العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

عند الغضب يرحل الأدب

بقلم: د. سعد الله المحمدي

الجمعة ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥ - 02:00

لم‭ ‬أغضب‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬العمليّة‭ ‬إلا‭ ‬مَراتٍ‭ ‬عديدة،‭ ‬وأستغفرُ‭ ‬الله‭ ‬ممّا‭ ‬كان،‭ ‬ولكنْ‭ ‬للأمانة‭ ‬كنتُ‭ ‬أنا‭ ‬الخاسر‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرة‭ ‬انتابتْني‭ ‬فيها‭ ‬موجةُ‭ ‬الغضب،‭ ‬حتّى‭ ‬إنْ‭ ‬كنتُ‭ ‬على‭ ‬حقّ،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭ ‬الرابح‭ ‬وإن‭ ‬كانَ‭ ‬على‭ ‬خطأ‭ ‬واضحٍ‭ ‬بَيّن‭.‬

وأعتقدُ‭ ‬أنّ‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬غضبتُ‭ ‬بسببها‭ ‬وانفعلتُ‭ ‬فيها‭ ‬وكلّفتُ‭ ‬نفسي‭ ‬فيها‭ ‬فوق‭ ‬طاقتها،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬أمورٍ‭ ‬تافهة‭ ‬وصغيرة‭ ‬جدا،‭ ‬بل‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حتى‭ ‬جديرةٍ‭ ‬بالغضب‭ ‬والانفعال،‭ ‬كانَ‭ ‬يمكن‭ ‬حلّها‭ ‬بكلمة‭ ‬طيّبة،‭ ‬وابتسامة‭ ‬صادقة‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬القلب،‭ ‬ولين‭ ‬الحديث،‭ ‬وحُسن‭ ‬التعامل،‭ ‬وبشاشة‭ ‬الوجه،‭ ‬وكظم‭ ‬للغيظ،‭ ‬واحترام‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر،‭ ‬والإحسان‭ ‬إليه،‭ ‬فالرفق‭ ‬كما‭ ‬قيل‭ ‬يُخرجُ‭ ‬الحَيّة‭ ‬مِنْ‭ ‬جُحرها‭.‬

ولقد‭ ‬ندمتُ‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬مرة‭ ‬غضبتُ‭ ‬فيها‭ ‬وجلّدت‭ ‬ذاتي،‭ ‬وكرهتُ‭ ‬سرعة‭ ‬انفعالي،‭ ‬واعتذرتُ‭ ‬لكلّ‭ ‬منْ‭ ‬أغضبني‭ ‬وطلبتُ‭ ‬عفوه‭ ‬وصفحه‭. ‬

هكذا‭ ‬قال‭ ‬صاحبي‭ ‬المعروف‭ ‬بالحلم‭ ‬والصبر‭ ‬وسعة‭ ‬الصدر‭ ‬عندما‭ ‬سألته‭: ‬هل‭ ‬غَضبتَ‭ ‬في‭ ‬حياتك؟

وذكرَ‭ ‬لي‭ ‬أنّ‭ ‬الغضب‭ ‬يُسلب‭ ‬الإنسان‭ ‬عقله،‭ ‬ويعرّضه‭ ‬للخطر‭ ‬في‭ ‬تصرفاته،‭ ‬ويُخرجه‭ ‬من‭ ‬شخصيته‭ ‬الطبيعية‭ ‬المتوازنة‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬أخرى‭ ‬يغلبُ‭ ‬عليها‭ ‬الانفعال‭ ‬والتوتر‭ ‬والتسرّع‭ ‬والطيش‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أعدى‭ ‬أعداء‭ ‬الإنسان‭.‬

ولم‭ ‬أرَ‭ ‬في‭ ‬الأعداءِ‭ ‬حين‭ ‬اختبرتهم‭   ‬

عدوًّا‭ ‬لعقلِ‭ ‬المرءِ‭ ‬أعدَى‭ ‬مِن‭ ‬الغَضَبِ

فالغضب‭ ‬جماعُ‭ ‬الشرّ‭ ‬وأصلُ‭ ‬البلاء‭ ‬وَمَنْ‭ ‬أطاعَ‭ ‬غضبه،‭ ‬أضاعَ‭ ‬أدبه،‭ ‬وأوّلُ‭ ‬الغضب‭ ‬جنونٌ‭ ‬وآخره‭ ‬ندم،‭ ‬ومَنْ‭ ‬يملك‭ ‬زِمَامَ‭ ‬غضبه‭ ‬يملك‭ ‬زمام‭ ‬أعدائه،‭ ‬ويقول‭ ‬ابن‭ ‬المقفع‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬حاججتَ‭ ‬فلا‭ ‬تغضب،‭ ‬فإنّ‭ ‬الغضب‭ ‬يدفعُ‭ ‬عنك‭ ‬الحُجّة‭ ‬ويُظهر‭ ‬عليك‭ ‬الخَصم‮»‬‭. ‬

وقد‭ ‬وصف‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬المؤمنين‭ ‬بكظم‭ ‬الغيظ‭ ‬والعفو‭ ‬عن‭ ‬الناس،‭ ‬فقال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬والكاظمين‭ ‬الغيظ‭ ‬والعافين‭ ‬عن‭ ‬الناس،‭ ‬والله‭ ‬يحب‭ ‬المحسنين‮»‬‭ ‬آل‭ ‬عمران‭: ‬133‭.‬

قال‭ ‬أهل‭ ‬التفسير‭: ‬‮«‬والكاظمين‭ ‬الغيظ‮»‬‭ ‬أي‭: ‬الجارعين‭ ‬الغيظ‭ ‬عند‭ ‬امتلاء‭ ‬نفوسهم‭ ‬منه،‭ ‬والكظمُ‭: ‬حبسُ‭ ‬الشيء‭ ‬عند‭ ‬امتلائه،‭ ‬وكظمُ‭ ‬الغيظ‭ ‬أن‭ ‬يمتلئ‭ ‬غيظا‭ ‬فيردّه‭ ‬في‭ ‬جوفه‭ ‬ولا‭ ‬يُظهره‭.‬

‮«‬والعافين‭ ‬عن‭ ‬الناس‮»‬‭: ‬أي‭ ‬عمّن‭ ‬ظلمهم‭ ‬وأساءَ‭ ‬إليهم‮ ‬بقولٍ‭ ‬أوْ‭ ‬فعلٍ،‭ ‬والعفوُ‭ ‬أبلغ‭ ‬مِنَ‭ ‬الكظم،‭ ‬ولا‭ ‬يكونُ‭ ‬إلا‭ ‬مِمّن‭ ‬تحلّى‭ ‬بالأخلاق‭ ‬الجميلة‭ ‬وَ‭ ‬تَاجَرَ‭ ‬مع‭ ‬الله‭. (‬تفسير‭ ‬البغوي‭ ‬والسعدي‭)‬

وقد‭ ‬شدّد‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬في‭ ‬النهي‭ ‬عن‭ ‬الغضب‭ ‬وجعل‭ ‬امتلاك‭ ‬النفس‭ ‬والسيطرة‭ ‬عليها‭ ‬عند‭ ‬الانفعال‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬البطولة‭ ‬والقوّة‭ ‬فقال‭: ‬‮«‬ليسَ‮ ‬الشَّدِيدُ‮ ‬بالصُّرَعَةِ،‭ ‬إنَّما الشَّدِيدُ‮ ‬الذي‭ ‬يَمْلِكُ‭ ‬نَفْسَهُ‭ ‬عِنْدَ‭ ‬الغَضَبِ‮»‬‭ ‬أخرجه‭ ‬البخاري‭: ‬6114‭.‬

وقيل‭ ‬لابنِ‭ ‬المبارك‭: (‬اجْمَعْ‭ ‬لنا‭ ‬حُسنَ‭ ‬الخلق‭ ‬في‭ ‬كلمة،‭ ‬قال‭: ‬تركُ‭ ‬الغَضَب‭). ‬وقد‭ ‬مدح‭ ‬الشعراء‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬معروفا‭ ‬بالحلم‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الغضب‭ ‬والسخط‭ ‬والبغض،‭ ‬يقول‭ ‬أحدهم‭:‬

من‭ ‬لي‭ ‬بإنسان‭ ‬إذا‭ ‬أغضبته؟‭ ‬

وجهلت‭ ‬كان‭ ‬الحلم‭ ‬ردّ‭ ‬جوابه

ويجدرُ‭ ‬بالمسلم‭ ‬أن‭ ‬يتجنّب‭ ‬الغضب‭ ‬المذموم،‭ ‬ويضبط‭ ‬نفسه،‭ ‬ويتعوّذ‭ ‬بالله‭ ‬من‭ ‬الشيطان‭ ‬الرجيم‭ ‬وأن‭ ‬يذكر‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬وأن‭ ‬يفكرّ‭ ‬في‭ ‬عاقبة‭ ‬الغضب‭ ‬فأحيانا‭ ‬يبني‭ ‬لسنوات،‭ ‬ويهدمه‭ ‬الغضب‭ ‬في‭ ‬ثوان‭ ‬ودقائق،‭ ‬وأن‭ ‬يتفهّم‭ ‬حاجات‭ ‬الناس‭ ‬ويوجد‭ ‬لهم‭ ‬أعذارا‭.‬

وإذا‭ ‬الحبيب‭ ‬أتى‭ ‬بذنب‭ ‬واحد‭ ‬

جاءت‭ ‬محاسنه‭ ‬بألف‭ ‬شفيع

شمعة‭ ‬أخيرة‭:‬

‮«‬كل‭ ‬امرئ‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يغضب،‭ ‬إنّ‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬السهولة،‭ ‬ولكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬غاضباً‭ ‬على‭ ‬الشخص‭ ‬المناسب،‭ ‬وللغاية‭ ‬المناسبة،‭ ‬وبالطريقة‭ ‬المناسبة‭ ‬فليس‭ ‬ذلك‭ ‬بإمكان‭ ‬أحد،‭ ‬وليس‭ ‬سهلا‮»‬‭. (‬أرسطو‭)‬

 

almuhammadie@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا