تواصل حكومات غربية دعمها السياسي والعسكري غير المشروط لتل أبيب، في الوقت الذي تتصاعد فيه الاتهامات الدولية ضد حكومة إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في غزة، متجاهلة الرأي العام المحلي والقانون الدولي. وبينما يندر أن يقدم مسؤول غربي استقالته احتجاجًا على هذه السياسات، برزت استقالة وزير الخارجية الهولندي، كاسبار فيلدكامب، كموقف فاصل يعكس انقسامًا داخليًا نادرًا في صفوف السلطة.
بعد مرور 23 شهرًا على الدمار الهائل والمعاناة المستمرة التي ألحقها الجيش الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني في غزة، يزداد التباعد بين سياسات الحكومات الغربية الداعمة لحكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة، ومواقف الشعوب التي تدّعي هذه الحكومات تمثيلها.
ورغم الإدانات الواسعة لهذه السياسات التي مكّنت إسرائيل من الاستمرار في محاولتها إبادة الفلسطينيين – بما في ذلك، وليس حصراً، توفير غطاء دبلوماسي من المساءلة، وتسهيل بيع الأسلحة، ورفض الالتزام بأحكام القانون الدولي من قبل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية – لم يُسجَّل حتى الآن أي انسحاب من حكومات لندن أو باريس أو بروكسل أو روما من قبل مسؤولين بارزين، في ظل تصاعد الاتهامات لتواطؤ الغرب في جرائم الحرب المستمرة.
وفي حين أعرب عدد من البرلمانيين ومسؤولي وزارات الخارجية عن اعتراضاتهم، بل واستقال بعضهم للانضمام إلى أحزاب جديدة أو التحدث علنًا، جاءت استقالة كاسبار فيلدكامب، وزير الخارجية الهولندي المنتمي لحزب العقد الاجتماعي الجديد الوسطي، لتشكّل سابقة نادرة. فقد قدّم استقالته من الحكومة في أعقاب رفضها فرض عقوبات على إسرائيل، بالتزامن مع تجدّد الهجمات على غزة في أغسطس 2025، واستمرار المخططات الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة.
وفي اليوم ذاته، أعلن خبراء التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي انتشار مجاعة من صنع الإنسان بالكامل في غزة، ما أعاد طرح السؤال حول مدى استعداد مسؤولين منتخبين في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ودول غربية أخرى – وكذلك في الاتحاد الأوروبي – للاستمرار في حكومات باتت تُتهم علنًا بالتواطؤ في جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين.
ومع تزايد القصف والتدمير منذ أكتوبر 2023، أظهر استطلاع رأي أجرته شركة إبسوس للأبحاث في هولندا في أبريل 2025 أن 15% فقط من المواطنين يؤيدون موقف حكومتهم في مواصلة التعاون مع حكومة نتنياهو. وفي يونيو 2025، خرج ما يقرب من 150,000 شخص في مظاهرة حاشدة بمدينة لاهاي – مقر محكمتَي العدل والجنائية الدوليتين – مطالبين الحكومة باتخاذ موقف أكثر حزمًا ضد الجرائم الإسرائيلية. ووصفت صحيفة الغارديان هذا الاحتجاج بأنه الأكبر في البلاد منذ أكثر من عقدين. ورغم تعهّد ديك شوف، رئيس الوزراء الهولندي، أمام المتظاهرين بأن حكومته تعمل باستمرار على إيجاد أفضل السبل لوقف العنف وإنهاء الحصار الإنساني، إلا أن أفعال الحكومة على الأرض ظلت محدودة.
وبالتوازي مع حكومات أوروبية أخرى، أصدرت الحكومة الهولندية بيانًا مشتركًا يُدين خطة الضم الإسرائيلية الجديدة في الضفة الغربية، والتي تفاخر بها بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، باعتبارها تعني محو أي احتمال لدولة فلسطينية مستقلة. ومع ذلك، لم يتبع البيان سوى إجراءات رمزية.
أوضح جان بيير ستروبانتس، من صحيفة لوموند، كيف أن فيلدكامب، بصفته سفيرًا سابقًا لهولندا في إسرائيل (2011–2015)، كان يدعو إلى تغيير حذر في السياسة الهولندية تجاه تل أبيب، وطلب في مايو 2025 من المفوضية الأوروبية مراجعة مدى انتهاك حكومة نتنياهو لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي المبرمة في عام 2000.
وفي 22 أغسطس، ومع اختتام اجتماع الحكومة الهولندية، أعلن فيلدكامب استقالته من منصبه، واصفًا الوضع السياسي بـالمأزق، وقال إنه فقد الثقة الكافية بزملائه داخل الحكومة لإفساح المجال خلال الأسابيع أو الأشهر أو حتى العام المقبل لرسم المسار الذي يراه ضروريًا. وفي منشور لاحق، حذر من أننا نعيش في حقبة توتر جيوسياسي غير مسبوقة، حيث تزداد الحاجة إلى الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى.
وقد حمّل حزب فيلدكامب شركاءه في الائتلاف – حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية وحركة المزارعين والمواطنين – مسؤولية تجاهل الوضع المثير للقلق في غزة، ورفض اتخاذ إجراءات جادة لمحاسبة إسرائيل. وعلى إثر ذلك، استقال جميع وزراء حزب العقد الاجتماعي الجديد من الحكومة الهولندية، ما أضعفها أكثر بعد انسحاب حزب الحرية اليميني المتطرف في يونيو، مما دفع إلى إجراء انتخابات عامة كانت مقررة في أكتوبر.
وكما هو الحال في هولندا، أظهرت استطلاعات الرأي في عموم أوروبا الغربية تراجعًا كبيرًا في شعبية إسرائيل: إذ بلغت -44 في ألمانيا، -46 في المملكة المتحدة، -48 في فرنسا، -52 في إيطاليا، -54 في الدنمارك، و-55 في إسبانيا. ومع ذلك، ظل وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا متمسكين بسياساتهم المؤيدة لإسرائيل رغم الانتهاكات المستمرة.
وفي هذا السياق، تبرز حالة مشابهة في بريطانيا، وهي استقالة وزير الخارجية الأسبق روبن كوك من حكومة توني بلير عام 2003، احتجاجًا على الغزو البريطاني للعراق، حيث صرّح وقتها بأنه غير مستعد لتحمّل المسؤولية الجماعية عن قرار لا يحظى بـاتفاق دولي أو دعم شعبي، وهي لحظة لا تزال تُمثّل مرجعًا أخلاقيًا لوزراء الخارجية الذين يواجهون مواقف مشابهة اليوم.
على النقيض من مواقف بعض الدول الغربية، قوبل رفض وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، فرض عقوبات صارمة أو محاسبة حقيقية لإسرائيل على جرائمها في غزة، بالإضافة إلى معارضته لوقف الدعم العسكري المباشر لها، بإدانات متزايدة، واعتُبر ذلك تواطؤًا في جرائم الحرب ضد الفلسطينيين. ورغم توقيعه مع 20 وزير خارجية آخر على بيان في 21 أغسطس يُدين التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، فقد رفض بشدة وقف صادرات الأسلحة البريطانية لإسرائيل.
تعكس هذه المواقف تناقضات حكومة السير كير ستارمر العمالية، التي أعلنت مؤخرًا التزامًا متأخرًا بالاعتراف المشروط بالدولة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة المقررة في سبتمبر، بينما تمارس في الوقت نفسه سياسات قمعية ضد التضامن الشعبي مع الفلسطينيين. ومن أبرز تلك السياسات حظر جماعة فلسطين أكشن واعتبارها منظمة إرهابية، وهو القرار الذي وصفه المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بأنه مقلق. وقد أسفرت هذه السياسات عن اعتقال أكثر من 500 شخص في بريطانيا لدعمهم الجماعة المحظورة.
أشار جون رينتول، الأستاذ الزائر في كلية كينجز لندن والمعلق السياسي في صحيفة الاندبندنت، إلى أوجه التشابه بين انقسام نواب حزب العمال اليوم حول غزة وانقسامهم سابقًا بشأن حرب العراق، مؤكدًا أن استقالة روبن كوك كانت مجرد قمة جبل الجليد آنذاك.
وهكذا، ففي حال أقدم مسؤول حكومي رفيع المستوى في بريطانيا ــ أو في فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا أو الاتحاد الأوروبي ــ على الاستقالة احتجاجًا على السياسات المتبعة تجاه إسرائيل وغزة، فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى موجة أوسع من الانتقادات الداخلية والرفض من قبل صانعي القرار الآخرين. ومع ذلك، فإن مواقف القادة الغربيين المتعنتة تتجلى في كيفية قمعهم للمعارضة داخل وزارات خارجيتهم.
وقد سُجلت بالفعل استقالات من مسؤولين في وزارتي الخارجية البريطانية والأمريكية بسبب السياسات المتعلقة بغزة، لكن الحكومات احتوت آثارها بالتجاهل والتشجيع الضمني على الاستقالة. ففي يونيو 2025، رفضت الحكومة البريطانية نشر تقييم داخلي أُجري في 2024 حول احتمال وقوع إبادة جماعية في غزة، رغم رسائل القلق الموجهة إلى لامي. وأبلغ كبار موظفي الخدمة المدنية، السير أوليفر روبنز ونيك داير، الموظفين بأن الاستقالة هي ملاذهم الوحيد، وهو ما وصفه ساشا ديشموك، المدير التنفيذي لمنظمة العفو الدولية في بريطانيا، بأنه رسالة مخيفة تؤكد أن المعارضة المبدئية في قضايا القانون الدولي باتت غير مرحب بها بشكل صريح. كما أبرز هذا الموقف مدى عدم اكتراث صناع القرار في وستمنستر بعدم تطابق قراراتهم مع الرغبات المعلنة للجمهور البريطاني الأوسع.
وفي السياق ذاته، يواصل جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال السابق، مساعيه لعقد محكمة مستقلة تبحث في تواطؤ بريطانيا بمحاولة إبادة الفلسطينيين، بمشاركة شخصيات بارزة مثل فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة بالأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي الولايات المتحدة، أشار ماثيو داس من مركز السياسة الدولية إلى أن الرئيس السابق جو بايدن وفريقه، بمن فيهم وزير الخارجية حينها أنتوني بلينكن، قد ضلّلوا الرأي العام بشأن ما يحدث في غزة، من خلال التستر على حجم الانتهاكات الإسرائيلية أو تبريرها، مؤكدًا أن الوقت قد حان لمحاسبتهم.
وفي هولندا، تولى روبن بريكلمانز حقيبة الخارجية بعد استقالة فيلدكامب، لكنه رفض وقف مبيعات السلاح لإسرائيل أو استقبال أطفال غزة الجرحى للانضمام إلى أقاربهم داخل البلاد. واعتبره النائب ستيفان فان بارل ملطخًا بالدماء، متوعدًا بمحاسبته. وقد كشف تقرير ألبانيز في يونيو 2025 كيف أن شركات غربية كبرى مثل مايكروسوفت وأمازون وجوجل جنَت أرباحًا طائلة من شراكتها مع الاحتلال الإسرائيلي دون رقابة تُذكر من الحكومات الغربية.
وأخيرًا، فإن استقالة فيلدكامب، كما أوضح إيدي فان هيوم نائب رئيس الوزراء الهولندي، جاءت بعد شعوره بالعجز عن اتخاذ تدابير حازمة ضد إسرائيل، وهي حالة تتكرر في حكومات غربية عدة. وكما شدد داس، فإن المسؤولين القلائل الذين تجرؤوا على الاستقالة كان لديهم الشجاعة لقول لا، لكن الأغلبية اختارت الصمت والمشاركة في التواطؤ.
غير أن مسار حملة التدمير التي شنتها إسرائيل في غزة أظهر، في نهاية المطاف، أن الغالبية العظمى من المسؤولين الحكوميين لم يكونوا مستعدين لاتخاذ موقف علني ضد الس
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك