العدد : ١٧٤١٨ - الأحد ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٩ جمادى الآخر ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤١٨ - الأحد ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٩ جمادى الآخر ١٤٤٧هـ

مقالات

ثورة المعلومات محرك الاقتصاد والقوة.. والاستقطاب المجتمعي

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥ - 02:00

يعدُّ‭ ‬تدفقُ‭ ‬المعلوماتِ‭ ‬ثورةَ‭ ‬العصرِ‭ ‬الحالي،‮ ‬ومن‭ ‬أهمِّ‭ ‬وأخطر‭ ‬سماتِ‭ ‬وثوابتِ‭ ‬المجتمعِ‭ ‬الإنسانيِّ‭ ‬المعاصر،‭ ‬ومن‭ ‬المقولاتِ‭ ‬التي‭ ‬قيلت‭ ‬عن‭ ‬أهميةِ‭ ‬المعلومةِ‭ ‬هو‭ ‬إن‭ ‬‮«‬من‭ ‬يملكُ‭ ‬المعلوماتِ‭ ‬الصحيحةَ‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬مَلَكَ‭ ‬كلَّ‭ ‬عواملِ‭ ‬القوةِ‭ ‬والسيطرة‭....‬‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬نجاحُ‭ ‬المؤسساتِ‭ ‬في‭ ‬المنافسةِ‭ ‬العالميَّة‭ ‬مرتبطا‭ ‬ارتباطا‭ ‬مباشرا‭ ‬بما‭ ‬تملكُه‭ ‬من‭ ‬معلوماتٍ‭ ‬ومن‭ ‬قدراتِ‭ ‬السيطرةِ‭ ‬والتحكم‭ ‬فيها؛‭ ‬وإن‭ ‬المعلوماتِ‭ ‬وشبكاتِها‭ ‬تعدُّ‭ ‬أهمَّ‭ ‬سلاحٍ‭ ‬في‭ ‬الحروبِ‭ ‬الاقتصاديَّة،‭ ‬وحتى‭ ‬السياسيَّة،‭ ‬وهي‭ ‬محددٌ‭ ‬لموازين‭ ‬القوى‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬والأقطاب‭ ‬العالميَّة‭ ‬في‭ ‬عصرِنا‭ ‬الراهن‭.‬

‮«‬من‭ ‬يملكُ‭ ‬المعلومات‭ ‬يملك‭ ‬العالم‮»‬‭ ‬هي‭ ‬العبارةُ‭ ‬الأقربُ‭ ‬إلى‭ ‬روحِ‭ ‬عصر‭ ‬ثورة‭ ‬المعلومات‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه‭... ‬عبارة،‭ ‬لا‭ ‬أب‭ ‬لها،‭ ‬ولكنها‭ ‬تترددُ‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬سياقاتٍ‭ ‬مختلفة،‭ ‬خاصةً‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬بينما‭ ‬ينسبها‭ ‬كثيرون‭ ‬إلى‭ ‬والتر‭ ‬روتشيلد‭ (‬من‭ ‬عائلة‭ ‬روتشيلد‭ ‬المصرفيَّة‭ ‬المعروفة‭)‬،‭ ‬دون‭ ‬دليلٍ‭ ‬موثوق‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬بمجرد‭ ‬ارتباط‭ ‬اسم‭ ‬العائلة‭ ‬بقصة‭ ‬معروفة‭ ‬حول‭ ‬استخدام‭ ‬هذا‭ ‬المصرفي‭ ‬خبر‭ ‬انتصار‭ ‬بريطانيا‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬واترلو‭ (‬1815م‭) ‬قبل‭ ‬بثه‭ ‬رسميًّا،‭ ‬لجني‭ ‬ثروة‭ ‬طائلة،‭ ‬وقد‭ ‬وصله‭ ‬الخبر‭ ‬عبر‭ ‬شبكة‭ ‬معلومات‭ ‬ماليَّة‭ ‬وسياسيَّة‭ ‬دوليَّة‭ ‬بدأت‭ ‬العائلة‭ ‬ببنائها‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬معلوماتُ‭ ‬الأسواق‭ ‬والأحداث‭ ‬السياسية‭ ‬تمنحهم‭ ‬الأسبقيةَ‭ ‬في‭ ‬اتخاذِ‭ ‬القراراتِ‭ ‬المالية‭... ‬

وينسبُ‭ ‬البعضُ‭ ‬الجذورَ‭ ‬الفكريَّة‭ ‬لعبارة‭ ‬‮«‬من‭ ‬يملك‭ ‬المعلومة‭ ‬يملك‭ ‬العالم‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الفيلسوفِ‭ ‬ورجل‭ ‬الدولة‭ ‬الإنجليزي‭ ‬فرانسيس‭ ‬بيكون‭ (‬1561‭ ‬‭ ‬1626‭)‬،‭ ‬المعروف‭ ‬بمقولته‭ ‬الشهيرة‭ ‬‮«‬المعرفة‭ ‬قوة‮»‬،‭ ‬لارتباطها‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭ ‬بتعريف‭ ‬قوة‭ ‬المعلومات‭ ‬كسلعةٍ‭ ‬استراتيجيَّة‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬التقليدي‭.‬

في‭ ‬الجانبِ‭ ‬العملي‭ ‬يمكنُ‭ ‬إيجازُ‭ ‬بحثٍ‭ ‬طويل‭ ‬حول‭ ‬تاريخِ‭ ‬استخدام‭ ‬المعلومة‭ ‬كقوة‭ ‬وسلاح،‭ ‬بما‭ ‬ظهر‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬استراتيجيات‭ ‬عسكريَّة‭ ‬وسياسيَّة‭ ‬قديمة،‭ ‬عبر‭ ‬العبارةِ‭ ‬الشهيرة‮ «‬اعرف‭ ‬عدوك‭ ‬واعرف‭ ‬نفسك،‭ ‬تنتصر‭ ‬في‭ ‬مائة‭ ‬معركة‮»‬‭ ‬للمفكر‭ ‬والفيلسوف‭ ‬الصيني‭ ‬صن‭ ‬تزو في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ (‬فن‭ ‬الحرب‭- ‬500‭ ‬ق‭.‬م‭).‬

أما‭ ‬في‭ ‬العصرِ‭ ‬الحديث‭ ‬فقد‭ ‬أعاد‭ ‬الملياردير روبرت‭ ‬مردوخ‮ ‬صياغةَ‭ ‬تلك‭ ‬العبارة‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬المعلوماتُ‭ ‬هي‭ ‬السلعةُ‭ ‬الأكثر‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬العالم‮»‬‭.‬

ما‭ ‬يهمُّ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العباراتِ‭ ‬إنها‭ ‬تعبِّر‭ ‬عن‮ ‬فلسفة‭ ‬استراتيجية أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬اقتباسًا‭ ‬أدبيًّا‭ ‬دقيقًا‭... ‬وتعبر‭ ‬عن‭ ‬تحويلِ‭ ‬المعلومات‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬ٍمالية‭ ‬وسياسية،‭ ‬وهي‭ ‬نفسُ‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬تُدار‭ ‬بها‭ ‬منصات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والجيوش‭ ‬السيبرانية‭ ‬اليوم‭.‬

تعدُّ‮ ‬ثورةُ‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحالي‭ ‬نموذجًا‭ ‬للتحول‭ ‬الأهم‭ ‬والأسرع‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تعد‭ ‬مجردَ‭ ‬تطور‭ ‬تقني،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‮ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬الحياة،‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬السلطة،‭ ‬وطريقة‭ ‬إدراكنا‭ ‬للذات‭ ‬والعالم‭... ‬هي‭ ‬انتقال‭ ‬سريع‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬الصناعة‭ ‬إلى‭ ‬عالم ما‭ ‬بعد‭ ‬الصناعة،‭ ‬بل‭ ‬عصر‭ ‬ثورة‭ ‬المعلومات،‭ ‬حيث البيانات‭ ‬والمعلومات‭ ‬والمعرفة هي‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬للاقتصاد‭ ‬والقوة،‭ ‬محل‭ ‬الآلات‭ ‬والمواد‭ ‬الخام‭.‬

يعدُّ‭ ‬الإنترنتُ‭ ‬وشبكاتُ‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أركان‭ ‬عصر‭ ‬المعلومات‭ ‬الراهن،‭ ‬الذي‭ ‬حوّل‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬قرية‭ ‬رقمية‮»‬‭ ‬حقيقية،‭ ‬حيث‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬أي‭ ‬نقطتين‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬بات‭ ‬ممكناً‭ ‬وفوريا‭ ‬وسهلاً‭... ‬أما‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬والأجهزة‭ ‬المحمولة‭ ‬فقد‮ ‬جعلت‭ ‬الوصولَ‭ ‬إلى‭ ‬المعلوماتِ‭ ‬والمعرفة‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬اليد‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬سكان‭ ‬الكوكب‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭... ‬وأعادت‭ ‬وسائلُ‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬صياغة‭ ‬مختلفة‭ ‬لمفهوم‭ ‬‮«‬الرأي‭ ‬العام‮»‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حوّلت‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬إلى‭ ‬منصّة‭ ‬إعلامية‭ ‬مستقلة‭... ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬توجهات‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬واضطراراً‭ ‬لاتباع‭ ‬وسائل‭ ‬وأدوات‭ ‬خوارزمية‭ ‬تمثل‭ ‬عالما‭ ‬جديدا‭ ‬من‭ ‬القمع‭ ‬وانتهاكا‭ ‬لحرية‭ ‬التعبير،‭ ‬وأكثر‭ ‬بعداً‭ ‬عن‭ ‬مبادئ‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬حضور‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬السيطرة‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬سلاح‭ ‬المعلومات‭.‬

وأخيراً‭ ‬وليس‭ ‬آخراً،‭ ‬جاء‭ ‬الذكاءُ‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بما‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬بيانات‭ ‬ضخمة‭ ( (‬Big‭ ‬Data‭ ‬وما‭ ‬يملكه‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬وتحليل‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬لاستخلاص‭ ‬أنماط‭ ‬وتوقعات‭ ‬وحلول‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬جاء‭ ‬ليعمل‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬عالم‭ ‬جديد‭ ‬لم‭ ‬تتحدد‭ ‬أطره‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

فيا‭ ‬ترى‭ ‬ما‭ ‬التأثيراتُ‭ ‬الإيجابيَّة‭ ‬والتأثيرات‭ ‬السلبية‭ ‬لهذا‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬تتدافعُ‭ ‬فيه‭ ‬الأممُ‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومة،‭ ‬وجمع‭ ‬وتحليل‭ ‬البيانات،‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬خلّاق‭ ‬تارة،‭ ‬ولما‭ ‬هو‭ ‬مدمّر‭ ‬وعقيم‭ ‬تارات‭ ‬أخرى‭.‬

لربما‭ ‬يمكننا‭ ‬إيجاز‭ ‬التأثيراتِ‭ ‬الإيجابيَّة‭ ‬في‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المجالات‭ ‬الحياتية،‭ ‬التي‭ ‬يأتي‭ ‬الاقتصادُ‭ ‬على‭ ‬رأسها،‭ ‬حيث‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬وأطر‭ ‬الأعمال،‭ ‬ومن‭ ‬مساحة‭ ‬تمكين‭ ‬الشركات‭ ‬الناشئة‭ ‬والصغيرة‭ ‬والمنافسة‭ ‬عالمياً‭.‬

في‭ ‬مجال‭ ‬المعرفة‭ ‬والتعليم،‭ ‬يعدُّ‭ ‬التعلمُ‭ ‬الذاتي‭ ‬كخيار‭ ‬متاح‭ ‬للجميع‭ ‬أمرًا‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الأهمية،‭ ‬كما‭ ‬يعدُّ‭ ‬الوصولُ‭ ‬إلى‭ ‬أفضل‭ ‬المحاضرات‭ ‬والكتب‭ ‬والأبحاث‭ ‬مجاناً‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬محددة‭ ‬يمثلُ‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬دمقرطة‭ ‬المعرفة،‭ ‬رغم‭ ‬المتطلبات‭ ‬المادية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬عبئا‭ ‬عند‭ ‬فرض‭ ‬الرسوم‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومة‭. ‬

وهناك‭ ‬كثير‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطب‭ ‬والصحة‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬اكتشافات‭ ‬الأدوية‭ ‬وتطور‭ ‬القدرات‭ ‬التشخيصية‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬والعلاجات‭ ‬وتدخل‭ ‬الروبوتات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الجراحة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة‭ ‬المختلفة‭. ‬

أما‭ ‬التحديات‭ ‬والجوانب‭ ‬المظلمة‭ ‬التي‭ ‬تعدُّ‭ ‬ثمن‭ ‬ثورة‭ ‬المعلومات‭ ‬فربما‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬الأقل‭ ‬وطئاً،‭ ‬مما‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬المستخدم‭ ‬العادي‭ ‬أن‭ ‬يفطنه‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكله‭ ‬حركة‭ ‬وسرعة‭ ‬وفيض‭ ‬تدفق‭ ‬المعلومات‭ ‬على‭ ‬المديات‭ ‬المتوسطة‭ ‬والطويلة‭. ‬

فمن‭ ‬جانب‭ ‬هناك‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تمييز‭ ‬المهم‭ ‬من‭ ‬التافه‭ ‬بينها‭... ‬وهناك‭ ‬زخمٌ‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الأخبار‭ ‬المزيفة‭ ‬والمضللة‭ ‬الممنهجة‭ ‬في‭ ‬التوزيع‭ ‬والنشر،‭ ‬تتفاعل‭ ‬معها‭ ‬سهولة‭ ‬نشر‭ ‬الشائعات‭ ‬بهدف‭ ‬التلاعب‭ ‬بالعقول‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭.‬

أما‭ ‬قدرات‭ ‬الخوارزميات‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬معتقدات‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭ ‬فيعد‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬الأمم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن،‭ ‬لما‭ ‬تعمل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬خلق‭ ‬الفتن‭ ‬وتقسيم‭ ‬المجتمعات‭ ‬وصعوبة‭ ‬في‭ ‬الحوار‭.‬

في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬فإن‭ ‬عالم‭ ‬المعلومات‭ ‬وشبكات‭ ‬التواصل‭ ‬والاتصال‭ ‬يشكل‭ ‬سوقا‭ ‬مهددا‭ ‬لخصوصية‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الفرد‭ ‬فيه‭ ‬سلعة‭ ‬رقمية،‭ ‬تتتبع‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬كل‭ ‬تحركاته‭ ‬واهتماماته‭ ‬وتبيع‭ ‬بياناته‭ ‬لأطراف‭ ‬أخرى‭.‬

أما‭ ‬الاستقطابات‭ ‬المجتمعية‭ ‬حول‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬تعزز‭ ‬الصراعات‭ ‬وخطابات‭ ‬التطرف‭ ‬وتزيد‭ ‬من‭ ‬معدلات‭ ‬الانقسامات‭ ‬ورفض‭ ‬الآخر،‭ ‬فإنها‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬أدوات‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الحوار‭ ‬الوسطي‭ ‬والتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬والتنوع‭ ‬المجتمعي‭.‬

هناك‭ ‬التهديد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬بإحلال‭ ‬الأتمتة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‮ ‬محل‭ ‬الوظائف‭ ‬التقليدية‭ ‬بمعدل‭ ‬مرعب،‭ ‬فإنه‭ ‬بدأ‭ ‬بخلق‭ ‬أزمة‭ ‬هوية‭ ‬وبطالة‭ ‬هيكلية‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تداركه‭ ‬بعد‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬السنوات،‭ ‬عندما‭ ‬تبدأ‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬قائمة‭ ‬الأعمار‭ ‬المناسبة‭ ‬للعمل‭... ‬مما‭ ‬يشكل‭ ‬تهديداً‭ ‬بخلق‭ ‬طبقة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الثائرين‭ ‬على‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬الفقيرة‭ ‬والمتدنية‭ ‬التعليم‭ ‬والفاقدة‭ ‬للهوية‭.‬

إن‭ ‬ثورةَ‭ ‬المعلومات‭ ‬هي‮ ‬سيفٌ‭ ‬ذو‭ ‬حدين؛‭ ‬فمن‭ ‬ناحية،‭ ‬هي‮ ‬أقوى‭ ‬أداة‭ ‬للتحرر في‭ ‬التاريخ،‭ ‬تمنح‭ ‬الفرد‭ ‬العادي‭ ‬قوة‭ ‬المعرفة‭ ‬والتواصل‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬النخب؛‭ ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬هي‮ ‬أقوى‭ ‬أداة‭ ‬للسيطرة في‭ ‬التاريخ،‭ ‬تمنح‭ ‬الأنظمة‭ ‬والشركات‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التتبع‭ ‬والتأثير‭ ‬والتوجيه‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لها‭ ‬مثيل‭.‬

وإن‭ ‬المستقبلَ‭ ‬يعتمدُ‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬إدارتنا‭ ‬لهذه‭ ‬الثورة،‭ ‬هل‭ ‬سنستخدمها‭ ‬لبناء‭ ‬مجتمعات‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬وعدلاً‭ ‬وذكاءً؟‭ ‬أم‭ ‬ستقودنا‭ ‬إلى‭ ‬عصور‭ ‬مظلمة‭ ‬رقمياً‭ ‬من‭ ‬الاستبداد‭ ‬والجهل‭ ‬المُصطنع‭ ‬والانقسام؟‭ ‬

الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬ليست‭ ‬تقنية،‭ ‬بل أخلاقية‭ ‬وسياسية‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬إذ‭ ‬المعركة‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬على روح‭ ‬هذه‭ ‬الثورة،‭ ‬‮«‬فمن‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬المعلومات،‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬المستقبل‮»‬‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا