العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدارة التغيير الحضاري

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ - 02:00

في‭ ‬لحظة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬الزمن،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الزمن‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬لولادة‭ ‬عظيم،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬جاءت‭ ‬البشرى‭ ‬لعبدالمطلب‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬باحة‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام،‭ ‬تبشره‭ ‬بولادة‭ ‬صبي‭ ‬لولده‭ ‬الذي‭ ‬توفي‭ ‬عبدالله،‭ ‬أشرق‭ ‬وجه‭ ‬الجد،‭ ‬وفرح‭ ‬فرحًا‭ ‬لا‭ ‬يوصف،‭ ‬فسماه‭ (‬محمدًا‭) ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الاسم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مألوفًا‭ ‬في‭ ‬العرب‭ ‬حينئذ‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬خنس‭ ‬ابليس‭ ‬وقبيلته‭ ‬وأولاده‭ ‬كلهم،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬سقط‭ ‬طواغيت‭ ‬العالم‭ ‬وانقبضت‭ ‬كل‭ ‬الأوثان‭ ‬بجميع‭ ‬صورها‭ ‬وأشكالها،‭ ‬حدث‭ ‬شرخ‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الآلهة‭ ‬المادية‭ ‬التي‭ ‬تدعي‭ ‬العبودية‭ ‬والألوهية‭ ‬إذ‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬الأوهام‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يبيعها‭ ‬بأثمان‭ ‬غالية‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬تتزعزع،‭ ‬وأن‭ ‬النور‭ ‬والحضارة‭ ‬والفكر‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬عبودية‭ ‬غير‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬بدأت‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬البشرية‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭.‬

بُعث‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬الظلام‭ ‬يغطي‭ ‬البشرية‭ ‬جمعاء،‭ ‬وكان‭ ‬الظلام‭ ‬لا‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬نوعية‭ ‬معينة،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬والحضارات‭ ‬السابقة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العصر‭ ‬كان‭ ‬الظلام‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬النفس‭ ‬البشرية،‭ ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬العصر‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬التخلف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬والفكري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والإنساني‭ ‬وكل‭ ‬أنواع‭ ‬التخلف‭ ‬والبطش‭ ‬والعبودية‭ ‬والذُل،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬محصورًا‭ ‬في‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬كانت‭ ‬كل‭ ‬البشرية‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الأمرين،‭ ‬لذلك‭ ‬بُعث‭ ‬سيد‭ ‬الخلق‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬لتكون‭ ‬رسالته‭ ‬منهجًا‭ ‬جديدًا‭ ‬لحياة‭ ‬متكاملة‭ ‬مستدامة‭ ‬لكافة‭ ‬البشرية‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العصر‭ ‬وحتى‭ ‬قيام‭ ‬الساعة‭.‬

من‭ ‬هناك‭ ‬بدأت‭ ‬رحلة‭ ‬التغيير‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬وأدارها‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬فنقل‭ ‬الفكر‭ ‬البشري‭ ‬المضطهد‭ ‬والمقيد‭ ‬وحرره‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬القيود‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬الاضطهاد‭ ‬إلى‭ ‬فكر‭ ‬متحرر‭ ‬يفكر‭ ‬ويحلل‭ ‬ويمنهج‭ ‬كل‭ ‬الأمور‭ ‬الحياتية،‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬الحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الإسلامي‭ ‬أوج‭ ‬أعلى‭ ‬قمة‭ ‬وصلت‭ ‬إليها‭ ‬أي‭ ‬حضارة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عهد،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الزمن،‭ ‬والزمن‭ ‬يسأل‭ ‬كيف‭ ‬حدث‭ ‬ذلك؟

كيف‭ ‬قاد‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬التغيير‭ ‬الحضاري؟

لم‭ ‬تكن‭ ‬خطوات‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬عشوائية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التغيير،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬يتبع‭ ‬منظومة‭ ‬إدارية‭ ‬قيادية‭ ‬مرتبة‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬فكره‭ ‬القيادي‭ ‬الذي‭ ‬وهبه‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالي،‭ ‬فكل‭ ‬هذا‭ ‬التغيير‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وليد‭ ‬عشوائية‭ ‬أو‭ ‬صدفة‭ ‬وإنما‭ ‬فكر‭ ‬منظم‭ ‬وممنهج،‭ ‬بهدف‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الغاية‭ ‬العظمى‭ ‬وهو‭ ‬تحرر‭ ‬الإنسان،‭ ‬الفرد،‭ ‬والبشرية‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬العبودية‭ ‬لغير‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬والحياة‭ ‬في‭ ‬سعادة‭ ‬ورضا‭ ‬وأمن‭ ‬مستدام‭. ‬وكانت‭ ‬منهجية‭ ‬إدارة‭ ‬التغيير‭ ‬تتبع‭ ‬الخطوات‭ ‬التالية‭:‬

وجود‭ ‬منهج‭ ‬عقائدي‭ ‬وفكري؛‭ ‬لم‭ ‬يتحرك‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬أعظم‭ ‬منهج‭ ‬للحياة‭ ‬أنزل‭ ‬على‭ ‬البشرية،‭ ‬وهو‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬فهذا‭ ‬المنهج‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬صغيرة‭ ‬وكبيرة‭ ‬يحتاجها‭ ‬الإنسان‭ ‬منذ‭ ‬لحظة‭ ‬ولادته‭ ‬حتى‭ ‬لحظة‭ ‬رحيله‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬الآخر‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المنهج‭ ‬قدم‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬للبشرية‭ ‬فكرة‭ ‬وعقيدة‭ ‬وحياة‭ ‬جديدة‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم،‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬غموض،‭ ‬كلماته‭ ‬واضحة‭ ‬وأفكاره‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا،‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جهد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تناوله،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬خطوة‭ ‬وبعدها‭ ‬يتحرر‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يثقل‭ ‬كاهله‭ ‬من‭ ‬غث‭ ‬وغثاء،‭ ‬الذي‭ ‬حوله‭ ‬إلى‭ ‬شبه‭ ‬إنسان،‭ ‬ليتحول‭ ‬إلى‭ ‬إنسان‭ ‬مفكر‭ ‬ومتحرر‭ ‬ومنطلق‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬بكل‭ ‬سعادة‭ ‬واستدامة،‭ ‬هذا‭ ‬المنهج‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬بكل‭ ‬جزئياته‭.‬

وجود‭ ‬قائد‭ ‬وقيادة؛‭ ‬كان‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬هو‭ ‬القائد،‭ ‬ومركز‭ ‬القيادة‭ ‬لهذا‭ ‬التحول‭ ‬وهذا‭ ‬التغيير‭ ‬العظيم،‭ ‬وذلك‭ ‬بما‭ ‬يمتلك‭ ‬من‭ ‬مؤهلات‭ ‬وقدرات‭ ‬وهبها‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬وقلبه‭ ‬وعقله‭ ‬وجسمه،‭ ‬فتكامل‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬الكامل‭ ‬المثالي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬وتمكن‭ ‬‭ ‬بشهادة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬قرأ‭ ‬سيرته‭ ‬الشريفة‭ ‬بموضوعية‭ ‬‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬البشرية‭ ‬بكل‭ ‬حرفية‭ ‬وجداره‭ ‬نحو‭ ‬النور‭ ‬والتغيير‭ ‬الحضاري‭.‬

خطة‭ ‬عمل؛‭ ‬التغيير‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬الإسلام‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليحدث‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬خطة‭ ‬واضحة‭ ‬ومنهج‭ ‬للتغيير،‭ ‬فالعشوائية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬لنا‭ ‬عملاً‭ ‬إداريًا‭ ‬مهما‭ ‬صغر،‭ ‬فكيف‭ ‬ونحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬تغيير‭ ‬حضاري‭ ‬وفكري‭ ‬وإنساني‭ ‬واضح‭ ‬وممنهج‭. ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬الخطة‭ ‬وضعها‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬فآيات‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬تزخر‭ ‬بكل‭ ‬شيء،‭ ‬حتى‭ ‬الخطط‭ ‬ومنهجيات‭ ‬التغيير،‭ ‬فالقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان،‭ ‬عقله‭ ‬وفكره‭ ‬ومستقبله،‭ ‬وكيف‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬ويتعايش‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬وبقية‭ ‬البشر،‭ ‬وكيف‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬القلم‭ ‬والعلوم‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها‭ ‬وأفكارها،‭ ‬وكل‭ ‬شيء،‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬فهمها‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬وطبقها‭ ‬بكل‭ ‬حرفية‭ ‬ومنهجية‭.‬

البحث‭ ‬عن‭ ‬فريق‭ ‬عمل؛‭ ‬حتى‭ ‬بوجود‭ ‬المنهج‭ ‬والقائد‭ ‬والخطة‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لديه‭ ‬فريق‭ ‬عمل‭ ‬يؤمن‭ ‬بالمنهج‭ ‬والقائد،‭ ‬وكذلك‭ ‬بمنهجية‭ ‬التغيير‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬التغيير،‭ ‬فالقائد‭ ‬وحده‭ ‬وبنفسه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬شيء،‭ ‬لذلك‭ ‬عندما‭ ‬بدأ‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬ينشر‭ ‬منهجه‭ ‬لم‭ ‬ينشره‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬البشر‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬وإنما‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬الأفراد‭ ‬الذين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬الفريق‭ ‬الأول‭ ‬لهذا‭ ‬المنهج،‭ ‬وهم‭: ‬صديق‭ ‬وزوجة‭ ‬وابن‭ ‬العم‭ ‬والخادم‭ ‬والأقرب‭ ‬فالأقرب،‭ ‬هؤلاء‭ ‬كانوا‭ ‬البنية‭ ‬الأولى‭ ‬لهذا‭ ‬التغيير،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬بدأ‭ ‬الفريق‭ ‬يتزايد‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬سماكته‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختراقه،‭ ‬عندئذ‭ ‬نشر‭ ‬الدعوة‭.‬

الانتشار‭ ‬بهدوء‭ ‬وببطء؛‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬ونقصد‭ ‬أثناء‭ ‬وجود‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬في‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة،‭ ‬لم‭ ‬يتصادم‭ ‬مع‭ ‬قبيلته‭ ‬والقبائل‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬يخاطبهم‭ ‬بكل‭ ‬هدوء‭ ‬وعقلانية،‭ ‬وحتى‭ ‬عندما‭ ‬كانوا‭ ‬يخطئون‭ ‬في‭ ‬حقه‭ ‬وحق‭ ‬بقية‭ ‬من‭ ‬أسلم،‭ ‬لم‭ ‬يطالب‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬المسلمين‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬سيفه‭ ‬ويقاتل،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يقتص‭ ‬لنفسه،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الاضطهاد‭ ‬الذي‭ ‬عاشه‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الدعوة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬كان‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬الفكر‭ ‬والعقيدة‭ ‬الإسلامية‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬عقل‭ ‬وقلب،‭ ‬فإن‭ ‬كلمات‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬عندما‭ ‬تلامس‭ ‬شغاف‭ ‬القلوب‭ ‬فإنها‭ ‬تفعل‭ ‬الأفاعيل‭. ‬

البحث‭ ‬عن‭ ‬محضن؛‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تتميز‭ ‬بالهدوء‭ ‬والبطيء،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قابعًا‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬ينتظر‭ ‬النصر‭ ‬السماوي،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬لو‭ ‬طلبه‭ ‬لاستجاب‭ ‬له‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬كان‭ ‬يوقن‭ ‬أنه‭ ‬يحمل‭ ‬منهج‭ ‬التغيير‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صبر‭ ‬وفكر‭ ‬وتروٍ‭ ‬وأمور‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سهلة،‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬ينتقل‭ ‬بين‭ ‬القبائل‭ ‬بهدف‭ ‬إيجاد‭ ‬محضن‭ ‬للفكرة‭ ‬والعقيدة‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬التغيير،‭ ‬فوجدها‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭.    ‬

الهجرة‭ ‬العظيمة‭ ‬والتحول‭ ‬الحضاري؛‭ ‬كانت‭ ‬الهجرة‭ ‬النبوية‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬فكرة‭ ‬خطيرة‭ ‬وغريبة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬التحول‭ ‬الأول‭ ‬والحركة‭ ‬الإيجابية‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬أول‭ ‬محضن‭ ‬للإنسان‭ ‬والبشرية‭ ‬حتى‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬حضارة‭ ‬وفكر‭ ‬وعقيدة‭ ‬جديدة‭. ‬ففي‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬عاش‭ ‬الجميع‭ ‬الإسلام‭ ‬بمنهجيته‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تحول‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬لأي‭ ‬شيء‭ ‬مادي‭ ‬مخلوق‭ ‬فانٍ‭ ‬إلى‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬العبودية‭ ‬الفاشية‭ ‬إلى‭ ‬عبودية‭ ‬خالق‭ ‬كل‭ ‬الأكوان‭ ‬والكائنات‭ ‬الذي‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬بداية‭ ‬ولا‭ ‬ينتهي‭. ‬ففي‭ ‬هذا‭ ‬المحضن‭ ‬تربى‭ ‬الصحابة‭ ‬رضوان‭ ‬الله‭ ‬عليهم،‭ ‬تعلموا‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬وتحرروا‭ ‬فكريًا‭ ‬ونفسيًا‭ ‬ووجدانيا،‭ ‬فأوجد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬ذلك‭ ‬الجيل‭ ‬النموذجي‭ ‬الفريد‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬على‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وفكره‭ ‬ومنهجه،‭ ‬هؤلاء‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬قادوا‭ ‬البشرية‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الحضارة‭ ‬التي‭ ‬أضاءت‭ ‬نور‭ ‬الكون‭.‬

الحكومة‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬صنع‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬أول‭ ‬نموذج‭ ‬مثالي‭ ‬لدولة‭ ‬كل‭ ‬أفرادها‭ ‬يعيشون‭ ‬كأخوة،‭ ‬فلا‭ ‬يرضى‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬أحد،‭ ‬وإنما‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬الآخر،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬يتم‭ ‬إنشاء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإسلامي‭ ‬النموذجي‭ ‬والسوق‭ ‬وكيفية‭ ‬تبادل‭ ‬السلع،‭ ‬والبيع‭ ‬والشراء،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬أقام‭ ‬كل‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تفتقدها‭ ‬البشرية‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العصر‭ ‬والعصور‭ ‬التي‭ ‬قبله‭ ‬والتي‭ ‬جاءت‭ ‬بعده،‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬عاشت‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬سعادة‭ ‬ورخاء،‭ ‬فكانت‭ ‬الأموال‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬حدب‭ ‬وصوب‭ ‬فلا‭ ‬يسرقها‭ ‬أحد‭ ‬ولا‭ ‬يأخذ‭ ‬منها‭ ‬أحد‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬لتوضع‭ ‬بين‭ ‬يديّ‭ ‬أمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أي‭ ‬نقصان‭ ‬ليقوم‭ ‬هو‭ ‬وحسب‭ ‬المنهج‭ ‬القرآني‭ ‬بتقسيم‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الأموال‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬بالعدل‭ ‬والمساواة‭. ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬وفي‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬لم‭ ‬يعش‭ ‬المسلم‭ ‬فحسب‭ ‬بأمن‭ ‬وأمان‭ ‬وإنما‭ ‬عاش‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬مسلمًا‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك،‭ ‬بأمن‭ ‬وأمان،‭ ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬لم‭ ‬يُظلم‭ ‬أحد‭.‬

بناء‭ ‬الإنسان؛‭ ‬الإنسان‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الهدف‭ ‬الأساس‭ ‬للعقيدة‭ ‬والفكر‭ ‬الإسلامي،‭ ‬الإنسان‭ ‬بكامل‭ ‬جزئياته،‭ ‬فلا‭ ‬ينفصل‭ ‬بناء‭ ‬العقل‭ ‬عن‭ ‬الجسم‭ ‬عن‭ ‬الوضع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والنفسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬والعقائدي‭ ‬وكل‭ ‬جوانبه،‭ ‬لذلك‭ ‬قام‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬منذ‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬ببناء‭ ‬ذلك‭ ‬الإنسان،‭ ‬فلا‭ ‬ترقيع‭ ‬ولا‭ ‬تحطيم،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬منذ‭ ‬لحظاته‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬الأخيرة،‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬عندما‭ ‬تم‭ ‬بناءه‭ ‬بصورة‭ ‬منهجية‭ ‬احترافية‭ ‬صحيحة‭ ‬قام‭ ‬بكل‭ ‬سهولة‭ ‬ببناء‭ ‬الحضارة‭ ‬بكامل‭ ‬معانيها‭. ‬

الحضارة‭ ‬الإسلامية؛‭ ‬وكلها‭ ‬سنوات‭ ‬وانتشرت‭ ‬العقيدة‭ ‬والفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬بقاع‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬فجاء‭ ‬علماء‭ ‬الفكر‭ ‬والطب‭ ‬والرياضيات‭ ‬وغيرهم‭ ‬ليعيدوا‭ ‬ميزان‭ ‬الحضارة‭ ‬ليرتبط‭ ‬العلم‭ ‬التجريبي‭ ‬التحليلي‭ ‬المجرد‭ ‬ويندمج‭ ‬مع‭ ‬العقيدة‭ ‬والفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬لتنتج‭ ‬للبشرية‭ ‬أعظم‭ ‬العقول‭ ‬والمراجع‭ ‬والمصادر،‭ ‬بهدف‭ ‬قيادة‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬نور‭ ‬الحضارة‭ ‬والفكر‭ ‬الحضاري‭.‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬بدأ‭ ‬برجل‭ ‬واحد،‭ ‬حمل‭ ‬الفكرة‭ ‬والعقيدة،‭ ‬وضحى‭ ‬بنفسه‭ ‬ووقته‭ ‬وحياته‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬هذه‭ ‬العقيدة،‭ ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬اليوم‭ ‬نحتفل‭ ‬بميلاده‭ ‬وحياته‭ ‬ونحمل‭ ‬فكره‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الهجمات‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تنال‭ ‬من‭ ‬شخصه‭ ‬الكريم،‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭.‬

 

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا