العدد : ١٧٣٢٥ - الجمعة ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٥ - الجمعة ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

وقت مستقطع

علي ميرزا

أخلاق أم ثقافة؟

في‭ ‬الميادين‭ ‬الرياضية‭ ‬المختلفة،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬المشهد‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬والنتائج،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوزها‭ ‬أحيانا‭ ‬إلى‭ ‬لقطات‭ ‬ومواقف‭ ‬إنسانية‭ ‬تبعث‭ ‬في‭ ‬الجمهور‭ ‬رضا‭ ‬وطمأنينة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬عندما‭ ‬نرى‭ ‬لاعبا‭ ‬يعتذر‭ ‬لمنافسه‭ ‬بعد‭ ‬احتكاك،‭ ‬أو‭ ‬آخر‭ ‬يواسي‭ ‬خصمه‭ ‬بعد‭ ‬خسارة،‭ ‬أو‭ ‬فريقا‭ ‬يحتفي‭ ‬بمجهود‭ ‬الحكم‭ ‬رغم‭ ‬قرار‭ ‬قاس،‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬تبقى‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نقطة‭ ‬أو‭ ‬هدف‭ ‬أو‭ ‬نتيجة،‭ ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬السلوك؟

هل‭ ‬هو‭ ‬ثمرة‭ ‬أخلاق‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬الرياضي‭ ‬الشخصية؟‭ ‬أم‭ ‬انعكاس‭ ‬لثقافة‭ ‬رياضية‭ ‬جماعية‭ ‬يكتسبها‭ ‬اللاعب‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة؟‭ ‬أم‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الاثنين‭ ‬معا‭ ‬الأخلاق‭ ‬والثقافة؟

الأخلاق‭ ‬تمثل‭ ‬البذرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يزرعها‭ ‬البيت‭ ‬والمدرسة‭ ‬والمجتمع‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ ‬الفرد،‭ ‬فإذا‭ ‬نشأ‭ ‬اللاعب‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬الآخر،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الخلق‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬ساحة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬الملعب‭ ‬أو‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬أما‭ ‬الثقافة‭ ‬الرياضية‭ ‬فهي‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يوسع‭ ‬مدارك‭ ‬اللاعب‭ ‬ويصقل‭ ‬سلوكه‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬الرياضية،‭ ‬فهي‭ ‬أي‭ ‬‮«‬الثقافة‭ ‬الرياضية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬قواعد‭ ‬‮«‬اللعب‭ ‬النظيف‮»‬،‭ ‬وتربط‭ ‬الرياضة‭ ‬بالقيم‭ ‬السامية‭ ‬كالتسامح‭ ‬والروح‭ ‬الرياضية‭ ‬والتضامن‭.‬

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬تكون‭ ‬اللحظة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬وليدة‭ ‬تداخل‭ ‬هذين‭ ‬البعدين،‭ ‬من‭ ‬الأخلاق‭ ‬تأتي‭ ‬الفطرة‭ ‬السليمة‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬اللاعب‭ ‬تلقائيا‭ ‬إلى‭ ‬مد‭ ‬يد‭ ‬العون‭ ‬أو‭ ‬الاعتذار،‭ ‬ومن‭ ‬الثقافة‭ ‬الرياضية‭ ‬تأتي‭ ‬القناعة‭ ‬بأن‭ ‬الرياضة‭ ‬ليست‭ ‬خصومة‭ ‬بل‭ ‬منافسة‭ ‬شريفة،‭ ‬وأن‭ ‬الفوز‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يحترم‭ ‬الخاسر‭.‬

إن‭ ‬السلوكيات‭ ‬الجميلة‭ ‬في‭ ‬ملاعبنا‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬تصرفات‭ ‬فردية‭ ‬عابرة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬رسائل‭ ‬صامتة‭ ‬للجمهور،‭ ‬خصوصا‭ ‬للنشء‭ ‬الذي‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬اللاعبين‭ ‬قدوة،‭ ‬وما‭ ‬أحوجنا‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مواقف‭ ‬استثنائية‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬راسخة‭ ‬تتبناها‭ ‬الأندية‭ ‬والاتحادات‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬توعوية‭ ‬وتربوية‭ ‬ممنهجة‭.‬

فالرياضة،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬ليست‭ ‬ميدانا‭ ‬لقياس‭ ‬قوة‭ ‬الجسد‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬مرآة‭ ‬لأخلاق‭ ‬المجتمع‭ ‬وثقافته،‭ ‬وحين‭ ‬يصفق‭ ‬الجمهور‭ ‬لسلوك‭ ‬راق،‭ ‬فإنه‭ ‬يعلن‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬القيم‭ ‬النبيلة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬النتيجة‭ ‬الأجمل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ينتظرها‭ ‬من‭ ‬الرياضيين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مباراة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"علي ميرزا"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا