السؤال الذي يحمله عنوان المقال يرتبط بالنسبة إلينا كعرب بالمقارنة بين موقف اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية الداعم للقضايا العربية وخاصة القضية الفلسطينية وموقف روسيا الاتحادية الحالي من نفس هذه القضايا خاصة في هذه المرحلة التي بدأت روسيا تستعيد مكانتها الدولية وقوتها العسكرية والدبلوماسية وأصبحت ذات تأثير مواز للتأثير الأمريكي والصيني والأوروبي في عديد من المجالات بالرغم من الانشغال الروسي منذ أكثر من ثلاث سنوات في العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا في مواجهة دول الناتو والتي حالت إلى حد الآن في أن تلعب روسيا الدور المنتظر منها في دعم القضايا العربية بوجه خاص.
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي خسر العرب خسارة كبيرة بفقدان الداعم الرئيسي لقضاياهم فكانت الحرب على العراق واحتلاله في عام 2003 وكان عديد من الأضرار التي أصابت البلاد العربية ناجمة في جانب منها عن هذا الغياب.
وبالعودة إلى السؤال أعلاه فإنه يمكن أن نقول إن روسيا من حيث المبدأ تشكل بديلا كاملا عن الاتحاد السوفيتي وإن كان الغرب ما زال يعاملها وكأنها هي نفسها الاتحاد السوفيتي بل وكأنها شيوعية بالرغم من أن روسيا الاتحادية أصبحت تأخذ بالاقتصاد الحر مع نوع من الرقابة الحكومية ضمن السياسة العامة للدولة وأولوياتها في كل مرحلة. وفي الحقيقة أن روسيا هي الوريث القانوني للاتحاد السوفيتي فعند تفككه في عام 1991 أصبحت الدول المكونة من الاتحاد السوفيتي دولا مستقلة بينما ورث روسيا مقعد الاتحاد السوفيتي في مجلس الأمن والتزمت بحمل ديونه الخارجية بينما شكلت روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة منظمات إقليمية، ولذلك فإن روسيا الجديدة تختلف إلى حد بعيد عن الاتحاد السوفيتي من حيث النظام السياسي والتوجه الاقتصادي والمواقف في السياسة الدولية وخاصة فيما يتعلق بالرفض الأحادية القطبية التي تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة دول الاتحاد الأوروبي للسيطرة على العالم إلى درجة أن القانون الدولي والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتجارة وحقوق الإنسان وغيرها من الأمور لم تعد لها أي قيمة في مقابل فرض الدول الغربية لقواعد جديدة لتسيير العالم والتحكم في مقدراته الاقتصادية بل والتحكم حتى في اللجان الدولية وقد رأينا مؤخرا ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سياق حربه التجارية على العالم من خلال التحكم والتلاعب بالرسوم الجمركية.
لقد شكلت روسيا الحالية إضافة إلى ما أشرنا إليه قوة جديدة لا تقل أهمية عن قوة الاتحاد السوفيتي واستطاعت خلال الفترة الممتدة من 1991 وحتى 2025 البروز كقوة دولية كبيرة ذات وزن لا يمكن أن يتجاهلها أحد سواء على صعيد المساحة الجغرافية أو الدور السياسي المحوري أو على صعيد الاقتصاد العالمي وخاصة في مجال النفط والغاز والمواد الغذائية وخصوصا خلال 25 سنة الماضية من حكم الرئيس فلاديمير بوتين والتي برز فيها الدور المحوري والقيادي للرئيس الروسي.
وما يهمنا في هذا السياق هو الدور الذي تضطلع به روسيا الاتحادية حاليا على الصعيدين العالمي والعربي فعلى الصعيد الأول استطاعت روسيا إعادة صياغة علاقاتها مع الدول الكبرى من خلال تعزيز العلاقة مع القوى الصاعدة مثل الصين والبرازيل وجنوب إفريقيا والهند وغيرها والتي انتهت بتشكيل مجموعة دولية جديدة من خلال منظمة بريكس الصاعدة والتي أصبحت تلعب دورا محوريا في السياسة الدولية توازي قوة التحالف الأمريكي الأوروبي وسيكون لهذه المنظمة والتي كانت وراء بروزها بالدرجة الأولى روسيا والصين دور في الحد من التغول الأمريكي الغربي في السياسية الدولية.
ثانيا: أعادت روسيا الاتحادية مجددا السياسات الخارجية التي كانت أيام الاتحاد السوفيتي بدعم قضايا التحرر وسيادة الدول واحترام القانون الدولي حيث تقف روسيا دائما مع الحق والعدالة والسيادة وكرامة شعوب العالم.
على الصعيد العربي فإن روسيا تتمتع حاليا بعلاقات دبلوماسية قوية مع الدول العربية ولم تعد هنالك أي مخاوف مثل التي كانت في السابق والتي تمثلت في الدور الأيديولوجي للاتحاد السوفيتي فروسيا الجديدة لا تبحث إلا عن التعاون وتبادل المصالح بينها وبين الدول العربية خصوصا الفاعلة وذات الثقل الكبير مثل المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ومعهم الجزائر ودولة الإمارات العربية المتحدة ويمكن أن نشير هنا إلى تنسيق السياسات البترولية مع منظمة الأوبك من أجل سعر عادل للنفط وقد كانت هذه التجربة مثالا نموذجيا للتعاون يجني ثماره الجميع.
إن العلاقات العربية الروسية لها آفاق عديدة ومفتوحة أمام الدول العربية التي كانت ولا تزال إلى اليوم تريد أن تكون في موقف الدول غير المنحازة وهذا يتطلب أن تكون لها علاقات متوازنة خاصة مع الدول الكبرى وفي مقدمتها روسيا الاتحادية والصين الشعبية فهل ستشهد هذه العلاقات انفتاحا وتطورا يعزز من قوة الدول العربية التفاوضية مع الغرب؟.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك