يُعد ديك تشيني أحد أكثر الشخصيات السياسية الأمريكية إثارةً للجدل في التاريخ الحديث، ليس فقط لدوره كنائبٍ قويٍ للرئيس جورج بوش الابن، بل لما تركه من إرث ثقيل ارتبط بالحروب والتدخلات العسكرية والانتهاكات الحقوقية التي غيّرت وجه السياسة الدولية. ومن خلال مزيجٍ من النفوذ غير المسبوق داخل البيت الأبيض والرؤية المتشددة للأمن القومي، أصبح تشيني رمزًا للسياسات التي أعادت صياغة النظام العالمي على نحوٍ دمويّ ومضطرب لا تزال تداعياته مستمرة حتى اليوم.
نعتت وسائل الإعلام الغربية ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي الأسبق، الذي توفي عن عمر ناهز 84 عامًا في 3 نوفمبر 2025، واصفة إياه بأنه «الأكثر نفوذًا وتأثيرًا» بين من شغلوا هذا المنصب، وشخصية «مليئة بالجدل والانقسام». وانتقدت الكاتبة بيلين فرنانديز في شبكة «الجزيرة» محاولات الإعلام الأمريكي «تجميل» صورة «مجرم حرب» مكروه يفتقر إلى الشعبية داخل الولايات المتحدة وخارجها، حتى في أوساط كبار صناع القرار في واشنطن.
وسخر ديفيد بليفينس، مراسل شبكة «سكاي نيوز» في الولايات المتحدة، من المفارقة التي يمثلها تشيني باعتباره الرجل الثاني في واشنطن، متسائلًا كيف يمكن «للقوة أن تحمي أمة، لكنها في الوقت ذاته تهدد مبادئها»، مشيرًا إلى أن سجل تشيني الحافل بالعنف والدمار امتد أثره إلى أنحاء مختلفة من العالم، وخاصة في الشرق الأوسط. وأقر بن ويدمان من شبكة «سي إن إن» بأن «الحرب على الإرهاب» التي قادها تشيني ضمن إدارة جورج بوش الابن «فتحت بابًا للفوضى وعدم الاستقرار الإقليمي» لا يزال مفتوحًا رغم مرور أكثر من عقدين.
وفي خضم هذا الإرث الكارثي، يبرز الغزو الأمريكي للعراق الذي وصفته مجلة «الإيكونوميست» بأنه «أكبر فشل في السياسة الخارجية منذ جيل كامل»، إذ كان تشيني أحد أبرز من روّجوا له مستندًا إلى معلومات استخباراتية مضللة زعمت امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل.
كما أن سجل تشيني الملطخ بالدماء – والذي أشار جوليان بورجر من صحيفة «الجارديان» إلى أنه لم يبدِ أي ندم عليه – تضمن دعم واشنطن لانتهاك القانون الدولي في قضايا حقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب والمراقبة والتوسع في صلاحيات السلطة التنفيذية. واعتبر ماكس بوت، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية وكاتب العمود في «واشنطن بوست»، أن تشيني أصبح «المهندس غير المقصود» للأدوات التي استخدمها دونالد ترامب لاحقًا لقلب موازين التجارة العالمية والاتفاقيات الدولية، وقمع المعارضة فيما يتعلق بجرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.
وإلى جانب كونه، كما وصفه بوت وآخرون، «المهندس الرئيسي» لـ«الحرب الأمريكية على الإرهاب» بعد عام 2001، كتب بن ويدمان أن الإرث «الأطول والأكثر ظلمة» لتشيني تمثل في إصراره القوي على إطاحة الجيش الأمريكي بصدام حسين عام 2003، الأمر الذي أدى إلى سلسلة من الكوارث أبرزها «صعود تنظيم داعش» و«انعدام الاستقرار الدائم في الشرق الأوسط».
وتأكد لاحقًا أن نائب الرئيس الأمريكي تعمد تضليل الرأي العام من خلال تحريف المعلومات الاستخباراتية المحدودة حول قدرات النظام العراقي التسليحية، حيث أوضح ماكس بوت أن تشيني «ضخم التهديدات المفترضة للأمن القومي الأمريكي» عبر «تفسير المعلومات المتناقضة والضعيفة بأقصى درجات الذعر». وأوضح بول ر. بيلار، ضابط الاستخبارات الأمريكية السابق لشؤون الشرق الأوسط وزميل معهد كوينسي للحكم الرشيد، أن تشيني «ضغط مرارًا» على وكالات الاستخبارات الأمريكية «للعثور على أي أدلة يمكن أن توحي بوجود علاقة بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة».
وسلط بروس ريدل، الزميل غير المقيم في مركز سياسة الشرق الأوسط بمؤسسة بروكينجز، الضوء على «هوس» إدارة بوش بالإطاحة بصدام حسين. وأشارت بيلين فرنانديز إلى أن «سياسة إثارة الخوف» التي انتهجها تشيني لم تتسبب فقط في الموت والدمار بالعراق والمنطقة، بل مهدت أيضًا الطريق لتحقيق مكاسب مالية ضخمة، من بينها عقود بقيمة 7 مليارات دولار حصلت عليها شركة «هاليبرتون» النفطية بعد الغزو، وهي الشركة التي كان تشيني قد شغل منصب رئيسها التنفيذي بين عامي 1995 و2000.
يُعد سجلّ ديك تشيني الدولي أبرز مثال على أسوأ أشكال التدخل الأمريكي في الخارج. ففي عام 2024، أوضح زياد موتالا، أستاذ القانون في جامعة هوارد، أن سياسات تشيني «تسببت في معاناة إنسانية هائلة على نطاق عالمي»، مشيرًا إلى أن مشروع «تكلفة الحرب» بجامعة براون قدّر أن الصراعات والحروب التي بدأها أو فاقمها البيت الأبيض في عهد بوش أودت بحياة ما لا يقل عن 900 ألف شخص، وتسببت بخسائر تجاوزت 8 تريليونات دولار للاقتصادين الأمريكي والعالمي.
من أبرز الإرث المدمر لسياسات تشيني الخارجية التفافه على القانون الدولي والأعراف المتعلقة بدعم حقوق الإنسان الأساسية. فعلى الصعيد الداخلي، سنت إدارة بوش تشريعات وسّعت صلاحيات السلطة التنفيذية الأمريكية في مجال المراقبة، بينما تبنّى الجيش الأمريكي وأجهزته الاستخباراتية، وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية، ممارسات تعذيب مثل الإيهام بالغرق والحرمان من النوم تحت مسمى «الاستجواب المعزز»، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف لعام 1949 التي أكدت ضرورة معاملة أسرى الحرب «بإنسانية».
تشمل أبرز الأمثلة على هذه الانتهاكات ما حدث من تعذيب وإذلال في سجن أبو غريب بالعراق، وفي معتقل غوانتانامو. وعلى الرغم من تأكيد بورجر أنه «لا يوجد دليل» على أن استخدام هذه الأساليب منع أي هجمات أخرى ضد الولايات المتحدة أو حلفائها، فإن تشيني لم يُبدِ أي ندم على انتهاكات القانون الدولي التي ارتكبها المسؤولون والجنود الأمريكيون تحت إشرافه، بل صرّح في عام 2008 بأن ما حدث كان «معاملة معينة لأشخاص يعتبرون أعداء معلنين»، وأكد في عام 2014 أنه «سيفعل ذلك مرة أخرى دون تردد». ومن غير المستغرب أن هذا الانعدام الصارخ في الحس الأخلاقي مهّد الطريق لخلفاء تشيني لتقليد إساءاته في استخدام السلطة ورفضه للمعايير الدولية.
أوضحت ألكا برادهان، الأستاذة المساعدة في جامعة بنسلفانيا والمستشارة القانونية السابقة لمعتقلي غوانتانامو، أن «كل رئيس لاحق» بنى على إرث تشيني للوصول إلى «اللحظة الراهنة في تاريخ الولايات المتحدة«. ويبدو هذا الإرث جليًا في حالة دونالد ترامب، الذي وصفه تشيني نفسه عام 2022 بأنه «أعظم تهديد لجمهوريتنا» في تاريخ الولايات المتحدة.
اعتبر بوت هذا التصريح «مثيرًا للسخرية»، لأن السياسات التي روّج لها تشيني خلال عمله في البيت الأبيض «مهّدت الطريق ليس فقط لصعود ترامب»، بل أيضًا لممارسة سلطة تنفيذية غير مسبوقة. وفي الواقع، أشار بورجر إلى أن إدارة ترامب استنسخت «شعار مكافحة الإرهاب» الذي استخدمته إدارة بوش «لتبرير قمع المعارضة، بل واستخدام القوة داخل الأراضي الأمريكية»، بما في ذلك ضد النشطاء المؤيدين للفلسطينيين الذين تم ترحيل بعضهم عمدًا بسبب إدانتهم العلنية للإبادة الجماعية الإسرائيلية بحق سكان غزة ودور واشنطن في دعمها.
نتيجة لهذه السياسات، أصبح إرث تشيني شخصيًا عنوانًا لعدم الشعبية الشديدة في مختلف أنحاء العالم، كما لاحظ بليفينس، الذي أشار إلى أن تشيني غادر البيت الأبيض عام 2009 بمعدلات تأييد متدنية تاريخيًا بسبب إساءة استخدامه للسلطة التنفيذية خلال ولايتين، وغزوه غير القانوني للعراق، وما ترتب عليه من حرب زعزعت استقرار الشرق الأوسط على نحو لا تزال آثاره الكارثية مستمرة حتى اليوم، فضلًا عن تجاهله المتعمد للقانون الدولي المتعلق بحقوق الإنسان، ما جعل عشرات الآلاف حول العالم ضحايا للتعذيب والاحتجاز غير القانوني.
بينما وصف ترامب سلفه في مثل هذه السياسات، تشيني، بأنه «ملك الحروب التي لا نهاية لها ولا جدوى منها»، فقد خلص ويدمان إلى أن ديك تشيني يُعد واحدًا من العديد من صناع القرار المدنيين والعسكريين الأمريكيين المسؤولين عن غزو العراق وما تبعه من انحدار الشرق الأوسط إلى حالة من عدم الاستقرار، وعلى نطاق أوسع هو «مجرد حلقة في سلسلة طويلة من القادة الأمريكيين» الذين «تلاعبوا بتهور بالأمنين العالمي والدولي». إلا أن ترامب، على عكس غيره من أعضاء الإدارات السابقة والحالية في البيت الأبيض، كان أكثر من تأثر شخصيًا بآثار الدمار الشامل والموت والإصابات والمعاناة التي نتجت عن تلك السياسات.
إن رحيل ديك تشيني لا يطوي صفحة شخص بقدر ما يعيد فتح ملف حقبةٍ شكلت منعطفًا حادًا في التاريخ الأمريكي والعالمي. فإرثه المليء بالحروب والتجاوزات القانونية والإنسانية لا يزال حاضرًا في السياسات الدولية الراهنة، وفي الأزمات التي امتدت جذورها منذ بداية القرن الحادي والعشرين. وبينما يحاول البعض تبرير أفعاله باعتبارها جزءًا من «حماية الأمن القومي الأمريكي»، يراها آخرون عنوانًا دائمًا لتناقض القوة الأمريكية بين الدفاع عن القيم الديمقراطية وانتهاكها في آنٍ واحد.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك