زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
عن عشق الإنترنت والدندرمة
شكا الشاعر «الجاهلي» لبيد من طول عمره، ثم استدرك بعد اعتناق الإسلام:
الحَمدُ لِلَّهِ إِذ لَم يَأتِني أَجَلي / حَتّى لَبِستُ مِنَ الإِسلامِ سِربالا
وبدوري أحمد الله أن مدّ في أيامي وشهدت عصر الإنترنت، الذي هو أهم نتاج للفكر والعقل البشري منذ اختراع الآيسكريم والزلابية (اللقيمات)، ويجب ان أوضح هنا انني لا أتحدث عن الدندرمة المنسوبة زورا وبهتانا الى الآيسكريم، فالدندرمة تزعم أنها آيسكريم، مع أنها تحتوي على عناصر غير موجودة في الآيسكريم وأهمها طفيليات الدوسنتاريا والبواسير والتهاب الكبد والروماتيزم، مما يحصن من يلحسها ضد هذه الأمراض، وبالتالي فإن الدندرمة تندرج في قائمة الأدوية الوقائية، المهم طول عمري وانا ضعيف أمام الزلابية والايسكريم، وربما يفسر حبي الشديد لهما طول بقائي في منطقة الخليج حيث تتوفر انواع عديدة من الايسكريم ومن بينها ذاك الذي بنكهة الكريم كراميل، اما الزلابية فهناك الدو نط dough nut الى جانب اللقيمات التقليدية التي هانت حتى كثر آكلوها، ولعل من الأسباب التي تحملني على التمسك بزوجتي الحالية وعدم الاقتران بنبيلة عبيد هو انها أي زوجتي تجيد صنع الزلابية المقرمشة، في حين ان بنت عبيد لا تعرف حتى صنع فنجان شاي.
المهم: الانترنت شيء بديع وخطير وبما أنني أعتزم ترشيح نفسي للانتخابات الرئاسية في السودان، إذا ما صار بلدا ديمقراطيا، فسيتضمن برنامجي الانتخابي توفيره للجميع بسعر التكلفة، أي ان تدعم الحكومة هذه الخدمة الاستراتيجية بوصفها الاداة الكفيلة بإلحاقنا بالقرن التاسع عشر لننطلق منه الى القرن العشرين، وحتى في المناطق التي لا توجد بها كهرباء سأتولى توفير الانترنت فيها بالفحم او الديزل او البخار، وبالطبع فان هناك من يقيمون مأتما وعويلا كلما طرح العلم جديدا يجعل الحياة والتعامل بين الأحياء اكثر يسرا: الإنترنت خطر على الاخلاق والقيم. أخلاق يهددها الانترنت لا معنى للدفاع عنها، ومن يدمر الإنترنت قيمه الأخلاقية «ما يلزمناش»، وأتذكر جيدا العويل الذي صاحب ظهور الهاتف الجوال، وكيف تكاثر من كانوا يحذرون من ان بعض البنات شوهدن وهن يستخدمن الموبايل (يا للهول).. تلك فئة لا تحسن الظن بالنساء وتحسب ان المرأة كائن نزق لا يستطيع الصمود امام أي إغراء او غواية، وبمنطق هؤلاء فان كل شيء يمكن ان يكون خطرا على القيم والمثل والأخلاق: السيارة خطرة لأن البعض يستخدمها للمعاكسات، والقلم خطر لأن هناك من يستخدمه لكتابة الرسائل الغزلية، والأكل المغذي خطر لأنه ينشط الرغبة الجنسية، والتعليم خطر لأنه يؤدي الى دراسة الجهاز التناسلي مما يؤدي الى الإباحية، والانترنت بالتأكيد فيه مواقع كثيرة يقشعر لها البدن من فرط إباحيتها وتفاهتها، ولكن الشبكة العنكبوتية بها بحر متلاطم من المعارف والعلوم يستطيع شخص مثلي كل علاقته بالعلوم الطبيعية هي انه يعرف ان الماء يسمى «اتش تو أو» H2O وكنت قبل عصر الانترنت اعتقد ان تلك الأحرف اختصار لاسم «حسنين H2 عثمان O »، وأكثر ما يعجبني في الانترنت انه أعفاني من الحرج الذي كان يلازمني كلما سألني احد عيالي سؤالا في العلوم او الرياضيات، وكنت في أحيان كثيرة اغلق باب الحمام على نفسي لأحل مسألة رياضية او أجد إجابة عن سؤال عويص يتعلق مثلا برفض الأقطاب المغناطيسية المتشابهة الوفاق والمصالحة، اما الان فان أي سؤال يقابل برد جاهز: انا مش فاضي. افتح الانترنت. ومن فرط إعجابي بالإنترنت فإنني أصبحت معجبا بالأمريكيين، ونادما على تلك السنوات التي كان الشيوعيون الملاعين يستدرجوننا فيها للهتاف بسقوط أمريكا كلما مررنا بشارع الجمهورية بالخرطوم، حيث مبنى سفارتهم القديمة: داون داون يونس ايه، (مسكين يونس الذي كنا نهتف بسقوطه بدلا من يوس US)، وقد نجح الشيوعيون في جعل الهتاف بسقوط أمريكا فرض عين في كل مظاهرة سياسية بالدرجة التي خرجت فيها مظاهرة في الخرطوم في السبعينيات، بإيعاز من الامريكان، ضد الوجود السوفييتي في افغانستان ومر المتظاهرون امام السفارة الامريكية وهتفوا: داون داون يو اس ايه!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك