العدد : ١٧٤١٨ - الأحد ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٩ جمادى الآخر ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤١٨ - الأحد ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٩ جمادى الآخر ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

علام العجلة؟

حدثتكم‭ ‬بالأمس‭ ‬عن‭ ‬الطائرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬‮«‬إكس‭ ‬43‭ ‬إيه‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تقطع‭ ‬الألف‭ ‬كيلومتر‭ ‬خلال‭ ‬بضع‭ ‬ثوان،‭ ‬ونبقى‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الطيران،‭ ‬وأبدأ‭ ‬بمشاعري‭ ‬طوال‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭ ‬قضاها‭ ‬أكبر‭ ‬أولادي‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬نيوزيلندية،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬ألوم‭ ‬نفسي‭ ‬على‭ ‬أنني‭ ‬أرسلته‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ضواحي‮»‬‭ ‬الدنيا،‭ ‬وقد‭ ‬اعترفت‭ ‬مرارا‭ ‬بأنني‭ ‬غير‭ ‬مقتنع‭ ‬تماما‭ ‬بحكاية‭ ‬أن‭ ‬الأرض‭ ‬كروية‭.. ‬لا،‭ ‬وكمان‭ ‬بـ«تلِف‭ ‬وتدور‮»‬‭ ‬ونحن‭ ‬صامدون‭ ‬ومتوازنون،‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬نسقط‭ ‬في‭ ‬هاوية‭ ‬بلا‭ ‬قرار‭ ‬لأننا‭ ‬مثبتون‭ ‬بغراء‭ ‬glue‭ ‬اسمه‭ ‬الجاذبية،‭ ‬وكان‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يشقيني‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬ولدي‭ ‬ذاك‭ ‬مسافرا‭ ‬إلينا‭ ‬في‭ ‬قطر‭ ‬أو‭ ‬عائدا‭ ‬إلى‭ ‬نيوزيلندا،‭ ‬أنه‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬طيران‭ ‬مجملها‭ ‬الصافي‭ ‬21‭ ‬ساعة‭ ‬تتخللها‭ ‬وقفة‭ ‬في‭ ‬سنغافورة‭ ‬أو‭ ‬هونج‭ ‬كونج‭ ‬أو‭ ‬كوالالمبور‭ ‬لنحو‭ ‬9‭ ‬ساعات،‭ ‬وكان‭ ‬لطيران‭ ‬الإمارات‭ ‬رحلة‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬دبي‭ ‬إلى‭ ‬سيدني‭ ‬بأستراليا‭ ‬تستغرق‭ ‬16‭ ‬ساعة،‭ ‬يكون‭ ‬بعدها‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ساعتين‭ ‬من‭ ‬نيوزيلندا،‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬أعقل‭ ‬من‭ ‬يظل‭ ‬معلقا‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬المدة،‭ ‬وكان‭ ‬يفضل‭ ‬أن‭ ‬يطلع‭ ‬وينزل‭ ‬في‭ ‬المطارات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬وجهته،‭ ‬وقبل‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬تنبهت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حياتي‭ ‬صارت‭ ‬لهاثا‭ ‬متواصلا‭: ‬هناك‭ ‬عمل‭ ‬يجب‭ ‬إنجازه‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬ست‭ ‬ساعات،‭ ‬وثلاث‭ ‬مقالات‭ ‬يجب‭ ‬كتابتها‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬غد،‭ ‬ولدي‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬الطبيب‭ ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬سأؤجله‭ ‬للمرة‭ ‬الرابعة‭ ‬لأنني‭ ‬مشغول‭ (‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬المرض‭ ‬سيقدر‭ ‬ظروفي‭ ‬ويحل‭ ‬عني‭) ‬والشاهد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬حياتي‭ ‬صارت‭ ‬محسوبة‭ ‬بالدقيقة‭ ‬والثانية،‭ ‬مما‭ ‬جعلني‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬توتر‭ ‬دائم،‭ ‬أجري‭ ‬جري‭ ‬الوحوش‭ ‬وحتى‭ ‬رزقي‭ ‬لا‭ ‬أحوش‭ (‬استغفر‭ ‬الله،‭ ‬فابن‭ ‬آدم‭ ‬مفتري‭ ‬وكلما‭ ‬تحسنت‭ ‬أوضاعه‭ ‬المادية‭ ‬ازداد‭ ‬هلعا‭ ‬وجزعا‭ ‬ونهما‭ ‬وطمعا‭)  ‬وقررت‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬أن‭ ‬أجعل‭ ‬إيقاع‭ ‬حياتي‭ ‬أكثر‭ ‬بطئاً،‭ ‬ولو‭ ‬ألبسني‭ ‬ذلك‭ ‬تهمة‭ ‬الكسل‭ ‬التي‭ ‬فبركها‭ ‬الخليجيون‭ ‬على‭ ‬بني‭ ‬وطني،‭ ‬العمل‭ ‬يبدا‭ ‬في‭ ‬السابعة‭ ‬وقد‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬السادسة‭ ‬والنصف،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التسيب،‭ ‬لن‭ ‬أغادر‭ ‬البيت‭ ‬قبل‭ ‬السابعة‭.. ‬بلاش‭ ‬السابعة‭.. ‬خليها‭ ‬إجازة‭ ‬عارضة‭.‬

للخطوط‭ ‬الجوية‭ ‬السنغافورية‭ ‬رحلة‭ ‬جوية‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬سنغافورة‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭ ‬تستغرق‭ ‬19‭ ‬ساعة‭. ‬يعني‭ ‬1140‭ ‬دقيقة،‭ ‬وهي‭ ‬مدة‭ ‬يولد‭ ‬خلالها‭ ‬نحو‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬ويموت‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف،‭ ‬واقرأوا‭ ‬تفاصيل‭ ‬تلك‭ ‬الرحلة‭: ‬يفقد‭ ‬كل‭ ‬مسافر‭ ‬خلالها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬11‭ ‬مليون‭ ‬خلية‭ ‬من‭ ‬جلده‭!! ‬ما‭ ‬جدوى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭ ‬وأنت‭ ‬فعليا‭ ‬‮«‬عريان‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬تفقد‭ ‬جلدك‭ ‬الذي‭ ‬ركبت‭ ‬به‭ ‬الطائرة‭ ‬من‭ ‬سنغافورة؟‭ ‬وخلال‭ ‬الرحلة‭ ‬يفرز‭ ‬المسافرون‭ ‬500‭ ‬ملليلتر‭ ‬من‭ ‬الروائح‭ ‬المختلفة‭ (‬وصاحب‭ ‬العقل‭ ‬يميز‭)‬،‭ ‬و150‭ ‬لترا‭ ‬من‭ ‬سوائل‭ ‬العرق،‭ ‬و‭... ‬الطامة‭ ‬الكبرى‭ ‬أنهم‭ ‬ينتجون‭ ‬144‭ ‬لترا‭ ‬من‭ ‬غازات‭ ‬البطن،‭ ‬وكل‭ ‬تلك‭ ‬البلاوي‭ ‬تظل‭ ‬محبوسة‭ ‬داخل‭ ‬الطائرة‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مسافر‭ ‬يلتقط‭ ‬خلايا‭ ‬جلود‭ ‬الآخرين‭ ‬ويستنشق‭ ‬الغازات‭ ‬والرائح‭ ‬آنفة‭ ‬الذكر،‭ ‬وقد‭ ‬يحس‭ ‬المسافر‭ ‬بالملل‭ ‬ويضع‭ ‬سماعة‭ ‬على‭ ‬أذنيه‭ ‬لمتابعة‭ ‬برنامج‭ ‬تلفزيوني‭ ‬أو‭ ‬مادة‭ ‬صوتية‭ ‬مسجلة،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تتضاعف‭ ‬كمية‭ ‬الجراثيم‭ ‬في‭ ‬أذنه‭ ‬3500‭ ‬مرة‭!! ‬هل‭ ‬ستضحكون‭ ‬على‭ ‬أبي‭ ‬الجعافر‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬لأنه‭ ‬يعترف‭ ‬بأنه‭ ‬يخاف‭ ‬ركوب‭ ‬الطائرات‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬المنامة‭ ‬إلى‭ ‬الدوحة؟‭ ‬كلنا‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬العجلة‭ ‬الندامة‭ ‬فلماذا‭ ‬يلهث‭ ‬بنو‭ ‬البشر‭ ‬لتحقيق‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬عجل،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬أكل‭ ‬وجبة‭ ‬كاملة‭ ‬لا‭ ‬يستغرق‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬دقائق؟‭!‬

قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬طبيب‭ ‬آسيوي‭ ‬شاطر‭: ‬‮«‬باك‭ (‬ظهر‭) ‬مال‭ ‬انت‭ ‬واجد‭ ‬خراب‭.. ‬في‭ ‬اتنين‭ ‬فقرة‭ ‬كلش‭ ‬كشرة،‭ ‬لازم‭ ‬يرمي‭ ‬في‭ ‬درام،‭ ‬وسوي‭ ‬فقرات‭ ‬جديد‮»‬‭. ‬وتفاديا‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬تهشيم‭ ‬فقرات‭ ‬ظهري‭ ‬الكشرة،‭ ‬وصرت‭ ‬لا‭ ‬أرفع‭ ‬شيئا‭ ‬يزيد‭ ‬وزنه‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬كيلوغرامات‭.. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يقصم‭ ‬ظهري‭ ‬المكعكع‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬‮«‬شايل‮»‬‭ ‬هموم‭ ‬الأمة‭ ‬التي‭ ‬أنتمي‭ ‬إليها‭.. ‬اللهم‭ ‬ألهمني‭ ‬الصبر‭ ‬الجميل‭.. ‬‮«‬أشوف‭ ‬يوم‮»‬‭ ‬في‭ ‬الذين‭ ‬قصموا‭ ‬ظهري‭ ‬وأقلقوني‭ ‬في‭ ‬الصحو‭ ‬والمنام‭: ‬من‭ ‬فاروق‭ ‬الفيشاوي‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬إلى‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬ذكر‭ ‬أسمائهم‭ ‬لأنني‭ ‬جبان‭ ‬وصاحب‭ ‬عيال‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا