العدد : ١٧٤١٨ - الأحد ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٩ جمادى الآخر ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤١٨ - الأحد ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٩ جمادى الآخر ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

فات الأوان

في‭ ‬تقديري‭ ‬فقد‭ ‬أضرَّت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الإلكتروني‭ ‬بنشر‭ ‬المعرفة‭ ‬والعلم‭ ‬والاستنارة،‭ ‬لأنها‭ ‬تغري‭ ‬روادها‭ ‬بوجبات‭ ‬سريعة‭ ‬وخفيفة،‭ ‬معظمها‭ ‬دون‭ ‬الخمس‭ ‬دقائق،‭ ‬وهكذا‭ ‬انكمش‭ ‬سوق‭ ‬الصحف‭ ‬الورقية،‭ ‬وقبل‭ ‬سنوات‭ ‬أسلمت‭ ‬الروح‭ ‬مجلة‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصدرها‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬السعودية‭.‬

طلبت‭ ‬مني‭ ‬هذه‭ ‬المجلة‭ ‬ذات‭ ‬عام‭ ‬أن‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬لها‭ ‬بمقال‭ ‬حول‭ ‬العودة‭ ‬الافتراضية‭ ‬إلى‭ ‬فترة‭ ‬الشباب،‭ ‬وأعجبتني‭ ‬الفكرة،‭ ‬لأنني‭ ‬لست‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬عودة‭ ‬افتراضية‭ ‬إلى‭ ‬سن‭ ‬الشباب،‭ ‬لأنني‭ ‬‮«‬لسه‭/ ‬بعدني‭ ‬شباب‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬وبصراحة‭ ‬أكثر‭ ‬أعجبت‭ ‬بالموضوع‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعودة‭ ‬ولو‭ ‬الافتراضية‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الطفولة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬عنها‭ ‬سوى‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬العقارب‭ ‬والتماسيح‭ ‬في‭ ‬النيل‭ ‬والجن‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يتخذون‭ ‬من‭ ‬خرابة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬بيتنا‭ ‬‮«‬قيادة‭ ‬قطرية‭ ‬وقومية‮»‬‭ ‬ولديهم‭ ‬شبيحة‭ ‬يقطعون‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬الناس،‭ ‬ولكنهم‭ ‬كانوا‭ ‬أكثر‭ ‬رأفة‭ ‬من‭ ‬شبيحة‭ ‬سوريا‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يبقرون‭ ‬البطون‭. ‬يعني‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الكلام‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الطفولة،‭ ‬لكتبت‭ ‬بضع‭ ‬كلمات‭ ‬مفادها‭ ‬‮«‬شكر‭ ‬الله‭ ‬سعيكم،‭ ‬فليس‭ ‬لدي‭ ‬أدنى‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العودة،‭ ‬أو‭ ‬تذكُّر‭ ‬أي‭ ‬شي‭ ‬يتعلق‭ ‬بها،‭ ‬فاتركوني‭ ‬في‭ ‬حالي‮»‬‭. ‬أما‭ ‬لو‭ ‬تسنى‭ ‬لي‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الشباب‭ ‬‮«‬الأولى‮»‬‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬معدودة‭ (‬بالمناسبة‭ ‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬لماذا‭ ‬افترضت‭ ‬المجلة‭ ‬أنني‭ ‬غادرت‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬رغم‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أبوح‭ ‬بعمري‭ ‬الحقيقي‭ ‬إلا‭ ‬أمام‭ ‬زوجتي،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬عندما‭ ‬أرفض‭ ‬تلبية‭ ‬طلب‭ ‬منها‭ ‬بأداء‭ ‬مهمة‭ ‬ما،‭ ‬أو‭ ‬تعاتبني‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬أدائها‭ ‬على‭ ‬الوجه‭ ‬المطلوب،‭ ‬فأتعلل‭ ‬بـ«عامل‭ ‬السن‮»‬‭). ‬ما‭ ‬علينا‭ ‬هناك‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬كنت‭ ‬سأفعلها‭ ‬لو‭ ‬عدت‭ ‬القهقرى‭ ‬إلى‭ ‬الشباب‭ (‬ما‭ ‬بين‭ ‬ال‭ ‬15وال25‭)‬،‭ ‬وأولها‭ ‬ترك‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة‭ ‬وادعاء‭ ‬القداسة‭! ‬ففي‭ ‬السودان‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬أمامك‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬منصب‭ ‬كامل‭ ‬الدسم‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬منضويا‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬سياسي،‭ ‬ولكن‭ ‬‮«‬الانضواء‮»‬‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لنيل‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬المنصب،‭ ‬فالأحزاب‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬مقاليد‭ ‬الأمور‭ ‬عندنا،‭ ‬يقودها‭ ‬أناس‭ ‬يقال‭ ‬إنهم‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الكرامات‭ ‬والبركات‭ ‬الذين‭ ‬يأتون‭ ‬الخوارق‭ (‬هذا‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬قدراتهم‭ ‬تلك‭ ‬لا‭ ‬تتجلى‭ ‬أبدا‭ ‬عندما‭ ‬يطيح‭ ‬بهم‭ ‬العسكر‭).. ‬وأعرف‭ ‬في‭ ‬دواخل‭ ‬تجاويف‭ ‬قولولني‭ ‬أنني‭ ‬ابن‭ ‬عائلة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬راحت‭ ‬ولا‭ ‬جاءت،‭ ‬ولا‭ ‬تحل‭ ‬ولا‭ ‬تربط‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬‮«‬جنايني‮»‬‭ ‬أو‭ ‬خبير‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النباتات‭ ‬يزرع‭ ‬شجرة‭ ‬عائلة‭ ‬قد‭ ‬تنتهي‭ ‬بشخص‭ ‬مثلي‭ ‬عند‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬مثلا،‭ ‬فيصبح‭ ‬في‭ ‬مقدوري‭ ‬الزعم‭ ‬بأنني‭ ‬من‭ ‬سلالة‭ ‬مباركة‭ ‬وتنفتح‭ ‬أمامي‭ ‬أبواب‭ ‬الوزارات‭ ‬والهيئات‭ ‬شبه‭ ‬المستقلة‭ ‬التي‭ ‬لديها‭ ‬ميزانيات‭ ‬خاصة‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬للمراقبة‭ ‬المحاسبية‭.. ‬وأرجو‭ ‬من‭ ‬القارئ‭ ‬ألا‭ ‬يتشطر‭ ‬ويصيح‭: ‬ولكن‭ ‬ابن‭ ‬خلدون‭ ‬لم‭ ‬يزعم‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬البركات‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬عائلته‭ ‬‮«‬مباركة‮»‬‭! ‬هذا‭ ‬صحيح‭ ‬ولكن‭ ‬المواطن‭ ‬العادي‭ ‬الذي‭ ‬يساق‭ ‬إلى‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ذلك‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬95‭%‬‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬عالمنا‭ ‬الثالث‭ ‬عشر‭ ‬هذا‭ ‬يعتبرون‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬مات‭ ‬قبل‭ ‬500‭ ‬سنة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬‮«‬مثلاً‭ ‬أعلى‮»‬‭!! ‬طيب‭ ‬ولماذا‭ ‬ترك‭ ‬مقعد‭ ‬الدراسة؟‭ ‬بسيطة‭: ‬لأن‭ ‬التعليم‭ ‬يعوق‭ ‬الطموح‭ ‬ويقتله،‭ ‬وكما‭ ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬الخليجي‭ ‬‮«‬من‭ ‬سبق‭ ‬لبق‮»‬‭! ‬ما‭ ‬حاجتك‭ ‬إلى‭ ‬تعليم‭ ‬جامعي‭ ‬وغيرك‭ ‬يترك‭ ‬مقعد‭ ‬الدراسة‭ ‬وهو‭ ‬مسلح‭ ‬بالكاد‭ ‬بشهادة‭ ‬‮«‬نحو‭ ‬الأمية‮»‬،‭ ‬ويصبح‭ ‬بطلا‭ ‬أولمبيا‭ ‬يقفز‭ ‬بالزانة‭ ‬من‭ ‬منصب‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭.‬

ولو‭ ‬لم‭ ‬أنجح‭ ‬في‭ ‬استنبات‭ ‬شجرة‭ ‬عائلة‭ ‬مقنعة‭ ‬تكفل‭ ‬لي‭ ‬المنصب‭ ‬والوجاهة‭ ‬لعملت‭ ‬مطربا‭. ‬صباح‭ ‬الشحرورة‭ ‬ظلت‭ ‬تغني‭ ‬منذ‭ ‬حفل‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬معاهدة‭ ‬سايكس‭ ‬بيكو،‭ ‬وتسافر‭ ‬جوا‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬ويفرشون‭ ‬تحت‭ ‬أقدامها‭ ‬الدولارات،‭ ‬وتزوجت‭ ‬تسع‭ ‬مرات‭. ‬لو‭ ‬دخلتُ‭ ‬ميدان‭ ‬الغناء‭ ‬لربما‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬يهيم‭ ‬اليوم‭ ‬بجعفور‭ ‬الشحرور‭ (‬للضرورات‭ ‬الفنية‭ ‬أحكام،‭ ‬واسم‭ ‬جعفر‭ ‬عباس‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬واجهة‭ ‬مطعم‭ ‬أو‭ ‬دكان‭ ‬حلاقة‭)‬،‭ ‬ولو‭ ‬كنت‭ ‬أتحلى‭ ‬بأي‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬النظر‭ ‬لهاجرت‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭ ‬ثم‭ ‬عدت‭ ‬خبيرا‭ ‬أجنبيا‭ ‬ذا‭ ‬وزن‭ ‬وحيثية‭! ‬تخيل‭ ‬جيفري‭ ‬أباس‭ ‬بلاك‭ ‬أمريكان‭!!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا