زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
قريبي صنو عبدالصمد
أوردت قبل أيام قليلة، في ثنايا مقال عن حال التعليم عندنا حكاية الإماراتي عبد الصمد الذي جلس لامتحان الشهادة الثانوية 16 مرة، ولم ينلها بسبب اللغة الإنجليزية، بينما في الأردن التي وصفها متحضر عربي يقيم في السويد خلال حوار تلفزيوني بأنها صحراء يقطنها بدو (وكأن البداوة مذمة). حدث في عام 2010 أن فكر والد أحد الطلاب القوميين العرب الرافضين لهيمنة اللغة الانجليزية في طريقة علمية لمساعدة ابنه على تخطي حاجز تلك اللغة وهداه التفكير إلى الاستفادة من منصبه المرموق في التلفزيون فبعث بفريق من المصورين إلى مدرسة ابنه بزعم رصد وقائع معركة الامتحانات، وبالطبع كان ذلك قبل موعد انطلاق ورقة اللغة الملعونة تلك، وقام المصور بتصويب الكاميرا إلى الورقة التي كانت فوق طاولات الامتحان ثم زووم وشفطت الكاميرا الأسئلة الموجودة في الصفحة الأولى وقال المصور للمخرج: mission accomplished أي أن المهمة انتهت واكتملت وقاموا بعملية للخلف در ولكن إدارة المدرسة قامت ايضا بعملية زووم على الفريق التلفزيوني، وسحبت الشريط الملغوم وأوقعت الجماعة في ورطة بتسليمهم للشرطة.
ظلت مصر تمارس التمييز الإيجابي بحق الطلاب السودانيين لأكثر من ثلاثة قرون، وكان للسودان رواق بالأزهر قبل أي دولة عربية أخرى، وكان الطلاب السودانيون في الأزهر وجامعة القاهرة يعاملون معاملة المصريين، وجميع الجامعيين السودانيين الذين أسسوا الحركة المناوئة للاستعمار درسوا في الجامعات المصرية ببلاش، وبلغ التمييز مداه عندما أصبح لمصر بعثة تعليمية ضخمة في السودان تدير عددا من المدارس في وقت حرص فيه الاستعمار الإنجليزي على منح التعليم للسودانيين بالقطارة. وحركة الإخوان المسلمين السودانية نشأت في الجامعات المصرية، بل إن الحزب الشيوعي السوداني كانت نواته حركة «حدتو» أي «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني» في مصر، ثم أنشأ الماركسيون السودانيون حركة «حستو» فأصبح حرف السين يرمز إلى السودان، وليت التمييز وقف عند ذلك الحد.. ففي الخمسينيات فتحت جامعة القاهرة فرعا ضخما في السودان تخرج فيه حتى الآن أكثر من مليون زول، وقبل بضع سنوات اتخذت حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير قرارا عجيبا يقضي بمصادرة تلك الجامعة رغم أنها لم تكن تدرس الفكر المباركي (نسبة الى الرئيس المصري السابق حسني مبارك). أو تخرج جواسيس عملاء، الغريب في الأمر أن هذه الجامعة كانت تدرس الفكر القومي أي الناصري كمادة إلزامية لنحو عقدين من دون أن تفكر حكومات السودان السابقة في إغلاقها.
لعن الله السياسة وابليس، ما لي انا وكل ذلك وقد كنت أرمي إلى مواساة عبد الصمد بأن احكي له حكاية قريبي الذي التحق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم منذ اليوم الاول لافتتاحها في الخمسينيات، وتعرض عبدالناصر لمحاولة اغتيال ثم أمم قناة السويس وفشل العدوان الثلاثي على مصر وقريبي يدرس، ثم خسر العرب حرب عام 1967 ومات عبدالناصر كمدا عام 1970، وهو «طالب»، وجاء أنور السادات واغتاله خالد الإسلامبولي وصاحبنا صامد، وقف محامي الاسلامبولي في المحكمة محاولا إيجاد ثغرة تبرئه من التهمة فرفع الاسلامبولي يده وصاح وهو يمسك بقضبان قفص الاتهام: سيدي القاضي، أنا قاتل فرعون، فقال الأبنودي في ذلك: القبضة قابضة على الحديد لَ يفِر (كي لا يفر) .. القاضي يستغبي والمتهم يبصر.. شمس الحقيقة تحر.. والمتهم صامد.. كل القضاة زايلين.. والمتهم «خالد».. حدث كل ذلك وقريبي صامد في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وذات يوم التقى أحدهم بمدرس مصري في الكلية التي أصبح قريبي عميدها بالتقادم (كما هناك عميد للدبلوماسيين الأجانب في كل بلد بالأقدمية).. وسأله إن كان يعرفه فأجاب: حد ما يعرفش قريبك دوت.. ده احنا منتظرين سيادته يخلص علشان نقفل الجامعة ونروح! شفت شلون يا عبدالصمد؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك