زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
فات الأوان
في تقديري فقد أضرَّت وسائل التواصل الإلكتروني بنشر المعرفة والعلم والاستنارة، لأنها تغري روادها بوجبات سريعة وخفيفة، معظمها دون الخمس دقائق، وهكذا انكمش سوق الصحف الورقية، وقبل سنوات أسلمت الروح مجلة المعرفة التي كانت تصدرها وزارة التربية والتعليم السعودية.
طلبت مني هذه المجلة ذات عام أن أسهم في ملف لها بمقال حول العودة الافتراضية إلى فترة الشباب، وأعجبتني الفكرة، لأنني لست بحاجة إلى عودة افتراضية إلى سن الشباب، لأنني «لسه/ بعدني شباب»، ولكن وبصراحة أكثر أعجبت بالموضوع لأنه لا يتعلق بالعودة ولو الافتراضية إلى مرحلة الطفولة، التي لا أذكر عنها سوى الخوف من العقارب والتماسيح في النيل والجن الذين كانوا يتخذون من خرابة قريبة من بيتنا «قيادة قطرية وقومية» ولديهم شبيحة يقطعون الطريق على الناس، ولكنهم كانوا أكثر رأفة من شبيحة سوريا الذين كانوا يبقرون البطون. يعني لو كان الكلام يتعلق بالعودة إلى الطفولة، لكتبت بضع كلمات مفادها «شكر الله سعيكم، فليس لدي أدنى رغبة في تلك العودة، أو تذكُّر أي شي يتعلق بها، فاتركوني في حالي». أما لو تسنى لي العودة إلى مرحلة الشباب «الأولى» أي قبل سنوات معدودة (بالمناسبة لا أفهم لماذا افترضت المجلة أنني غادرت تلك المرحلة، رغم أنني لا أبوح بعمري الحقيقي إلا أمام زوجتي، وبالتحديد عندما أرفض تلبية طلب منها بأداء مهمة ما، أو تعاتبني على عدم أدائها على الوجه المطلوب، فأتعلل بـ«عامل السن»). ما علينا هناك أشياء كثيرة كنت سأفعلها لو عدت القهقرى إلى الشباب (ما بين ال 15وال25)، وأولها ترك مقاعد الدراسة وادعاء القداسة! ففي السودان لا سبيل أمامك للحصول على منصب كامل الدسم ما لم تكن منضويا في تنظيم سياسي، ولكن «الانضواء» وحده لا يكفي لنيل مثل ذلك المنصب، فالأحزاب التي تسيطر على مقاليد الأمور عندنا، يقودها أناس يقال إنهم من ذوي الكرامات والبركات الذين يأتون الخوارق (هذا رغم أن قدراتهم تلك لا تتجلى أبدا عندما يطيح بهم العسكر).. وأعرف في دواخل تجاويف قولولني أنني ابن عائلة «لا راحت ولا جاءت، ولا تحل ولا تربط»، ولكن من السهل الحصول على «جنايني» أو خبير في علم النباتات يزرع شجرة عائلة قد تنتهي بشخص مثلي عند ابن خلدون مثلا، فيصبح في مقدوري الزعم بأنني من سلالة مباركة وتنفتح أمامي أبواب الوزارات والهيئات شبه المستقلة التي لديها ميزانيات خاصة لا تخضع للمراقبة المحاسبية.. وأرجو من القارئ ألا يتشطر ويصيح: ولكن ابن خلدون لم يزعم أنه من أصحاب البركات أو أن عائلته «مباركة»! هذا صحيح ولكن المواطن العادي الذي يساق إلى صناديق الاقتراع لا يعرف ذلك بل إن 95% من أبناء عالمنا الثالث عشر هذا يعتبرون كل من مات قبل 500 سنة أو أكثر «مثلاً أعلى»!! طيب ولماذا ترك مقعد الدراسة؟ بسيطة: لأن التعليم يعوق الطموح ويقتله، وكما يقول المثل الخليجي «من سبق لبق»! ما حاجتك إلى تعليم جامعي وغيرك يترك مقعد الدراسة وهو مسلح بالكاد بشهادة «نحو الأمية»، ويصبح بطلا أولمبيا يقفز بالزانة من منصب إلى آخر.
ولو لم أنجح في استنبات شجرة عائلة مقنعة تكفل لي المنصب والوجاهة لعملت مطربا. صباح الشحرورة ظلت تغني منذ حفل التوقيع على معاهدة سايكس بيكو، وتسافر جوا من بلد إلى آخر ويفرشون تحت أقدامها الدولارات، وتزوجت تسع مرات. لو دخلتُ ميدان الغناء لربما كان البعض يهيم اليوم بجعفور الشحرور (للضرورات الفنية أحكام، واسم جعفر عباس لا يصلح إلا على واجهة مطعم أو دكان حلاقة)، ولو كنت أتحلى بأي قدر من بعد النظر لهاجرت في سن الشباب إلى الغرب ثم عدت خبيرا أجنبيا ذا وزن وحيثية! تخيل جيفري أباس بلاك أمريكان!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك