أشار الباحث والمؤرخ البحريني بشّار الحادي في المدوّنة المهتمّة بنشر تراث الخليج، أن مُقبل الذكير كان أول أو ثاني من امتلك سيارة في البحرين والخليج منذ عام 1910، أي أن البحرين كانت أول من شهدت عصر دخول المركبات وأول من وضعت قوانين السير وتنظيم المرور في منطقة الخليج العربي، ومنذ ذلك الوقت والبحرين بلد يُضرب بها المثل في ثقافة احترام قوانين السير وتنظيم المرور وهكذا نشأ أهل البحرين ومن عاش بينهم في الحفاظ والتقيد بهذه الأنظمة والقوانين التي أصبحت علامة فارقة في ثقافة المجتمع البحريني وحبه للنظام.
في السنوات الأخيرة تنامت ظاهرة عدم التقيد بأنظمة وقوانين السير في مملكتنا الحبيبة، هذه الظاهرة دخيلة على مجتمعنا البحريني ولم نعهدها سابقاً فالبحرين كانت ومازالت بلداً متحضراً يحترم القوانين وأنظمة المرور والسير، اكتسبت هذه السمعة الطيبة لما يزيد على قرن ونيف بل إن هذه السمعة رسمت للبحرين مكانة عالمية وسمة من سمات التحضر والرقي، لكن مع الأسف في الآونة الأخيرة لوحظ أن عدم الالتزام بالقوانين المرورية تزايد من قبل المواطنين والوافدين بنسب مختلفة، أما المواطن المتجاوز والمستهتر فيعلم يقيناً بالأنظمة والثقافة المرورية ولكنه يخالفها إما لعدم خوفه من العقوبة وإما لطيش ورعونة، ونعتقد أن العقوبات الجديدة التي تم تشريعها سوف تُعيد هؤلاء المستهترين إلى صوابهم.
أما الوافد الذي حصل على رخصة سياقة بحرينية، فالبعض منهم يحترم القوانين بشكل صارم، وهؤلاء نقدر لهم هذا الحس الواعي نظراً إلى قدومهم من دول ذات أنظمة مرورية صارمة مما يساعد على نقل سلوكيات إيجابية من احترام القانون والتقيد به إلى المجتمع البحريني، والبعض منهم يستخدمون الطريق بثقافتهم التي اكتسبوها في بلدانهم، فبعضهم يأتون من بيئات لا تُعير قوانين المرور أي اهتمام مما يؤدي إلى سلوكيات غير منضبطة أو جهل بالقوانين المحلية فنقلوا هذه الثقافة ومارسوها بكل سلبياتها فأصبح هؤلاء الوافدون يهيمون في مركبات كثير منها لم يتم تجديد تسجيلها لدى الإدارة العامة للمرور وهذا فيه مخالفة وخروج عن الأنظمة والقوانين المعمول بها ناهيك عن عدم التقيد بالقوانين التي شرعتها مملكة البحرين، كذلك الاختلاف في العادات والقيم بين الوافدين قد يؤدي إلى سوء فهم أو عدم احترام بعض القوانين وخصوصاً تلك المرتبطة بالسلوك العام أو قواعد السير.
وجود الوافدين يتطلب أن تكون الأنظمة أكثر وضوحاً وتنظيماً ولا بد من تكثيف عمليات التوعية بين الجاليات بمختلف اللغات، بغية تحسين آليات تطبيق القوانين وتعزيز الرقابة والحفاظ على هذا الارث الذي اكتسبته البحرين وتفاخر به، كما أن تعزيز ثقافة احترام القانون وأنظمة السير يعد أساساً في بناء مجتمع آمن ومنظم، فاحترام القوانين المرورية يقلل من الحوادث ويحفظ الأرواح والممتلكات، كما يسهم في انسيابية الحركة وتجنب الازدحام والفوضى، إلى جانب ذلك التزام الأفراد بالنظام يعكس مستوى الوعي والتحضر في المجتمع وعندما يُدرك الناس أن القوانين وُضعت من أجل سلامتهم يُصبح احترامها سلوكاً نابعاً من القناعة لا مجرد خوف من العقوبة.
النموذج السنغافوري في توعية الجاليات الوافدة اليها إما للسياحة وإما للإقامة يبدأ منذ نزول الوافد في المطار، حيث يتم تسليمه كتيبات بلغات مختلفة (إنجليزي، صيني، مالي، تاميلي) تعرّف بأنظمة المرور، كما أنهم يتبعون نظاما صارما جداً فأي مخالف للأنظمة والقوانين يُغرم مرتكبها بشكل فوري وقد يصل الأمر إلى الطرد من البلاد، ويستخدم الجميع تطبيقا ذكيا يعطي تنبيهات مرورية بلغة الشخص أيًّا كانت، كذلك السويد عندما زاد عدد اللاجئين والوافدين إلى السويد وخاصة من دول فيها نظام مرور مختلف تمامًا، تم إلزام جميع الوافدين بحضور دورات إلزامية مجانية حول قوانين المرور، الكورسات تتم بـ6 لغات مختلفة وفيها محاكاة للحوادث، فأصبح الوافد مُلزماً بأخذ تدريب قبل أن يقود حتى دراجة هوائية، فكانت النتيجة التزام ما يزيد على 92% من الوافدين بأنظمة وقوانين السير وانخفضت نسبة المخالفات بنسبة 35%.
كذلك فإن السعودية اليوم باتت تشدد على ضرورة الالتزام بقوانين وأنظمة المرور لدرجة أن البعض أرهق من كثرة الغرامات المرورية، ولكن الهدف من ذلك هو خلق سلوك مروري منظبط، وهذه قناعة بضرورة الالتزام بنظام السير في الطريق وجعله منهج حياة، لأن الشوارع ونظام السير أصبح مرآة تعكس ثقافة المجتمع.
وحتى نحافظ على هذا الإرث أتمنى ألا نهمل تشديد الرقابة المرورية والتزود بكل ما هو حديث من أنظمة المراقبة والتنظيم لعملية سير المركبات وحماية الأرواح والسلامة المرورية في شوارعنا. من جانب آخر، فإن عملية التوعية المرورية واحترام الأنظمة والقوانين لا تقتصر على الإدارة العامة للمرور فقط بل هي ثقافة مجتمع لا بد من نقلها وممارستها وفرضها على كل وافد مُقيم في البحرين إما بصورة مباشرة وإما بطرق غير مباشرة، ولعلي استذكر قصة أحد الزائرين لألمانيا قبل بضع سنوات، يقول: هممت أنا وزوجتي بعبور الشارع من ضفة إلى أخرى دون أن نتقيد بخطوط المشاة، وإذا بي أرى أعين الناس ترمقني وكأني ارتكبت جُرماً لا يُغتفر، هكذا يتم توعية الآخرين بطرق غير مباشرة بأهمية التقيد بالأنظمة والقوانين.
سلاماً لأولئك الذين يجبروننا على شكرهم واحترامهم لتقيدهم وانضباطهم بالأنظمة والقوانين المرورية في بلدنا، وكم نحن ممتنون لأمثال هؤلاء أيًّا كانت جنسياتهم ومستوياتهم الفكرية والثقافية، فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك