لطالما كانت التحالفات والشراكات الأمنية خياراً استراتيجياً لدول الخليج العربي، ومن بينها مملكة البحرين، بالنظر إلى الموقع الجغرافي المهم لهذه الدول، الذي يمنحها مزايا ويفرض عليها تحديات في الوقت ذاته. من هنا جاءت أهمية التمرين المشترك الثالث لدول التحالف الأمني الدولي، الذي استضافته مملكة البحرين على مدى ثلاثة أيام (27-29 أكتوبر 2025م) بمشاركة 9 دول هي مملكة البحرين، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وسلوفاكيا، والسنغال، وسنغافورة، والمغرب، بالإضافة إلى ممثلين عن جهات إنفاذ القانون، وكذلك الفرق التكتيكية والتقنية المتخصصة، ووحدات التدخل السريع، والطيران والاتصالات والإعلام. وعند افتتاح التمرين، أكد وزير الداخلية الفريق أول معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة «أهمية الإعداد المتكامل والاستفادة من التمارين التي تجسد التعاون الوثيق والعمل الدولي المشترك بين أعضاء التحالف، في سبيل تعزيز أمن المجتمعات ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود»، مشيراً إلى أن «الواقع الأمني الدولي والتحديات يدفعنا إلى دراسة الإمكانات المشتركة، ووضعها في إطار تعاوني وتنسيقي متقدم، انطلاقاً من وحدة الهدف».
وفي تقديري، اكتسب ذلك التمرين أهميته من ثلاثة أمور؛ أولها: أنه يعيد تأكيد حقيقة مؤداها انتهاء الحدود الفاصلة بين الأمن الإقليمي ونظيره العالمي، مع وجود حاجة ماسّة إلى التكامل بين الأجهزة الأمنية في مختلف دول العالم، بالنظر للنشاط المتزايد لجماعات الجريمة المنظمة، وسعيها إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة في تلك الجرائم، لإدراكها صعوبة إثبات وإسناد تلك الجرائم إلى جهة بعينها. لذلك من المهم للغاية تبادل الخبرات على المستويين الإقليمي والعالمي. وثانيها: البُعد العملي للتمرين، إذ اعتمد على سيناريوهات متقدمة تحاكي أساليب واقعية لعمل تلك العصابات، وهنا يجب تأكيد أهمية تلك السيناريوهات التي أصبحت مثار الاهتمام الأول لعديد من كليات الدفاع الوطني في العالم؛ وخلاصتها أن أهمية تلك التمرينات تكمن في تضمّنها تحديداً التحديات والقدرات والفجوات التي قد تظهر خلال نموذج المحاكاة ذاته. وثالثها: أهمية التمرين في رفع درجة الجاهزية للقوات الأمنية للتعامل مع الأزمات الأمنية. صحيحٌ أن بعض الأزمات قد تفتقر إلى المقدمات، مثل حوادث الاعتداء على السفن في البحار بغرض القرصنة، أو عمليات تهريب المخدرات. ولكن من خلال ترسيخ فكرة إعداد السيناريوهات الأمنية وممارساتها، يمكن للقوى الأمنية أن تبقى دائماً على درجة عالية من الجاهزية والاستعداد لأي أحداث طارئة، بما يحد من تداعياتها ويتيح للقوات التعامل معها.
وبالنظر إلى خريطة الدول المشاركة، نجد أنها تنتمي إلى قارات مختلفة هي آسيا وإفريقيا وأوروبا، مما يعني حرص دول التحالف – التي يُعد تمرينها الثالث من نوعه، وتتخذ من مدينة أبوظبي مقراً له – على تبادل الخبرات وتأكيد أمر مهم، ألا وهو حتمية التعاون الدولي لمواجهة تلك الجرائم العابرة للحدود، والتي تنفذها عصابات منظمة تمثل تحدياً هائلاً لأمن الدول.
كما كان لافتاً مشاركة ممثلين عن جهات إنفاذ القانون والاتصالات والإعلام. فإدارة الأزمة الأمنية لا تقتصر على العمل الميداني فحسب، بل تشهد استنفار كل جهات الدولة، ومن بينها الإعلام الأمني.
ولست بحاجة إلى إعادة تأكيد أن مواجهة التهديدات الأمنية أصبحت مسؤولية مشتركة، يبرهن عليها التقدم الذي طرأ على تهديدات الأمن البحري كمثالٍ واضح، إذ يعمل اليوم على عديد من السفن بحارةٌ من مختلف الجنسيات، وإذا ما تعرضت إحدى تلك السفن – المملوكة لدولةٍ ما – لهجوم ، ويصادف مرورها في مياهٍ إقليمية لدولةٍ أخرى، فإن ذلك يعني أننا أمام تهديد أمني بالغ لعدد من دول العالم في وقتٍ واحد، مما يتطلب ضرورة القيام بالمزيد من التنسيق والتكامل بين جهود الدول لمواجهة تلك التهديدات.
وفي تصوري، توجد ثلاثة متطلبات لدعم مثل تلك التمرينات مستقبلاً. الأول: تبادل المزيد من المعلومات من خلال آليات محددة لعمل ذلك التحالف، لأن ذلك سوف يسهم في التعرف على خارطة التهديدات الأمنية العابرة للحدود وتطورها. والثاني: زيادة دعم القدرات البشرية من خلال دورات تدريبية متخصصة في السيناريوهات الأمنية، والتي أضحت تستحوذ على عمل منظمات دفاعية مثل حلف شمال الأطلسي «الناتو»، من خلال مؤسساته الأكاديمية التي يجتمع فيها العنصر المدني والعسكري جنباً إلى جنب. والثالث: استمرار التعاون الدولي من خلال الشراكات والتحالفات الأمنية، في ظل عالمٍ انتهت فيه مفاهيم الأمن التقليدية لصالح الحروب اللامتماثلة، وهو التحدي الأكبر لكل دول العالم.
{ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز «دراسات»

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك