مع إشراقة عام دراسي جديد، يطيب لنا أن نُهنئ الهيئات الإدارية والتعليمية وأولياء الأمور والطلبة في مملكة البحرين، راجين أن يكون عامًا حافًلا بالإنجازات التعليمية النوعية، والتقدم المهني والعلمي. وفي هذا السيّاق، لا يفوتنا أن نُثمّن جهود وزارة التربية والتعليم التي تواصل التزامها الوطني بتوفير بيئة تعليمية متكاملة وفق معايير وأسس مستدامة تعزز من جودة التعليم الشامل في المملكة، بما يتماشى مع الرؤية الوطنية للمملكة، وأهداف التنمية المستدامة. وفي خطوة نوعية واستباقية ضمن هذه الجهود، أعلنت وزارة التربية والتعليم إطلاق تجربة غذائية متميزة لجميع طلبة المدارس الحكومية، ابتداءً من العام الدراسي الجديد 2025/2026، وذلك بالتعاون مع شركات وطنية مرموقة في القطاع الخاص، لتوفير وجبات غذائية صحية ومتوازنة وفق أعلى معايير الجودة والسلامة الغذائية. وتراعي هذه الوجبات احتياجات الطلبة الغذائية، بما في ذلك السعرات الحرارية والعناصر التي تعزز النمو الجسدي والمعرفي.
إن هذه التجربة لا تندرج فقط ضمن إطار تحسين جودة الحياة المدرسية، بل تمثل تطبيقًا مباشرًا للهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع، وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة، حيثُ إن الصحة الجسدية والعقلية هي شرطُ أساسي لتحقيق الاستيعاب والتعلم، والاندماج في العمليات التعليمية في الصفوف الدراسية والبيئة المدرسية. ولأن التغذية السليمة عنصر أساسي في قدرة الطالب على التركيز والتعلم والنمو الذهني، فإن توفير وجبات غذائية صحية يسهم في تقليل الفجوات التعليمية المرتبطة بالتغذية. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التركيز على نوعية الأغذية المقدمة، إذا قد لا تناسب بعض المكونات مثل البقوليات أو الأطعمة الغنية بالسكريات أو الدهون مع حالات بعض الطلبة من ذوي الأمراض المزمنة أو الوراثية. ممن قد يتناولون هذه الأطعمة دون علم أولياء أمورهم، مما يشّكل خطرًا على صحتهم. ويمكن في هذا السياق تخصيص بطاقات صحية تُسلّم لمقدمي الطعام، توضح طبيعة النظام الغذائي المناسب لكل طالب لديه حالة صحية موثقة، بما يعزز السلامة ويؤكد شمولية المبادرة ومواءمتها لكافة فئات الطلبة.
تمثل هذه التجربة امتدادًا طبيعيًا لأولويات الحكومة في البحرين، وانعكاسًا للرؤية الوطنية التي تضع الإنسان في قلب التنمية، وتعتبر الاستثمار في المواطن أساس كل تقدم، تحت رعاية حكيمة لجلالة الملك المفدى حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وسمو رئيس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس الوزراء، فهي تسهم في بناء بيئة مدرسية مستدامة تهتم بالصحة النفسية والبدنية للطلبة، بما ينسجم مع توجهات الدولة في تعزيز جودة التعليم وربط التحصيل الدراسي بالبيئة الصحية السليمة. وهي إلى ذلك تدعم توجه الحكومة نحو تعزيز الأمن الغذائي من خلال تشجيع الاستفادة من المنتجات الزراعية المحلية، وترسيخ وعي جديد لدى الناشئة بأهمية الزراعة كرافد من روافد التنمية المستدامة.
ومن جانب آخر، فإن إشراك الأسرة والمجتمع في هذه التجربة يعكس أولوية الحكومة في تعزيز الشراكة المجتمعية، باعتبارها ركيزة من ركائز النهضة الوطنية.
لذا فإن تجربة التغذية المدرسية ليست مجرد تقديم أطعمة صحية للطلبة، بل هي مشروع وطني متكامل يجمع بين التعليم والصحة، ويترجم حرص الدولة على إعداد جيل يتمتع بالوعي والمعرفة والقدرة على تحمل مسؤولياته المستقبلية. إنها رؤية تعليمية وصحية تتقاطع مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030 التي تقوم على مبادئ الاستدامة والعدالة والتنافسية، بما يجعلها مؤهلة لتكون نموذجًا يُحتذى به خليجيا وإقليميا. وهكذا تصبح المدرسة أكثر من مكان للتعلم الأكاديمي، بل فضاءً للحياة الكريمة والنمو الشامل، وجسرًا حقيقيًا لبناء الوطن على أسس متينة ومزيجًا من العلم والصحة والانتماء.
ولأهمية أثر هذه المبادرة الوطنية الرائدة، يبرز التساؤل حول كيفية ضمان استمراريتها وتوسيع نطاقها لتبقى فاعلة على المدى الطويل. فنجاح المشروع لا يتوقف عند إطلاقه، بل يتطلب منظومة متكاملة من الممارسات والبرامج التي تضمن له الاستدامة، وتحوّله من تجربة مدرسية إلى نموذج وطني يحتذى بها، حيثُ إن مبادرة التغذية المدرسية ليست مجرد وجبة تُقدَّم للطلبة، بل هي مشروع وطني متكامل يسعى لغرس ثقافة صحية وتربوية جديدة. إشراك الطلبة في التقييم والتطوير عبر استبيانات، وجلسات حوارية تضمن استدامة التجربة ونشاطها، ويمنحهم دورًا فاعلًا في تطويرها مستقبًلا، بما يتناسب مع احتياجاتهم وتطلعاتهم.
أما على مستوى الاقتصاد الوطني، فإن ربط المشروع بالمنتجات الزراعية المحلية يفتح آفاقًا واسعة لتعزيز الأمن الغذائي ودعم المزارع البحرينية. ثم إن توعية الطلبة بأهمية التوجه نحو زراعة محاصيل زراعية والاستفادة منها في إعداد غذاء صحي يسهم في غرس قيم الاعتماد على الذات، ويعزز الانتماء للأرض والمنتج الوطني. ومع دمج مفاهيم التغذية السليمة في المناهج الدراسية، وتطبيقها عبر ورش عمل وحصص عملية، تتحول المعرفة النظرية إلى أسلوب حياة يومي أكثر وعيًا واستدامة. ولضمان استمرارية الأثر، لا بد من إشراك المجتمع وأولياء الأمور من خلال فعاليات ونشرات توعوية، إلى جانب تشكيل لجان مختصة بالتغذية والتعليم لمتابعة التنفيذ وقياس النتائج الصحية. كما أن الاستفادة من التجارب الناجحة خليجيًا وعالميًا، مثل اليابان وفنلندا، يمنح المبادرة بُعدًا أوسع يمكن من خلاله بناء تجربة رائدة، تجمع بين الخصوصية الوطنية وأفضل الممارسات العالمية.
تمثل تجربة التغذية المدرسية في البحرين خطوة استراتيجية فارقة نحو تعزيز جودة التعليم وبناء جيل يتمتع بالصحة والمعرفة. فهي ليست مجرد مشروع خدمي، بل رؤية متكاملة تعكس عمق التفكير والتخطيط الاستراتيجي الذي تتبناه وزارة التربية والتعليم بقيادة الوزير الدكتور محمد بن مبارك جمعة، في سعيها الدؤوب لخلق بيئة تعليمية مستدامة تجمع بين العلم والصحة والهوية الوطنية.
ومع وضوح الأهداف، والمراجعة المستمرة، والتعاون الوثيق مع الأسرة والمجتمع، يمكن لهذه المبادرة أن تتحول إلى نموذج إقليمي ملهم يضع البحرين في مقدمة الدول الرائدة في الجمع بين التعليم المستنير والصحة المستدامة.
وختامًا، نبعث بأطيب الأمنيات بالتوفيق والنجاح لجميع الطلبة، وكل التقدير للقيادة الرشيدة التي تعمل بحكمة وإصرار من أجل حاضر أكثر إشراقًا ومستقبل تعليمي أكثر رسوخًا.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك