العدد : ١٧٤٥٨ - الجمعة ٠٩ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٥٨ - الجمعة ٠٩ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رجب ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وتعرضت للغدر (1)

قبل‭ ‬أعوام‭ ‬وعندما‭ ‬كنت‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬المراهقة‭ ‬الثالثة،‭ ‬أرسل‭ ‬جسمي‭ ‬إشارات‭ ‬تفيد‭ ‬بأنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬خلل‭ ‬ما،‭ ‬ولأن‭ ‬جسمي‭ ‬لا‭ ‬يستأهل‭ ‬التدليع،‭ ‬فقد‭ ‬تجاهلت‭ ‬تلك‭ ‬الإشارات‭. ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انطلقت‭ ‬صافرات‭ ‬الإنذار‭ ‬فاضطررت‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الطب‭ ‬فتم‭ ‬احتجازي‭ ‬في‭ ‬المستشفى،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬مغتما‭ ‬لذلك‭ ‬كحالي‭ ‬في‭ ‬مرة‭ ‬سابقة،‭ ‬عندما‭ ‬امتهنوا‭ ‬كرامتي‭ ‬وشرفي‭ ‬بحجة‭ ‬فحص‭ ‬أمعائي‭ ‬بالمنظار‭ ‬وكأنه‭ ‬درب‭ ‬التبانة،‭ ‬ولكنني‭ ‬كنت‭ ‬متضايقا‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬إرغامي‭ ‬على‭ ‬أكل‭ ‬طعام‭ ‬المستشفى‭ ‬الذي‭ ‬يخيل‭ ‬لي‭ ‬أنه‭ ‬اختراع‭ ‬إنجليزي‭ ‬محض‭. ‬فليس‭ ‬سوى‭ ‬الإنجليز‭ ‬من‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬وجبة‭ ‬من‭ ‬الخضراوات‭ ‬فتجد‭ ‬طعمها‭ ‬مثل‭ ‬طعم‭ ‬فوطة‭ ‬أفرغ‭ ‬فيها‭ ‬صبي‭ ‬فوق‭ ‬العاشرة‭ ‬مثانته،‭ ‬ثم‭ ‬يزعمون‭ ‬أنها‭ ‬وجبة‭ ‬صحية،‭ ‬وأكل‭ ‬المستشفيات‭ ‬يذكرني‭ ‬بالممثلة‭ ‬مريم‭ ‬فخر‭ ‬الدين‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقرر‭ ‬من‭ ‬نبرات‭ ‬صوتها‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬سعيدة‭ ‬أم‭ ‬حزينة‭ ‬أم‭ ‬مفرفشة،‭ ‬فلديها‭ ‬نبرة‭ ‬واحدة‭ (‬مونوتون‭) ‬لكل‭ ‬المواسم‭ ‬والأفلام،‭ ‬وفي‭ ‬المستشفى‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الطعام‭ ‬الموضوع‭ ‬أمامك‭ ‬يتألف‭ ‬من‭ ‬لحم‭ ‬الدجاج‭ ‬أو‭ ‬ألياف‭ ‬عشبية‭ ‬أو‭ ‬مناديل‭ ‬الورق‭ ‬مغموسة‭ ‬في‭ ‬المايونيز‭ ‬خالي‭ ‬الدسم‭. ‬كانت‭ ‬ابنتي‭ ‬مروة‭ ‬قد‭ ‬بثت‭ ‬الرعب‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ ‬بقولها،‭ ‬إن‭ ‬الورم‭ ‬الذي‭ ‬ظهر‭ ‬فجأة‭ ‬في‭ ‬فخذي‭ ‬نشأ‭ ‬عن‭ ‬تكلس‭ ‬فولي،‭ ‬وشرحت‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬علمية‭ ‬‮«‬وبما‭ ‬أنك‭ ‬تدين‭ ‬بحياتك‭ ‬للفول‭ ‬فإن‭ ‬جسمك‭ ‬مشبع‭ ‬بحامض‭ ‬الفوليك‭ ‬foolic‭ ‬acid‭ - ‬وهو‭ ‬غير‭ ‬ال‭ ‬folic‭ ‬acid‭ - ‬الذي‭ ‬يسبب‭ ‬فقدان‭ ‬الذاكرة،‭ ‬والغباء‭ ‬اللا‭ ‬إرادي‭. ‬وما‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬يا‭ ‬أبي‭ ‬باستئصال‭ ‬ذلك‭ ‬الورم‭ ‬فإن‭ ‬أعراض‭ ‬الفوليزم‭ ‬ستظهر‭ ‬عليك‭ ‬وتنتقل‭ ‬منك‭ ‬إلينا‭ ‬ونصبح‭ ‬أضحوكة‭ ‬المجتمع‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬كنت‭ ‬سأصدق‭ ‬مروة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬سلمتها‭ ‬بيدي‭ ‬الماجستير‭ ‬في‭ ‬غضب‭ ‬الوالدين‭ ‬مع‭ ‬مرتبة‭ ‬الشرف‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الأب،‭ ‬لولا‭ ‬أنني‭ ‬أعرف‭ ‬جيداً‭ ‬تأثير‭ ‬الفول‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬العقلية‭ ‬والطبقة‭ ‬العاملة،‭ ‬وأعرف‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬يوركشاير‭ ‬الإنجليزية‭ ‬مشروعاً‭ ‬بريطانياً‭ ‬يابانياً‭ ‬مشتركاً‭ ‬لدراسة‭ ‬تأثير‭ ‬الغازات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬أكل‭ ‬الأبقار‭ ‬للفول‭ ‬على‭ ‬طبقة‭ ‬الأوزون‭. ‬توطئة‭ ‬لإعلان‭ ‬الفول‭ ‬مادة‭ ‬محظورة‭ ‬دولياً،‭ ‬وهكذا‭ ‬سلمت‭ ‬نفسي‭ ‬صاغراً‭ ‬لمباضع‭ ‬الجراحة‭ ‬التي‭ ‬أشبعت‭ ‬جسمي‭ ‬تقطيعاً‭ ‬وترقيعاً،‭ ‬وقد‭ ‬سمعت‭ ‬وأنا‭ ‬بين‭ ‬اليقظة‭ ‬والمنام‭ ‬جراحاً‭ ‬ملثماً‭ ‬يقول‭: ‬ما‭ ‬رأيكم‭ ‬لو‭ ‬نقطع‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬أنفه‭ ‬ونتبرع‭ ‬به‭ ‬لذي‭ ‬حاجة؟‭ ‬المهم‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬أقنعتني‭ ‬بأن‭ ‬الجراحين‭ ‬هم‭ ‬أفضل‭ ‬فصائل‭ ‬الأطباء‭ ‬لأنهم‭ ‬يفعلون‭ ‬بجسمك‭ ‬الأعاجيب‭ ‬وأنت‭ ‬غائب‭ ‬عن‭ ‬الدنيا‭ ‬تماماً،‭ ‬ولكنني‭ ‬لا‭ ‬أنصح‭ ‬عدواً‭ ‬أو‭ ‬حبيباً‭ ‬بإجراء‭ ‬عملية‭ ‬البواسير،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأنها‭ ‬غير‭ ‬مشرفة،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضاً‭ ‬لأن‭ ‬عذابها‭ ‬يبدأ‭ ‬بعد‭ ‬الإفاقة‭ ‬من‭ ‬التخدير‭ ‬ويستمر‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭. ‬المهم‭: ‬أجريت‭ ‬العملية‭ ‬بنجاح‭ ‬وفتحت‭ ‬عيني‭ ‬لأجد‭ ‬تلالا‭ ‬من‭ ‬الشوكولاتة‭ ‬حولي،‭ ‬ولكنني‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬سلة‭ ‬شوكولاته‭ ‬لا‭ ‬تحوي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬حبة‭ ‬يتم‭ ‬لصقها‭ ‬بطريقة‭ ‬فنية‭ ‬على‭ ‬تل‭ ‬من‭ ‬الأوراق‭ ‬المستعملة،‭ ‬بحيث‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬طن‭ ‬كامل‭. ‬ثم‭ ‬اقتربت‭ ‬مروة‭ ‬مني‭ ‬ورفعت‭ ‬أمام‭ ‬ناظري‭ ‬قصاصة‭ ‬قرأت‭ ‬عليه‭ ‬عبارة‭: ‬‮«‬لماذا‭ ‬أكره‭ ‬جعفر‭ ‬عباس‮»‬‭ ‬فحسبت‭ ‬بادئ‭ ‬الأمر‭ ‬أنها‭ ‬قامت‭ ‬بإعداد‭ ‬وإخراج‭ ‬تلك‭ ‬القصاصة‭ ‬باستخدام‭ ‬الكومبيوتر‭ ‬لتداعبني،‭ ‬ولكنني‭ ‬لمحت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العبارة‭ ‬صورة‭ ‬الست‭ ‬نبيلة‭ ‬عبيد،‭ ‬فأدركت‭ ‬أن‭ ‬مروة‭ ‬وسعت‭ ‬نطاق‭ ‬تحالفاتها‭ ‬ضدي‭. ‬ثم‭ ‬بدأت‭ ‬زوجتي‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أم‭ ‬مروة‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬مقتطفات‭ ‬مما‭ ‬كتبته‭ ‬بنت‭ ‬عبيد‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬ذلك‭ ‬الأسبوع‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬المجلة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أكتب‭ ‬فيها‭ ‬مقالا‭ ‬أسبوعيا‭. ‬واختتمت‭ ‬القراءة‭ ‬بقولها‭: ‬نبيلة‭ ‬طلعت‭ ‬بنت‭ ‬أصول‭. ‬مش‭ ‬زيك‭ ‬يا‭ ‬أبو‭ ‬رقع‭ ‬وكلاكيع‭. ‬كانت‭ ‬المجلة‭ ‬تحمل‭ ‬مقالا‭ ‬من‭ ‬صفحة‭ ‬كاملة‭ ‬بتوقيع‭ ‬نبيلة‭ ‬عبيد‭ ‬تعلق‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬رغباتي‭ ‬المتكررة‭ ‬في‭ ‬الاقتران‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬سنة‭ ‬الله‭ ‬ورسوله،‭ ‬ورغم‭ ‬البكش‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬فقد‭ ‬غدرت‭ ‬بي‭ ‬بنت‭ ‬عبيد،‭ ‬لأنني‭ ‬‮«‬تهزأت‮»‬‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬زوجتي‭ ‬ومروة

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا