في لحظة من العمر الزمن، إذ لم يكن الزمن يعتقد أنه على موعد لولادة عظيم، في تلك اللحظة جاءت البشرى لعبدالمطلب وهو في باحة المسجد الحرام، تبشره بولادة صبي لولده الذي توفي عبدالله، أشرق وجه الجد، وفرح فرحًا لا يوصف، فسماه (محمدًا) على الرغم من أن الاسم لم يكن مألوفًا في العرب حينئذ.
في تلك اللحظة خنس ابليس وقبيلته وأولاده كلهم، في تلك اللحظة سقط طواغيت العالم وانقبضت كل الأوثان بجميع صورها وأشكالها، حدث شرخ كبير في كل الآلهة المادية التي تدعي العبودية والألوهية إذ وجدت أن الأوهام التي كان يبيعها بأثمان غالية قد بدأت تتزعزع، وأن النور والحضارة والفكر والتحرر من عبودية غير الله سبحانه وتعالى بدأت تعود إلى البشرية مرة أخرى.
بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزمن الذي كان الظلام يغطي البشرية جمعاء، وكان الظلام لا ينحصر في نوعية معينة، كما كان في الأمم والحضارات السابقة، وإنما في ذلك العصر كان الظلام يمتد إلى أعماق النفس البشرية، ففي ذلك العصر كان يعيش الإنسان في التخلف الاجتماعي والسياسي والفكري والاقتصادي والإنساني وكل أنواع التخلف والبطش والعبودية والذُل، ولم يكن ذلك محصورًا في مكة المكرمة أو في الجزيرة العربية فحسب وإنما كانت كل البشرية تعاني من الأمرين، لذلك بُعث سيد الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتكون رسالته منهجًا جديدًا لحياة متكاملة مستدامة لكافة البشرية سواء في ذلك العصر وحتى قيام الساعة.
من هناك بدأت رحلة التغيير التي قادها وأدارها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقل الفكر البشري المضطهد والمقيد وحرره من كل تلك القيود وكل ذلك الاضطهاد إلى فكر متحرر يفكر ويحلل ويمنهج كل الأمور الحياتية، حتى بلغت الحضارة الإنسانية في العصر الإسلامي أوج أعلى قمة وصلت إليها أي حضارة في أي عهد، كل ذلك خلال سنوات قصيرة من عمر الزمن، والزمن يسأل كيف حدث ذلك؟
كيف قاد رسول الله صلى الله عليه وسلم التغيير الحضاري؟
لم تكن خطوات رسول الله صلى الله عليه وسلم عشوائية في إدارة التغيير، وإنما كان يتبع منظومة إدارية قيادية مرتبة نابعة من فكره القيادي الذي وهبه الله سبحانه وتعالي، فكل هذا التغيير لم يكن وليد عشوائية أو صدفة وإنما فكر منظم وممنهج، بهدف الوصول إلى الغاية العظمى وهو تحرر الإنسان، الفرد، والبشرية من قيود العبودية لغير الله سبحانه وتعالى، والحياة في سعادة ورضا وأمن مستدام. وكانت منهجية إدارة التغيير تتبع الخطوات التالية:
وجود منهج عقائدي وفكري؛ لم يتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم من فراغ، وإنما كان بين يديه أعظم منهج للحياة أنزل على البشرية، وهو القرآن الكريم، فهذا المنهج فيه كل صغيرة وكبيرة يحتاجها الإنسان منذ لحظة ولادته حتى لحظة رحيله إلى العالم الآخر. فمن خلال هذا المنهج قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم للبشرية فكرة وعقيدة وحياة جديدة واضحة المعالم، لا لبس فيه ولا غموض، كلماته واضحة وأفكاره أكثر وضوحًا، ولا يحتاج إلى جهد كبير في تناوله، وإنما هي خطوة وبعدها يتحرر الإنسان من كل ما يثقل كاهله من غث وغثاء، الذي حوله إلى شبه إنسان، ليتحول إلى إنسان مفكر ومتحرر ومنطلق إلى الحياة بكل سعادة واستدامة، هذا المنهج يركز على بناء الإنسان بكل جزئياته.
وجود قائد وقيادة؛ كان صلى الله عليه وسلم هو القائد، ومركز القيادة لهذا التحول وهذا التغيير العظيم، وذلك بما يمتلك من مؤهلات وقدرات وهبها الله سبحانه وتعالى في نفسه وقلبه وعقله وجسمه، فتكامل كل هذا في هذا الإنسان الكامل المثالي صلى الله عليه وسلم، وتمكن – بشهادة كل من قرأ سيرته الشريفة بموضوعية – أن يقود البشرية بكل حرفية وجداره نحو النور والتغيير الحضاري.
خطة عمل؛ التغيير الحضاري الذي أحدثه الإسلام لم يكن ليحدث من غير خطة واضحة ومنهج للتغيير، فالعشوائية لا يمكن أن تنتج لنا عملاً إداريًا مهما صغر، فكيف ونحن نتحدث عن تغيير حضاري وفكري وإنساني واضح وممنهج. إلا أنه يجب أن يكون واضحًا أن الخطة وضعها الله سبحانه وتعالى، فآيات القرآن الكريم تزخر بكل شيء، حتى الخطط ومنهجيات التغيير، فالقرآن الكريم يتحدث عن بناء الإنسان، عقله وفكره ومستقبله، وكيف من المفروض أن يعيش ويتعايش مع نفسه وبقية البشر، وكيف يتعامل مع القلم والعلوم بمختلف أنواعها وأفكارها، وكل شيء، هذه الخطة فهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبقها بكل حرفية ومنهجية.
البحث عن فريق عمل؛ حتى بوجود المنهج والقائد والخطة إلا أن هذا القائد لا بد أن يكون لديه فريق عمل يؤمن بالمنهج والقائد، وكذلك بمنهجية التغيير حتى يتم التغيير، فالقائد وحده وبنفسه لا يستطيع أن يفعل شيء، لذلك عندما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينشر منهجه لم ينشره على جميع البشر دفعة واحدة وإنما بحث عن الأفراد الذين يمكن أن يكونوا الفريق الأول لهذا المنهج، وهم: صديق وزوجة وابن العم والخادم والأقرب فالأقرب، هؤلاء كانوا البنية الأولى لهذا التغيير، ومن ثم بدأ الفريق يتزايد حتى بلغ من سماكته أنه لا يمكن اختراقه، عندئذ نشر الدعوة.
الانتشار بهدوء وببطء؛ خلال المرحلة الأولى من عمر الدعوة الإسلامية، ونقصد أثناء وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، لم يتصادم مع قبيلته والقبائل العربية الأخرى، وإنما كان يخاطبهم بكل هدوء وعقلانية، وحتى عندما كانوا يخطئون في حقه وحق بقية من أسلم، لم يطالب أحد من المسلمين أن يرفع سيفه ويقاتل، أو أن يقتص لنفسه، على الرغم من كل ذلك الاضطهاد الذي عاشه المسلمون في بداية الدعوة الإسلامية، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن الهدف الأساسي في تلك المرحلة هو أن يصل الفكر والعقيدة الإسلامية إلى كل عقل وقلب، فإن كلمات القرآن الكريم عندما تلامس شغاف القلوب فإنها تفعل الأفاعيل.
البحث عن محضن؛ وعلى الرغم من المرحلة الأولى والتي كانت تتميز بالهدوء والبطيء، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قابعًا في مكانه ينتظر النصر السماوي، على الرغم من أنه لو طلبه لاستجاب له سبحانه وتعالى، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوقن أنه يحمل منهج التغيير الحضاري الذي يحتاج إلى صبر وفكر وتروٍ وأمور لم تكن سهلة، لذلك كان ينتقل بين القبائل بهدف إيجاد محضن للفكرة والعقيدة التي تدعو إلى التغيير، فوجدها في المدينة المنورة.
الهجرة العظيمة والتحول الحضاري؛ كانت الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة فكرة خطيرة وغريبة، إلا أنها كانت التحول الأول والحركة الإيجابية التي أسهمت في إيجاد أول محضن للإنسان والبشرية حتى تعيش في حضارة وفكر وعقيدة جديدة. ففي المدينة المنورة عاش الجميع الإسلام بمنهجيته التي تسهم في تحول الإنسان من العبودية لأي شيء مادي مخلوق فانٍ إلى التحرر من تلك العبودية الفاشية إلى عبودية خالق كل الأكوان والكائنات الذي ليس له بداية ولا ينتهي. ففي هذا المحضن تربى الصحابة رضوان الله عليهم، تعلموا القراءة والكتابة، وتحرروا فكريًا ونفسيًا ووجدانيا، فأوجد صلى الله عليه وسلم ذلك الجيل النموذجي الفريد الذي عاش على القرآن الكريم وفكره ومنهجه، هؤلاء هم الذين قادوا البشرية بعد ذلك إلى تلك الحضارة التي أضاءت نور الكون.
الحكومة الإسلامية؛ في المدينة المنورة صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أول نموذج مثالي لدولة كل أفرادها يعيشون كأخوة، فلا يرضى أحد على أحد، وإنما كل إنسان يحافظ على الآخر، في هذا المكان يتم إنشاء الاقتصاد الإسلامي النموذجي والسوق وكيفية تبادل السلع، والبيع والشراء، في هذا المكان أقام كل الإصلاحات الاجتماعية التي كانت تفتقدها البشرية كلها في ذلك العصر والعصور التي قبله والتي جاءت بعده، في ذلك المكان عاشت البشرية في سعادة ورخاء، فكانت الأموال تأتي من كل حدب وصوب فلا يسرقها أحد ولا يأخذ منها أحد حتى تصل لتوضع بين يديّ أمير المؤمنين من غير أي نقصان ليقوم هو وحسب المنهج القرآني بتقسيم كل تلك الأموال على الأفراد بالعدل والمساواة. ذلك المكان وفي المدينة المنورة لم يعش المسلم فحسب بأمن وأمان وإنما عاش كل فرد سواء كان مسلمًا أو غير ذلك، بأمن وأمان، ففي ذلك المكان لم يُظلم أحد.
بناء الإنسان؛ الإنسان كان هو الهدف الأساس للعقيدة والفكر الإسلامي، الإنسان بكامل جزئياته، فلا ينفصل بناء العقل عن الجسم عن الوضع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي والعقائدي وكل جوانبه، لذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اللحظات الأولى ببناء ذلك الإنسان، فلا ترقيع ولا تحطيم، وإنما هو بناء الإنسان منذ لحظاته الأولى إلى الأخيرة، هذا الإنسان عندما تم بناءه بصورة منهجية احترافية صحيحة قام بكل سهولة ببناء الحضارة بكامل معانيها.
الحضارة الإسلامية؛ وكلها سنوات وانتشرت العقيدة والفكر الإسلامي في بقاع كثيرة من العالم، فجاء علماء الفكر والطب والرياضيات وغيرهم ليعيدوا ميزان الحضارة ليرتبط العلم التجريبي التحليلي المجرد ويندمج مع العقيدة والفكر الإسلامي لتنتج للبشرية أعظم العقول والمراجع والمصادر، بهدف قيادة العالم إلى نور الحضارة والفكر الحضاري.
كل هذا بدأ برجل واحد، حمل الفكرة والعقيدة، وضحى بنفسه ووقته وحياته من أجل هذه العقيدة، وها نحن اليوم نحتفل بميلاده وحياته ونحمل فكره إلى الأجيال القادمة، على الرغم من كل تلك الهجمات التي تحاول أن تنال من شخصه الكريم، صلى الله عليه وسلم.
Zkhunji@hotmail.com
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك