العدد : ١٧٤٥٨ - الجمعة ٠٩ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٥٨ - الجمعة ٠٩ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رجب ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الضرب المفضي إلى الهرب

لا‭ ‬أذكر‭ ‬ان‭ ‬أبي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬ضربني‭ ‬سوى‭ ‬مرة‭ ‬واحدة،‭ ‬وكان‭ ‬عمري‭ ‬وقتها‭ ‬نحو‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬فرغم‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬رجلا‭ ‬تقليديا‭ ‬ولا‭ ‬يفهم‭ ‬في‭ ‬أصول‭ ‬علم‭ ‬النفس،‭ ‬وأميا‭ ‬لا‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬فرويد‭ ‬وفريد‭ ‬الأطرش،‭ ‬ورغم‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬سريع‭ ‬الانفعال،‭ ‬إلا‭ ‬انه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يلجأ‭ ‬الى‭ ‬الضرب‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يفض‭ ‬به‭ ‬الكيل،‭ ‬وكانت‭ ‬عقوبة‭ ‬الضرب‭ ‬تسقط‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬الفرار‭ ‬من‭ ‬أمامه‭ ‬ركضا،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬الآباء‭ ‬الذين‭ ‬ينصبون‭ ‬الكمائن‭ ‬لعيالهم،‭ ‬ويتربصون‭ ‬بهم‭ ‬لإيقاع‭ ‬العقوبة‭ ‬الجسدية‭ ‬المقررة‭ ‬عليهم‭. (‬تعرضت‭ ‬كثيرا‭ ‬للضرب‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬أمي،‭ ‬وكان‭ ‬سلاحها‭ ‬عادة‭ ‬‮«‬شبشب‮»‬‭ ‬من‭ ‬عهد‭ ‬عاد‭ ‬وإرم‭ ‬ذات‭ ‬العماد‭) ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬أُقر‭ ‬بأنني‭ ‬ضربت‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬عيالي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬خفيف،‭ ‬ذلك‭ ‬لأنني‭ ‬وبرغم‭ ‬النظارات‭ ‬والنظريات‭ ‬موديل‭ ‬قديم،‭ ‬وما‭ ‬زلت‭ ‬اعتقد‭ ‬ان‭ ‬الضرب‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مجديا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬بشرط‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬قاسيا‭ ‬وعنيفا،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنني‭ ‬استهجن‭ ‬قيام‭ ‬بعض‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭ ‬بضرب‭ ‬عيالهم‭ ‬حتى‭ ‬تسيل‭ ‬منهم‭ ‬الدماء‭ ‬او‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬أجسامهم‭ ‬كدمات،‭. ‬وخلال‭ ‬فترة‭ ‬عملي‭ ‬مدرسا‭ ‬أيضا‭ ‬كنت‭ ‬أمارس‭ ‬الضرب‭ ‬بحق‭ ‬الطلاب‭ ‬الذين‭ ‬يسيئون‭ ‬السلوك،‭ ‬ولا‭ ‬أذكر‭ ‬قط‭ ‬أنني‭ ‬عاقبت‭ ‬طالبا‭ ‬لأن‭ ‬أداءه‭ ‬الأكاديمي‭ ‬ضعيف،‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬أعاقب‭ ‬الطالب‭ ‬ذا‭ ‬القدرات‭ ‬العالية‭ ‬الذي‭ ‬يهمل‭ ‬دروسه‭ ‬وواجباته‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬ودخلت‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬مشاحنات‭ ‬مع‭ ‬زملاء‭ ‬مدرسين‭ ‬كانوا‭ ‬يفرطون‭ ‬في‭ ‬معاقبة‭ ‬الطلاب‭ ‬جسديا،‭ ‬بل‭ ‬ذهبت‭ ‬مع‭ ‬طالب‭ ‬الى‭ ‬قسم‭ ‬الشرطة‭ ‬بعض‭ ‬ان‭ ‬نزف‭ ‬من‭ ‬أذنه‭ ‬إثر‭ ‬صفعة‭ ‬من‭ ‬زميل‭ ‬فظ‭ ‬غليظ‭ ‬القلب‭.‬

ولا‭ ‬اعتقد‭ ‬ان‭ ‬الضرب‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬المدرس‭ ‬او‭ ‬أحد‭ ‬الوالدين،‭ ‬يجعل‭ ‬التلميذ‭ ‬او‭ ‬التلميذة‭ ‬أكثر‭ ‬اهتماما‭ ‬بالدروس‭ ‬او‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب،‭ ‬وقد‭ ‬تعرضت‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية‭ ‬لضرب‭ ‬كالذي‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬إسرائيل‭ ‬كل‭ ‬بضع‭ ‬سنوات،‭ ‬وكان‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬جدول‭ ‬الضرب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مطلوبا‭ ‬منا‭ ‬حفظه‭ ‬ببغاويا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬نفهم‭ ‬المنطق‭ ‬الذي‭ ‬يستند‭ ‬اليه،‭ ‬وكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬هي‭ ‬انني‭ ‬كرهت‭ ‬الرياضيات‭ ‬ومدرسي‭ ‬الرياضيات‭ ‬و«رياض‭ ‬الأطفال‮»‬‭ ‬وكرة‭ ‬القدم‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يحمل‭ ‬اسما‭ ‬فيه‭ ‬‮«‬رياضة‮»‬‭.‬

ومناسبة‭ ‬هذا،‭ ‬حكاية‭ ‬في‭ ‬أرشيفي‭ ‬تعود‭ ‬الى‭ ‬سنوات‭ ‬خلت‭ ‬عن‭ ‬صبي‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المتوسطة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الدمام‭ ‬بالسعودية،‭ ‬طفش‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬العائلة،‭ ‬وتم‭ ‬العثور‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬مشارف‭ ‬مدينة‭ ‬الرياض،‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬هرب‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ضربه‭ ‬ابوه‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬تحصيله‭ ‬المدرسي،‭ ‬وبعد‭ ‬عودته‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬قال‭ ‬الصبي‭ ‬انه‭ ‬سيكرر‭ ‬المحاولة،‭ ‬وكان‭ ‬قد‭ ‬سبق‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬هرب‭ ‬الى‭ ‬مدينة‭ ‬النعيرية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ضربه‭ ‬أبوه‭. ‬وبكل‭ ‬ثقة‭ ‬أقول‭ ‬لهذا‭ ‬الأب‭ ‬ان‭ ‬ولده‭ ‬هذا‭ ‬لن‭ ‬يجتاز‭ ‬المرحلة‭ ‬المتوسطة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬استعان‭ ‬بالموساد‭ ‬وحبسه‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬أبو‭ ‬غريب‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬لإرغامه‭ ‬على‭ ‬الاهتمام‭ ‬بدروسه،‭.. ‬خلاص‭.. ‬فالدراسة‭ ‬ارتبطت‭ ‬في‭ ‬ذهنه‭ ‬بالتعذيب‭ ‬والإذلال،‭ ‬ولن‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تعرضه‭ ‬للضرب‭ ‬المنزلي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الهرب‭ ‬حتى‭ ‬الى‭ ‬غوانتنامو،‭ ‬ومن‭ ‬الخير‭ ‬لكل‭ ‬أب‭ ‬وأم‭ ‬ان‭ ‬يعيش‭ ‬عياله‭ ‬معه‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد‭ ‬وهم‭ ‬ضعيفو‭ ‬التحصيل‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬يهربوا‭ ‬الى‭ ‬عالم‭ ‬قاس‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭ ‬الضعفاء‭ ‬والعزل،‭.. ‬وقد‭ ‬يبدو‭ ‬غريبا‭ ‬ان‭ ‬أتعاطف‭ ‬مع‭ ‬الصبي‭ ‬هذا،‭ ‬والذي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬متلاعبا‭ ‬ومهملا‭ ‬ومتقاعسا،‭ ‬ولكنه‭ ‬ليس‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭ ‬تلك‭.. ‬فيا‭ ‬أخي‭ ‬الذي‭ ‬ضربت‭ ‬ولدك‭ ‬ثم‭ ‬تألمت‭ ‬عند‭ ‬هروبه‭ ‬ولم‭ ‬تنم‭ ‬حتى‭ ‬عاد‭ ‬الى‭ ‬البيت،‭ ‬جرب‭ ‬معه‭ ‬سلاح‭ ‬الترغيب،‭ ‬فالكلمة‭ ‬الطيبة‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأحوال‭ ‬بنتائج‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬الجلد،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬ينفع‭ ‬معه‭ ‬الكلام‭ ‬الطيب‭ ‬فلا‭ ‬ترغمه‭ ‬على‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬المدرسة،‭ ‬والحقه‭ ‬بعمل‭ ‬يدوي‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬بلا‭ ‬تكييف‭ ‬هواء،‭ ‬وسترى‭ ‬كيف‭ ‬انه‭ ‬سيبحث‭ ‬عن‭ ‬واسطة‭ ‬بعد‭ ‬أعوام‭ ‬قليلة‭ ‬للالتحاق‭ ‬بالفصول‭ ‬المسائية‭!!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا