زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الضرب المفضي إلى الهرب
لا أذكر ان أبي رحمه الله ضربني سوى مرة واحدة، وكان عمري وقتها نحو عشر سنوات، فرغم انه كان رجلا تقليديا ولا يفهم في أصول علم النفس، وأميا لا يميز بين فرويد وفريد الأطرش، ورغم انه كان سريع الانفعال، إلا انه لم يكن يلجأ الى الضرب ما لم يفض به الكيل، وكانت عقوبة الضرب تسقط عن كل من ينجح في الفرار من أمامه ركضا، لأنه لم يكن من نوع الآباء الذين ينصبون الكمائن لعيالهم، ويتربصون بهم لإيقاع العقوبة الجسدية المقررة عليهم. (تعرضت كثيرا للضرب على يد أمي، وكان سلاحها عادة «شبشب» من عهد عاد وإرم ذات العماد) ومع هذا أُقر بأنني ضربت كل واحد من عيالي أكثر من مرة، ولكن على خفيف، ذلك لأنني وبرغم النظارات والنظريات موديل قديم، وما زلت اعتقد ان الضرب قد يكون مجديا في بعض الحالات، بشرط ألا يكون قاسيا وعنيفا، ومن ثم فإنني استهجن قيام بعض الآباء والأمهات بضرب عيالهم حتى تسيل منهم الدماء او تظهر على أجسامهم كدمات،. وخلال فترة عملي مدرسا أيضا كنت أمارس الضرب بحق الطلاب الذين يسيئون السلوك، ولا أذكر قط أنني عاقبت طالبا لأن أداءه الأكاديمي ضعيف، بل كنت أعاقب الطالب ذا القدرات العالية الذي يهمل دروسه وواجباته الأكاديمية، ودخلت اكثر من مرة في مشاحنات مع زملاء مدرسين كانوا يفرطون في معاقبة الطلاب جسديا، بل ذهبت مع طالب الى قسم الشرطة بعض ان نزف من أذنه إثر صفعة من زميل فظ غليظ القلب.
ولا اعتقد ان الضرب على يد المدرس او أحد الوالدين، يجعل التلميذ او التلميذة أكثر اهتماما بالدروس او أكثر قدرة على الاستيعاب، وقد تعرضت في المرحلة الابتدائية لضرب كالذي يتعرض له العرب على يد إسرائيل كل بضع سنوات، وكان السبب في ذلك جدول الضرب الذي كان مطلوبا منا حفظه ببغاويا، من دون ان نفهم المنطق الذي يستند اليه، وكانت النتيجة هي انني كرهت الرياضيات ومدرسي الرياضيات و«رياض الأطفال» وكرة القدم وكل ما يحمل اسما فيه «رياضة».
ومناسبة هذا، حكاية في أرشيفي تعود الى سنوات خلت عن صبي في المرحلة المتوسطة في مدينة الدمام بالسعودية، طفش من بيت العائلة، وتم العثور عليه في مشارف مدينة الرياض، كان قد هرب بعد أن ضربه ابوه بسبب ضعف تحصيله المدرسي، وبعد عودته الى البيت قال الصبي انه سيكرر المحاولة، وكان قد سبق له ان هرب الى مدينة النعيرية بعد أن ضربه أبوه. وبكل ثقة أقول لهذا الأب ان ولده هذا لن يجتاز المرحلة المتوسطة حتى لو استعان بالموساد وحبسه في سجن أبو غريب في بغداد لإرغامه على الاهتمام بدروسه،.. خلاص.. فالدراسة ارتبطت في ذهنه بالتعذيب والإذلال، ولن يتردد في حال تعرضه للضرب المنزلي مرة أخرى في الهرب حتى الى غوانتنامو، ومن الخير لكل أب وأم ان يعيش عياله معه تحت سقف واحد وهم ضعيفو التحصيل الأكاديمي، من ان يهربوا الى عالم قاس لا يرحم الضعفاء والعزل،.. وقد يبدو غريبا ان أتعاطف مع الصبي هذا، والذي قد يكون متلاعبا ومهملا ومتقاعسا، ولكنه ليس المسؤول عن أوجه القصور تلك.. فيا أخي الذي ضربت ولدك ثم تألمت عند هروبه ولم تنم حتى عاد الى البيت، جرب معه سلاح الترغيب، فالكلمة الطيبة تأتي في غالب الأحوال بنتائج أفضل من الجلد، أما إذا لم ينفع معه الكلام الطيب فلا ترغمه على الذهاب الى المدرسة، والحقه بعمل يدوي في بيئة بلا تكييف هواء، وسترى كيف انه سيبحث عن واسطة بعد أعوام قليلة للالتحاق بالفصول المسائية!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك