العدد : ١٧٥٣٢ - الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٢ - الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تشيني: مهندس السياسات المظلمة التي زعزعت استقرار الشرق الأوسط

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الأربعاء ١٢ نوفمبر ٢٠٢٥ - 02:00

يُعد‭ ‬ديك‭ ‬تشيني‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الشخصيات‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية‭ ‬إثارةً‭ ‬للجدل‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لدوره‭ ‬كنائبٍ‭ ‬قويٍ‭ ‬للرئيس‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن،‭ ‬بل‭ ‬لما‭ ‬تركه‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬ثقيل‭ ‬ارتبط‭ ‬بالحروب‭ ‬والتدخلات‭ ‬العسكرية‭ ‬والانتهاكات‭ ‬الحقوقية‭ ‬التي‭ ‬غيّرت‭ ‬وجه‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬مزيجٍ‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬داخل‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬والرؤية‭ ‬المتشددة‭ ‬للأمن‭ ‬القومي،‭ ‬أصبح‭ ‬تشيني‭ ‬رمزًا‭ ‬للسياسات‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬صياغة‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬دمويّ‭ ‬ومضطرب‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تداعياته‭ ‬مستمرة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

نعتت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربية‭ ‬ديك‭ ‬تشيني،‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق،‭ ‬الذي‭ ‬توفي‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬ناهز‭ ‬84‭ ‬عامًا‭ ‬في‭ ‬3‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025،‭ ‬واصفة‭ ‬إياه‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬الأكثر‭ ‬نفوذًا‭ ‬وتأثيرًا‮»‬‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬شغلوا‭ ‬هذا‭ ‬المنصب،‭ ‬وشخصية‭ ‬‮«‬مليئة‭ ‬بالجدل‭ ‬والانقسام‮»‬‭. ‬وانتقدت‭ ‬الكاتبة‭ ‬بيلين‭ ‬فرنانديز‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬‮«‬الجزيرة‮»‬‭ ‬محاولات‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬تجميل‮»‬‭ ‬صورة‭ ‬‮«‬مجرم‭ ‬حرب‮»‬‭ ‬مكروه‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الشعبية‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وخارجها،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬كبار‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭.‬

وسخر‭ ‬ديفيد‭ ‬بليفينس،‭ ‬مراسل‭ ‬شبكة‭ ‬‮«‬سكاي‭ ‬نيوز‮»‬‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬من‭ ‬المفارقة‭ ‬التي‭ ‬يمثلها‭ ‬تشيني‭ ‬باعتباره‭ ‬الرجل‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬متسائلًا‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬‮«‬للقوة‭ ‬أن‭ ‬تحمي‭ ‬أمة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تهدد‭ ‬مبادئها‮»‬،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سجل‭ ‬تشيني‭ ‬الحافل‭ ‬بالعنف‭ ‬والدمار‭ ‬امتد‭ ‬أثره‭ ‬إلى‭ ‬أنحاء‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬وأقر‭ ‬بن‭ ‬ويدمان‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬‮«‬سي‭ ‬إن‭ ‬إن‮»‬‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الإرهاب‮»‬‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬تشيني‭ ‬ضمن‭ ‬إدارة‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن‭ ‬‮«‬فتحت‭ ‬بابًا‭ ‬للفوضى‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مفتوحًا‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭.‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬الكارثي،‭ ‬يبرز‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬للعراق‭ ‬الذي‭ ‬وصفته‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الإيكونوميست‮»‬‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬أكبر‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬منذ‭ ‬جيل‭ ‬كامل‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬تشيني‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬من‭ ‬روّجوا‭ ‬له‭ ‬مستندًا‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬استخباراتية‭ ‬مضللة‭ ‬زعمت‭ ‬امتلاك‭ ‬نظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬أسلحة‭ ‬دمار‭ ‬شامل‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬سجل‭ ‬تشيني‭ ‬الملطخ‭ ‬بالدماء‭ ‬‭ ‬والذي‭ ‬أشار‭ ‬جوليان‭ ‬بورجر‭ ‬من‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الجارديان‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يبدِ‭ ‬أي‭ ‬ندم‭ ‬عليه‭ ‬‭ ‬تضمن‭ ‬دعم‭ ‬واشنطن‭ ‬لانتهاك‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التعذيب‭ ‬والمراقبة‭ ‬والتوسع‭ ‬في‭ ‬صلاحيات‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭. ‬واعتبر‭ ‬ماكس‭ ‬بوت،‭ ‬الزميل‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬وكاتب‭ ‬العمود‭ ‬في‭ ‬‮«‬واشنطن‭ ‬بوست‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬تشيني‭ ‬أصبح‭ ‬‮«‬المهندس‭ ‬غير‭ ‬المقصود‮»‬‭ ‬للأدوات‭ ‬التي‭ ‬استخدمها‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬لاحقًا‭ ‬لقلب‭ ‬موازين‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬الدولية،‭ ‬وقمع‭ ‬المعارضة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بجرائم‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬كونه،‭ ‬كما‭ ‬وصفه‭ ‬بوت‭ ‬وآخرون،‭ ‬‮«‬المهندس‭ ‬الرئيسي‮»‬‭ ‬لـ«الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬الإرهاب‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬كتب‭ ‬بن‭ ‬ويدمان‭ ‬أن‭ ‬الإرث‭ ‬‮«‬الأطول‭ ‬والأكثر‭ ‬ظلمة‮»‬‭ ‬لتشيني‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬إصراره‭ ‬القوي‭ ‬على‭ ‬إطاحة‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬بصدام‭ ‬حسين‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الكوارث‭ ‬أبرزها‭ ‬‮«‬صعود‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‮»‬‭ ‬و«انعدام‭ ‬الاستقرار‭ ‬الدائم‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭.‬

وتأكد‭ ‬لاحقًا‭ ‬أن‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬تعمد‭ ‬تضليل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحريف‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬المحدودة‭ ‬حول‭ ‬قدرات‭ ‬النظام‭ ‬العراقي‭ ‬التسليحية،‭ ‬حيث‭ ‬أوضح‭ ‬ماكس‭ ‬بوت‭ ‬أن‭ ‬تشيني‭ ‬‮«‬ضخم‭ ‬التهديدات‭ ‬المفترضة‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬تفسير‭ ‬المعلومات‭ ‬المتناقضة‭ ‬والضعيفة‭ ‬بأقصى‭ ‬درجات‭ ‬الذعر‮»‬‭. ‬وأوضح‭ ‬بول‭ ‬ر‭. ‬بيلار،‭ ‬ضابط‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابق‭ ‬لشؤون‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وزميل‭ ‬معهد‭ ‬كوينسي‭ ‬للحكم‭ ‬الرشيد،‭ ‬أن‭ ‬تشيني‭ ‬‮«‬ضغط‭ ‬مرارًا‮»‬‭ ‬على‭ ‬وكالات‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬‮«‬للعثور‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬أدلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬توحي‭ ‬بوجود‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬النظام‭ ‬العراقي‭ ‬وتنظيم‭ ‬القاعدة‮»‬‭.‬

وسلط‭ ‬بروس‭ ‬ريدل،‭ ‬الزميل‭ ‬غير‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬سياسة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بمؤسسة‭ ‬بروكينجز،‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬‮«‬هوس‮»‬‭ ‬إدارة‭ ‬بوش‭ ‬بالإطاحة‭ ‬بصدام‭ ‬حسين‭. ‬وأشارت‭ ‬بيلين‭ ‬فرنانديز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬سياسة‭ ‬إثارة‭ ‬الخوف‮»‬‭ ‬التي‭ ‬انتهجها‭ ‬تشيني‭ ‬لم‭ ‬تتسبب‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الموت‭ ‬والدمار‭ ‬بالعراق‭ ‬والمنطقة،‭ ‬بل‭ ‬مهدت‭ ‬أيضًا‭ ‬الطريق‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬عقود‭ ‬بقيمة‭ ‬7‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬حصلت‭ ‬عليها‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬هاليبرتون‮»‬‭ ‬النفطية‭ ‬بعد‭ ‬الغزو،‭ ‬وهي‭ ‬الشركة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬تشيني‭ ‬قد‭ ‬شغل‭ ‬منصب‭ ‬رئيسها‭ ‬التنفيذي‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1995‭ ‬و2000‭.‬

يُعد‭ ‬سجلّ‭ ‬ديك‭ ‬تشيني‭ ‬الدولي‭ ‬أبرز‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬أسوأ‭ ‬أشكال‭ ‬التدخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الخارج‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬أوضح‭ ‬زياد‭ ‬موتالا،‭ ‬أستاذ‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬هوارد،‭ ‬أن‭ ‬سياسات‭ ‬تشيني‭ ‬‮«‬تسببت‭ ‬في‭ ‬معاناة‭ ‬إنسانية‭ ‬هائلة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬عالمي‮»‬،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬تكلفة‭ ‬الحرب‮»‬‭ ‬بجامعة‭ ‬براون‭ ‬قدّر‭ ‬أن‭ ‬الصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬التي‭ ‬بدأها‭ ‬أو‭ ‬فاقمها‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬بوش‭ ‬أودت‭ ‬بحياة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬900‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬وتسببت‭ ‬بخسائر‭ ‬تجاوزت‭ ‬8‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار‭ ‬للاقتصادين‭ ‬الأمريكي‭ ‬والعالمي‭.‬

من‭ ‬أبرز‭ ‬الإرث‭ ‬المدمر‭ ‬لسياسات‭ ‬تشيني‭ ‬الخارجية‭ ‬التفافه‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والأعراف‭ ‬المتعلقة‭ ‬بدعم‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬الأساسية‭. ‬فعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الداخلي،‭ ‬سنت‭ ‬إدارة‭ ‬بوش‭ ‬تشريعات‭ ‬وسّعت‭ ‬صلاحيات‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المراقبة،‭ ‬بينما‭ ‬تبنّى‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬وأجهزته‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬وكالة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬المركزية،‭ ‬ممارسات‭ ‬تعذيب‭ ‬مثل‭ ‬الإيهام‭ ‬بالغرق‭ ‬والحرمان‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬‮«‬الاستجواب‭ ‬المعزز‮»‬،‭ ‬في‭ ‬انتهاك‭ ‬صارخ‭ ‬لاتفاقيات‭ ‬جنيف‭ ‬لعام‭ ‬1949‭ ‬التي‭ ‬أكدت‭ ‬ضرورة‭ ‬معاملة‭ ‬أسرى‭ ‬الحرب‭ ‬‮«‬بإنسانية‮»‬‭.‬

تشمل‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الانتهاكات‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬من‭ ‬تعذيب‭ ‬وإذلال‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬أبو‭ ‬غريب‭ ‬بالعراق،‭ ‬وفي‭ ‬معتقل‭ ‬غوانتانامو‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تأكيد‭ ‬بورجر‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬دليل‮»‬‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب‭ ‬منع‭ ‬أي‭ ‬هجمات‭ ‬أخرى‭ ‬ضد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أو‭ ‬حلفائها،‭ ‬فإن‭ ‬تشيني‭ ‬لم‭ ‬يُبدِ‭ ‬أي‭ ‬ندم‭ ‬على‭ ‬انتهاكات‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬المسؤولون‭ ‬والجنود‭ ‬الأمريكيون‭ ‬تحت‭ ‬إشرافه،‭ ‬بل‭ ‬صرّح‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كان‭ ‬‮«‬معاملة‭ ‬معينة‭ ‬لأشخاص‭ ‬يعتبرون‭ ‬أعداء‭ ‬معلنين‮»‬،‭ ‬وأكد‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2014‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬سيفعل‭ ‬ذلك‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬دون‭ ‬تردد‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬المستغرب‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانعدام‭ ‬الصارخ‭ ‬في‭ ‬الحس‭ ‬الأخلاقي‭ ‬مهّد‭ ‬الطريق‭ ‬لخلفاء‭ ‬تشيني‭ ‬لتقليد‭ ‬إساءاته‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬السلطة‭ ‬ورفضه‭ ‬للمعايير‭ ‬الدولية‭.‬

أوضحت‭ ‬ألكا‭ ‬برادهان،‭ ‬الأستاذة‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بنسلفانيا‭ ‬والمستشارة‭ ‬القانونية‭ ‬السابقة‭ ‬لمعتقلي‭ ‬غوانتانامو،‭ ‬أن‭ ‬‮«‬كل‭ ‬رئيس‭ ‬لاحق‮»‬‭ ‬بنى‭ ‬على‭ ‬إرث‭ ‬تشيني‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬اللحظة‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‮«‬‭. ‬ويبدو‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬جليًا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬تشيني‭ ‬نفسه‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬أعظم‭ ‬تهديد‭ ‬لجمهوريتنا‮»‬‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

اعتبر‭ ‬بوت‭ ‬هذا‭ ‬التصريح‭ ‬‮«‬مثيرًا‭ ‬للسخرية‮»‬،‭ ‬لأن‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬روّج‭ ‬لها‭ ‬تشيني‭ ‬خلال‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬‮«‬مهّدت‭ ‬الطريق‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لصعود‭ ‬ترامب‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬لممارسة‭ ‬سلطة‭ ‬تنفيذية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭. ‬وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬أشار‭ ‬بورجر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬استنسخت‭ ‬‮«‬شعار‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬استخدمته‭ ‬إدارة‭ ‬بوش‭ ‬‮«‬لتبرير‭ ‬قمع‭ ‬المعارضة،‭ ‬بل‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬الأمريكية‮»‬،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ضد‭ ‬النشطاء‭ ‬المؤيدين‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬ترحيل‭ ‬بعضهم‭ ‬عمدًا‭ ‬بسبب‭ ‬إدانتهم‭ ‬العلنية‭ ‬للإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بحق‭ ‬سكان‭ ‬غزة‭ ‬ودور‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬دعمها‭.‬

نتيجة‭ ‬لهذه‭ ‬السياسات،‭ ‬أصبح‭ ‬إرث‭ ‬تشيني‭ ‬شخصيًا‭ ‬عنوانًا‭ ‬لعدم‭ ‬الشعبية‭ ‬الشديدة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬كما‭ ‬لاحظ‭ ‬بليفينس،‭ ‬الذي‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تشيني‭ ‬غادر‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬عام‭ ‬2009‭ ‬بمعدلات‭ ‬تأييد‭ ‬متدنية‭ ‬تاريخيًا‭ ‬بسبب‭ ‬إساءة‭ ‬استخدامه‭ ‬للسلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬خلال‭ ‬ولايتين،‭ ‬وغزوه‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭ ‬للعراق،‭ ‬وما‭ ‬ترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬زعزعت‭ ‬استقرار‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬آثاره‭ ‬الكارثية‭ ‬مستمرة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تجاهله‭ ‬المتعمد‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬المتعلق‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬ضحايا‭ ‬للتعذيب‭ ‬والاحتجاز‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭.‬

بينما‭ ‬وصف‭ ‬ترامب‭ ‬سلفه‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬السياسات،‭ ‬تشيني،‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬ملك‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬جدوى‭ ‬منها‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬خلص‭ ‬ويدمان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ديك‭ ‬تشيني‭ ‬يُعد‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬المدنيين‭ ‬والعسكريين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬المسؤولين‭ ‬عن‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬وما‭ ‬تبعه‭ ‬من‭ ‬انحدار‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وعلى‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭ ‬هو‭ ‬‮«‬مجرد‭ ‬حلقة‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬الأمريكيين‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬‮«‬تلاعبوا‭ ‬بتهور‭ ‬بالأمنين‭ ‬العالمي‭ ‬والدولي‮»‬‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ترامب،‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الإدارات‭ ‬السابقة‭ ‬والحالية‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تأثر‭ ‬شخصيًا‭ ‬بآثار‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭ ‬والموت‭ ‬والإصابات‭ ‬والمعاناة‭ ‬التي‭ ‬نتجت‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬السياسات‭.‬

إن‭ ‬رحيل‭ ‬ديك‭ ‬تشيني‭ ‬لا‭ ‬يطوي‭ ‬صفحة‭ ‬شخص‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬فتح‭ ‬ملف‭ ‬حقبةٍ‭ ‬شكلت‭ ‬منعطفًا‭ ‬حادًا‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأمريكي‭ ‬والعالمي‭. ‬فإرثه‭ ‬المليء‭ ‬بالحروب‭ ‬والتجاوزات‭ ‬القانونية‭ ‬والإنسانية‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الدولية‭ ‬الراهنة،‭ ‬وفي‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬جذورها‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭. ‬وبينما‭ ‬يحاول‭ ‬البعض‭ ‬تبرير‭ ‬أفعاله‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‮»‬،‭ ‬يراها‭ ‬آخرون‭ ‬عنوانًا‭ ‬دائمًا‭ ‬لتناقض‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بين‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وانتهاكها‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا