العدد : ١٧٥٣٢ - الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٢ - الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

هل تحل روسيا محل الاتحاد السـوفـيتـي؟

بقلم: د. نبيل العسومي

الجمعة ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٥ - 02:00

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يحمله‭ ‬عنوان‭ ‬المقال‭ ‬يرتبط‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬كعرب‭ ‬بالمقارنة‭ ‬بين‭ ‬موقف‭ ‬اتحاد‭ ‬الجمهوريات‭ ‬الاشتراكية‭ ‬السوفيتية‭ ‬الداعم‭ ‬للقضايا‭ ‬العربية‭ ‬وخاصة‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وموقف‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬الحالي‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬روسيا‭ ‬تستعيد‭ ‬مكانتها‭ ‬الدولية‭ ‬وقوتها‭ ‬العسكرية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬وأصبحت‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬مواز‭ ‬للتأثير‭ ‬الأمريكي‭ ‬والصيني‭ ‬والأوروبي‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الانشغال‭ ‬الروسي‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬دول‭ ‬الناتو‭ ‬والتي‭ ‬حالت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬روسيا‭ ‬الدور‭ ‬المنتظر‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬القضايا‭ ‬العربية‭ ‬بوجه‭ ‬خاص‭.‬

بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬التسعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬خسر‭ ‬العرب‭ ‬خسارة‭ ‬كبيرة‭ ‬بفقدان‭ ‬الداعم‭ ‬الرئيسي‭ ‬لقضاياهم‭ ‬فكانت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬واحتلاله‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬وكان‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الأضرار‭ ‬التي‭ ‬أصابت‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬ناجمة‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منها‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الغياب‭.‬

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ ‬أعلاه‭ ‬فإنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭ ‬تشكل‭ ‬بديلا‭ ‬كاملا‭ ‬عن‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬الغرب‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يعاملها‭ ‬وكأنها‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬بل‭ ‬وكأنها‭ ‬شيوعية‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬أصبحت‭ ‬تأخذ‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الحر‭ ‬مع‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الرقابة‭ ‬الحكومية‭ ‬ضمن‭ ‬السياسة‭ ‬العامة‭ ‬للدولة‭ ‬وأولوياتها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭. ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬هي‭ ‬الوريث‭ ‬القانوني‭ ‬للاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬فعند‭ ‬تفككه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬أصبحت‭ ‬الدول‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬دولا‭ ‬مستقلة‭ ‬بينما‭ ‬ورث‭ ‬روسيا‭ ‬مقعد‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬والتزمت‭ ‬بحمل‭ ‬ديونه‭ ‬الخارجية‭ ‬بينما‭ ‬شكلت‭ ‬روسيا‭ ‬والجمهوريات‭ ‬السوفيتية‭ ‬السابقة‭ ‬منظمات‭ ‬إقليمية،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬روسيا‭ ‬الجديدة‭ ‬تختلف‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬والتوجه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمواقف‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬وخاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالرفض‭ ‬الأحادية‭ ‬القطبية‭ ‬التي‭ ‬تمثلها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ومجموعة‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتجارة‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬فرض‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬لقواعد‭ ‬جديدة‭ ‬لتسيير‭ ‬العالم‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬مقدراته‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بل‭ ‬والتحكم‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬اللجان‭ ‬الدولية‭ ‬وقد‭ ‬رأينا‭ ‬مؤخرا‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬حربه‭ ‬التجارية‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التحكم‭ ‬والتلاعب‭ ‬بالرسوم‭ ‬الجمركية‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬شكلت‭ ‬روسيا‭ ‬الحالية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه‭ ‬قوة‭ ‬جديدة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬قوة‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬واستطاعت‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬1991‭ ‬وحتى‭ ‬2025‭ ‬البروز‭ ‬كقوة‭ ‬دولية‭ ‬كبيرة‭ ‬ذات‭ ‬وزن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتجاهلها‭ ‬أحد‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬المساحة‭ ‬الجغرافية‭ ‬أو‭ ‬الدور‭ ‬السياسي‭ ‬المحوري‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والمواد‭ ‬الغذائية‭ ‬وخصوصا‭ ‬خلال‭ ‬25‭ ‬سنة‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬الرئيس‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬والتي‭ ‬برز‭ ‬فيها‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬والقيادي‭ ‬للرئيس‭ ‬الروسي‭.‬

وما‭ ‬يهمنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬هو‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تضطلع‭ ‬به‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬حاليا‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬العالمي‭ ‬والعربي‭ ‬فعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الأول‭ ‬استطاعت‭ ‬روسيا‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تعزيز‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الصاعدة‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬والبرازيل‭ ‬وجنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬والهند‭ ‬وغيرها‭ ‬والتي‭ ‬انتهت‭ ‬بتشكيل‭ ‬مجموعة‭ ‬دولية‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منظمة‭ ‬بريكس‭ ‬الصاعدة‭ ‬والتي‭ ‬أصبحت‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬محوريا‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬توازي‭ ‬قوة‭ ‬التحالف‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأوروبي‭ ‬وسيكون‭ ‬لهذه‭ ‬المنظمة‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬وراء‭ ‬بروزها‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التغول‭ ‬الأمريكي‭ ‬الغربي‭ ‬في‭ ‬السياسية‭ ‬الدولية‭.‬

ثانيا‭: ‬أعادت‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬مجددا‭ ‬السياسات‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أيام‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬بدعم‭ ‬قضايا‭ ‬التحرر‭ ‬وسيادة‭ ‬الدول‭ ‬واحترام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬حيث‭ ‬تقف‭ ‬روسيا‭ ‬دائما‭ ‬مع‭ ‬الحق‭ ‬والعدالة‭ ‬والسيادة‭ ‬وكرامة‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭.‬

على‭ ‬الصعيد‭ ‬العربي‭ ‬فإن‭ ‬روسيا‭ ‬تتمتع‭ ‬حاليا‭ ‬بعلاقات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬قوية‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬هنالك‭ ‬أي‭ ‬مخاوف‭ ‬مثل‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬والتي‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬الدور‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬للاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬فروسيا‭ ‬الجديدة‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬التعاون‭ ‬وتبادل‭ ‬المصالح‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬خصوصا‭ ‬الفاعلة‭ ‬وذات‭ ‬الثقل‭ ‬الكبير‭ ‬مثل‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬وجمهورية‭ ‬مصر‭ ‬العربية‭ ‬ومعهم‭ ‬الجزائر‭ ‬ودولة‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬تنسيق‭ ‬السياسات‭ ‬البترولية‭ ‬مع‭ ‬منظمة‭ ‬الأوبك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬سعر‭ ‬عادل‭ ‬للنفط‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬مثالا‭ ‬نموذجيا‭ ‬للتعاون‭ ‬يجني‭ ‬ثماره‭ ‬الجميع‭.‬

إن‭ ‬العلاقات‭ ‬العربية‭ ‬الروسية‭ ‬لها‭ ‬آفاق‭ ‬عديدة‭ ‬ومفتوحة‭ ‬أمام‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬الدول‭ ‬غير‭ ‬المنحازة‭ ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬علاقات‭ ‬متوازنة‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬والصين‭ ‬الشعبية‭ ‬فهل‭ ‬ستشهد‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬انفتاحا‭ ‬وتطورا‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التفاوضية‭ ‬مع‭ ‬الغرب؟‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا