‭ ‬التجزئة،‭ ‬تصبح‭ ‬الكفاءة‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭. ‬البيانات‭ ‬التي‭ ‬تُقدّم‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬يُعاد‭ ‬استخدامها،‭ ‬التقييمات‭ ‬تُوحّد‭ ‬بدل‭ ‬تكرارها،‭ ‬والتنسيق‭ ‬يتم‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المسار‭ ‬لا‭ ‬المخاطبات‭. ‬وتبدأ‭ ‬نتائج‭ ‬إعادة‭ ‬تصميم‭ ‬الخدمات‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬بوضوح‭. ‬زمن‭ ‬إنجاز‭ ‬أقصر،‭ ‬مسارات‭ ‬أوضح،‭ ‬أدوار‭ ‬داخلية‭ ‬أكثر‭ ‬تحديداً،‭ ‬ضغط‭ ‬أقل‭ ‬على‭ ‬الموظف،‭ ‬وشعور‭ ‬أعلى‭ ‬لدى‭ ‬المستفيد‭ ‬بأن‭ ‬الخدمة‭ ‬صُممت‭ ‬لفهم‭ ‬حاجته‭ ‬لا‭ ‬لاختبار‭ ‬صبره‭. ‬كما‭ ‬ترتفع‭ ‬الكفاءة‭ ‬التشغيلية‭ ‬للمؤسسة‭ ‬نفسها،‭ ‬وتتراجع‭ ‬الأخطاء،‭ ‬وتصبح‭ ‬الرقابة‭ ‬أسهل‭ ‬لأنها‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬واضح‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬متراكمة‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يتشكل‭ ‬مفهوم‭ ‬الكلفة‭ ‬صفر‭ ‬كنهج‭ ‬إداري‭ ‬ناضج‭. ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الجهد‭ ‬غائب،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬الجهد‭ ‬يُوجّه‭ ‬إلى‭ ‬مواضع‭ ‬الخلل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتضخم‭. ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التحسينات‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬تنظيمية‭ ‬واعية،‭ ‬ومن‭ ‬شجاعة‭ ‬إدارية‭ ‬في‭ ‬التبسيط‭ ‬قبل‭ ‬الإضافة‭.‬

الإداري‭ ‬الواعي‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬إجراء‭ ‬زائد‭ ‬له‭ ‬أثر،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يُسجل‭ ‬رقماً‭. ‬أثر‭ ‬على‭ ‬الوقت‭ ‬والثقة،‭ ‬وأثر‭ ‬على‭ ‬شعور‭ ‬المستفيد‭ ‬تجاه‭ ‬المؤسسة‭. ‬كما‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬التبسيط‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬التهاون،‭ ‬وإنما‭ ‬يعني‭ ‬وضوحاً‭ ‬أكبر،‭ ‬ومسؤولية‭ ‬أدق،‭ ‬ومساراً‭ ‬أسهل‭ ‬للفهم‭ ‬والتطبيق‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬كل‭ ‬خدمة‭ ‬لا‭ ‬تُصمم‭ ‬مع‭ ‬المستفيد‭ ‬ستُعاد‭ ‬صياغتها‭ ‬لاحقاً‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الواقع‭. ‬وحين‭ ‬يكون‭ ‬المستفيد‭ ‬حاضراً‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬الخدمة،‭ ‬فإن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬الهدر‭ ‬يختفي‭ ‬تلقائياً،‭ ‬ويقصر‭ ‬الطريق،‭ ‬وتستعيد‭ ‬المؤسسة‭ ‬معناها‭ ‬الحقيقي‭ ‬كمنظومة‭ ‬تعمل‭ ‬بوعي‭ ‬واتساق،‭ ‬وتخلق‭ ‬قيمة‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتعامل‭ ‬معها‭.‬

 

مهتمة‭ ‬بالحوكمة‭ ‬وتطوير‭ ‬الأداء‭   ‬

المؤسسي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا