زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
علام العجلة؟
حدثتكم بالأمس عن الطائرة الأمريكية «إكس 43 إيه» التي تقطع الألف كيلومتر خلال بضع ثوان، ونبقى اليوم في عالم الطيران، وأبدأ بمشاعري طوال ست سنوات قضاها أكبر أولادي في جامعة نيوزيلندية، فقد كنت ألوم نفسي على أنني أرسلته إلى «ضواحي» الدنيا، وقد اعترفت مرارا بأنني غير مقتنع تماما بحكاية أن الأرض كروية.. لا، وكمان بـ«تلِف وتدور» ونحن صامدون ومتوازنون، أي لا نسقط في هاوية بلا قرار لأننا مثبتون بغراء glue اسمه الجاذبية، وكان أكثر ما يشقيني عندما يكون ولدي ذاك مسافرا إلينا في قطر أو عائدا إلى نيوزيلندا، أنه يكون في حالة طيران مجملها الصافي 21 ساعة تتخللها وقفة في سنغافورة أو هونج كونج أو كوالالمبور لنحو 9 ساعات، وكان لطيران الإمارات رحلة مباشرة من دبي إلى سيدني بأستراليا تستغرق 16 ساعة، يكون بعدها على بعد أقل من ساعتين من نيوزيلندا، ولكنه كان أعقل من يظل معلقا في الهواء كل تلك المدة، وكان يفضل أن يطلع وينزل في المطارات إلى أن يصل إلى وجهته، وقبل فترة قصيرة تنبهت إلى أن حياتي صارت لهاثا متواصلا: هناك عمل يجب إنجازه في غضون ست ساعات، وثلاث مقالات يجب كتابتها قبل يوم غد، ولدي موعد مع الطبيب بعد نصف ساعة سأؤجله للمرة الرابعة لأنني مشغول (ولا شك أن المرض سيقدر ظروفي ويحل عني) والشاهد هو أن حياتي صارت محسوبة بالدقيقة والثانية، مما جعلني في حالة توتر دائم، أجري جري الوحوش وحتى رزقي لا أحوش (استغفر الله، فابن آدم مفتري وكلما تحسنت أوضاعه المادية ازداد هلعا وجزعا ونهما وطمعا) وقررت من ثم أن أجعل إيقاع حياتي أكثر بطئاً، ولو ألبسني ذلك تهمة الكسل التي فبركها الخليجيون على بني وطني، العمل يبدا في السابعة وقد حرصت على الدوام على أن أكون في موقع العمل في نحو السادسة والنصف، ولكن لا بأس بشيء من التسيب، لن أغادر البيت قبل السابعة.. بلاش السابعة.. خليها إجازة عارضة.
للخطوط الجوية السنغافورية رحلة جوية مباشرة من سنغافورة إلى نيويورك تستغرق 19 ساعة. يعني 1140 دقيقة، وهي مدة يولد خلالها نحو مليون شخص ويموت مئات الآلاف، واقرأوا تفاصيل تلك الرحلة: يفقد كل مسافر خلالها أكثر من 11 مليون خلية من جلده!! ما جدوى الوصول إلى نيويورك وأنت فعليا «عريان» بعد ان تفقد جلدك الذي ركبت به الطائرة من سنغافورة؟ وخلال الرحلة يفرز المسافرون 500 ملليلتر من الروائح المختلفة (وصاحب العقل يميز)، و150 لترا من سوائل العرق، و... الطامة الكبرى أنهم ينتجون 144 لترا من غازات البطن، وكل تلك البلاوي تظل محبوسة داخل الطائرة بمعنى أن كل مسافر يلتقط خلايا جلود الآخرين ويستنشق الغازات والرائح آنفة الذكر، وقد يحس المسافر بالملل ويضع سماعة على أذنيه لمتابعة برنامج تلفزيوني أو مادة صوتية مسجلة، في هذه الحالة تتضاعف كمية الجراثيم في أذنه 3500 مرة!! هل ستضحكون على أبي الجعافر مرة أخرى لأنه يعترف بأنه يخاف ركوب الطائرات حتى من المنامة إلى الدوحة؟ كلنا نعرف أن في العجلة الندامة فلماذا يلهث بنو البشر لتحقيق كل شيء على عجل، حتى صار أكل وجبة كاملة لا يستغرق أكثر من ثلاث دقائق؟!
قبل سنوات قال لي طبيب آسيوي شاطر: «باك (ظهر) مال انت واجد خراب.. في اتنين فقرة كلش كشرة، لازم يرمي في درام، وسوي فقرات جديد». وتفاديا لكل ما يؤدي الى تهشيم فقرات ظهري الكشرة، وصرت لا أرفع شيئا يزيد وزنه على ثلاثة كيلوغرامات.. ولكن ما يقصم ظهري المكعكع هذا هو أنني «شايل» هموم الأمة التي أنتمي إليها.. اللهم ألهمني الصبر الجميل.. «أشوف يوم» في الذين قصموا ظهري وأقلقوني في الصحو والمنام: من فاروق الفيشاوي رحمه الله، إلى الذين لا أستطيع ذكر أسمائهم لأنني جبان وصاحب عيال.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك