أتذكر جيدا ذلك الوقت قبل أكثر من عشرين عاما، حين أُقر في البحرين قانون رقم (11) لسنة 2004، الذي جعل الفحص الطبي قبل الزواج شرطا أساسيا لتوثيق العقد، يومها أثار بعض الجدل عند من لم يرَ أهميته، لكن خلف ذلك الجدل، كان الهدف واضحا، وهو أن تبدأ الحياة الزوجية على أرضية صحية وسليمة. كما منح القانون وزير الصحة صلاحية إضافة أمراض أخرى للكشف عنها، ليظل قادرًا على التكيف مع حاجات المجتمع والتطورات الطبية.
اليوم، وبعد عقدين من تطبيق القانون، عاد النقاش إلى قبة البرلمان من جديد، فقد بدأت لجنة الخدمات في مجلس النواب بدراسة مقترح يوسّع نطاق الفحص ليشمل جوانب لم تكن مطروحة من قبل، مثل الصحة النفسية والكشف عن التعاطي.
ومن بين الأصوات التي تبنّت هذا المقترح ودافعت عنه بوضوح، برزت النائبة باسمة مبارك، الفكرة لا تتعلق بإضافة بند جديد إلى قائمة الفحوص، وإنما بفتح زاوية مختلفة للنظر إلى الزواج، كونه ليس حدثا يُبنى على العاطفة وحدها، بل مسؤولية تتأثر بالاستقرار النفسي والسلوكيات اليومية تماما كما تتأثر بالجينات، وهذه النظرة الأوسع هي ما يمنح المقترح قيمته.
لكن ما يستحق وقفة أطول هو ما يجري فعليا بعد الفحوص الحالية للأمراض الوراثية. صحيح أن القانون ألزم بها، لكن حتى عندما تكشف النتائج خطورة واضحة، يظل القرار النهائي بيد الزوجين. وفي كثير من الحالات يختار الطرفان المضي في الزواج، رغم التحذيرات الطبية.
الأطباء يؤكدون أن زواج شخصين يحملان نفس الخلل الوراثي يجعل الخطر قائما في كل مرة يُرزقان فيها بطفل، وأن الخطر يكون أكبر إذا كان كلاهما مصابين بالفعل بالمرض. وهنا تكمن المعضلة: المعرفة متاحة، لكن القرار يبقى رهينا بين القلب والعقل.
ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى تفكير أبعد مدى. فنحن بحاجة إلى دراسات وطنية تتابع ما جرى في مثل هذه الزيجات: كيف عاشت الأسر التي مضت في الزواج رغم ثبوت الخطورة الوراثية؟ وما كان مصير أبنائهم: من جاء سليما، ومن حمل المرض، ومن فقد حياته مبكرا. هذه الأسئلة ليست تساؤلا شكليا، إنما هي صرخة تحتاج إلى إجابة صريحة. غاية هذه المعرفة ليست التشهير بأحد، بل أن تكون لدينا صورة واقعية وشفافة تساعد المجتمع على إدراك حجم المشكلة، وتمنح المشرّع مؤشرات دقيقة يبني عليها تشريعات أكثر دقة وإنصافا للأسرة وأكثر حماية لصحة المجتمع.
وكم من بيت نعرفه حمل هذه المأساة: طفل وُلد بمرض وراثي لأن والديه يشتركان في الخلل نفسه، أو زوجة لم تكتشف إلا بعد الزواج أن شريكها يتعاطى، فانهارت حياتها وهي على أبواب الأمومة.
فهذه الزيجات لا تنعكس على الأبناء وحدهم، بل تترك أثرها على العائلة والوطن أيضا. فالأمراض الوراثية الخطيرة تحتاج إلى متابعة طبية مستمرة، وأدوية مكلفة، وربما تدخلات علاجية متكررة. هذه الأعباء تتحملها الأسرة من جهة، وتتحملها كذلك الجهات الصحية من جهة أخرى. الإشارة إلى هذا البعد لا تعني أن القضية مالية فحسب، بل لتوضيح أن الأثر شامل: إنساني ونفسي واقتصادي. والوقاية هنا ليست رفاهية، بل أوفر استثمار يمكن أن نحمي به مستقبلنا.
ولا يقل الجانب النفسي أهمية عن الوراثي. فالزواج شراكة طويلة تحتاج إلى الاستقرار النفسي حتى تنجح. وهناك أمراض لا يمكن تجاهل أثرها على الحياة المشتركة، مثل الاضطراب ثنائي القطب، أو الفصام، أو الاكتئاب المزمن غير المسيطر عليه. في حالات كثيرة انهارت زيجات بعد فترة قصيرة، حين اكتشف أحد الزوجين أن شريك حياته يعاني من هذه الاضطرابات من دون أن يكون على علم مسبق.
الفحص هنا لا يعني رفض المصاب أو إقصاءه، بل يمنح الطرف الآخر حق المعرفة قبل أن يدخل في التزام طويل الأمد، ويمنح الطرف المريض فرصة للبدء بعلاج منظم ضمن علاقة مبنية على الصراحة. فالمكاشفة، مهما بدت صعبة، فهي أقل قسوة من انهيار بيت بعد شهور قليلة.
الحرية في الزواج حق أصيل، لكن الحرية التي لا ترافقها مسؤولية قد تتحول إلى عبء على الأسرة والمجتمع. المطلوب ليس الحد من حرية الاختيار، بل تعزيزها بالمعرفة. فحين تكون الصورة كاملة، يكون القرار أكثر إنصافا للطرفين ولأطفال الغد.
البحرين بخطوتها في 2004، بفضل الله سبقت كثيرا من الدول، لكن التطبيق يحتاج اليوم إلى تحديث يواكب التطورات الطبية والاجتماعية. المقترح النيابي بضم الصحة النفسية والإدمان إلى قائمة الفحوص هو بداية الطريق، وليس نهايته.
ما نحتاج إليه هو أن تتحول هذه الفحوص من أوراق شكلية إلى حوارات جادة، ومن نتائج تُسلّم للزوجين بسرعة إلى فرص للتفكير والاختيار الواعي.
فالزواج ليس لحظة احتفال عابرة، ولا لحظة طيران وتنتهي، بل هو بداية طريق طويل، يحمل بين طياته مسؤولية بناء بيت واستقبال حياة جديدة. إنه مشروع حياة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
لذلك، فإن أي تقصير في الفحص أو الإرشاد قد يتحول فيما بعد إلى مأساة يعيشها طفل لم يختر أن يولد مريضا أو في بيت مضطرب. إدخال الصحة النفسية، وتفعيل الإرشاد الوراثي، وتقديم خيارات علاجية متاحة، كلها خطوات تجعل الفحص قبل الزواج أكثر عدالة للزوجين وأكثر رحمة للأبناء.
ففي النهاية، لا أحد يتمنى أن يرى طفله يتألم، وهذه أبسط حقيقة يمكن أن نتفق عليها جميعا.
rajabnabeela@gmail.com
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك