العدد : ١٧٣٢٥ - الجمعة ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٥ - الجمعة ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

القانون الدولي بين المطرقة الأمريكية والسندان الإسرائيلي

الخميس ٢٨ أغسطس ٢٠٢٥ - 02:00

بصفتها‭ ‬المحكمة‭ ‬الدولية‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬والمختصة‭ ‬بالتحقيق‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬والجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية‭ ‬ومحاسبة‭ ‬مرتكبيها،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مفاجئًا‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬هدفًا‭ ‬للهجمات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬واشنطن‭ ‬كمدافع‭ ‬دولي‭ ‬رئيسي‭ ‬عن‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التاريخية‭ ‬والمستمرة‭ ‬ضد‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬والتي‭ ‬باتت‭ ‬تُوصَف‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬بين‭ ‬الأكاديميين‭ ‬والخبراء‭ ‬القانونيين‭ ‬الغربيين‭ ‬بأنها‭ ‬حملة‭ ‬تطهير‭ ‬عرقي‭ ‬وإبادة‭ ‬جماعية‭ ‬متعمدة‭ ‬تُرتكب‭ ‬في‭ ‬غزة‭.‬

عقب‭ ‬قرار‭ ‬قضاة‭ ‬المحكمة‭ ‬بقبول‭ ‬طلب‭ ‬إصدار‭ ‬مذكرات‭ ‬توقيف‭ ‬دولية‭ ‬بحق‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ويوآف‭ ‬غالانت،‭ ‬وزير‭ ‬دفاعه‭ ‬السابق،‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2024،‭ ‬بتهم‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب،‭ ‬استهدفت‭ ‬واشنطن‭ ‬المحكمة‭ ‬بسلسلة‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وإجراءات‭ ‬حظر‭ ‬السفر‭ ‬التي‭ ‬طالت‭ ‬أعضاء‭ ‬المحكمة‭ ‬وموظفيها‭. ‬وفي‭ ‬أواخر‭ ‬أغسطس‭ ‬2025،‭ ‬وثّقت‭ ‬كريستينا‭ ‬لو،‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬فورين‭ ‬بوليسي،‭ ‬كيف‭ ‬كثّفت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬حملتها‭ ‬العدائية‭ ‬ضد‭ ‬المحكمة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فرض‭ ‬إجراءات‭ ‬عقابية‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬أربعة‭ ‬من‭ ‬قضاة‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬ونائبي‭ ‬المدعي‭ ‬العام،‭ ‬وجميعهم‭ ‬منخرطون‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬تتعلق‭ ‬بانتهاكات‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭.‬

وقد‭ ‬ادّعى‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ماركو‭ ‬روبيو،‭ ‬الذي‭ ‬تقود‭ ‬وزارته‭ ‬جهود‭ ‬عرقلة‭ ‬عمل‭ ‬المحكمة‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬لاهاي‭ ‬مقرًا‭ ‬لها،‭ ‬أن‭ ‬تحقيقات‭ ‬المحكمة‭ ‬تمثل‭ ‬تهديدًا‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬فُسّر‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬بأنه‭ ‬محاولة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لإسكات‭ ‬الإدانات‭ ‬الدولية‭ ‬المتزايدة‭ ‬لجرائم‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ - ‬وهي‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬أشارت‭ ‬شخصيات‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬مثل‭ ‬ساري‭ ‬باشي،‭ ‬المديرة‭ ‬السابقة‭ ‬لبرنامج‭ ‬هيومن‭ ‬رايتس‭ ‬ووتش،‭ ‬إلى‭ ‬تورط‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬المباشر‭ ‬فيها‭.‬

ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب،‭ ‬والتي‭ ‬تهدد‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬مهامها‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬التحقيق‭ ‬مع‭ ‬مجرمي‭ ‬الحرب‭ ‬وملاحقتهم،‭ ‬تزداد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يُظهر‭ ‬الموقعون‭ ‬على‭ ‬المعاهدة‭ ‬التأسيسية‭ ‬للمحكمة،‭ ‬نظام‭ ‬روما،‭ ‬دعمهم‭ ‬المستمر‭ ‬لهذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬الحيوية‭. ‬ويشمل‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬ضمان‭ ‬مثول‭ ‬مجرمي‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬أمام‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬غاب‭ ‬التزام‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬القلة‭ ‬فقط‭ ‬أعربت‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬موقفها‭ ‬من‭ ‬استهداف‭ ‬واشنطن‭ ‬للمحكمة،‭ ‬بينما‭ ‬رفض‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬تمامًا‭ ‬تنفيذ‭ ‬أمر‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬نتنياهو‭ ‬وتسليمه‭.‬

ومنذ‭ ‬تأسيس‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬دأبت‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتعاقبة‭ - ‬سواء‭ ‬جمهورية‭ ‬أو‭ ‬ديمقراطية‭ - ‬على‭ ‬رفض‭ ‬الاعتراف‭ ‬بتحقيقاتها،‭ ‬باستثناء‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تُرفع‭ ‬ضد‭ ‬خصوم‭ ‬واشنطن‭ ‬الجيوسياسيين،‭ ‬مثل‭ ‬إصدار‭ ‬مذكرة‭ ‬التوقيف‭ ‬الدولية‭ ‬بحق‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭. ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬ترامب،‭ ‬وثّقت‭ ‬كريستينا‭ ‬لو‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬خلافه‭ ‬الشخصي‭ ‬مع‭ ‬المحكمة‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ولايته‭ ‬الرئاسية‭ ‬الأولى‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2017‭ ‬و2021،‭ ‬حين‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬مسؤولي‭ ‬المحكمة‭ ‬لموافقتهم‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬تحقيق‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬مزعومة‭ ‬ارتكبها‭ ‬جنود‭ ‬أمريكيون‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬مستغربًا،‭ ‬بعد‭ ‬صدور‭ ‬مذكرات‭ ‬التوقيف‭ ‬بحق‭ ‬نتنياهو‭ ‬وغالانت،‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬ترامب‭ - ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬79‭ ‬عامًا‭ - ‬في‭ ‬يومه‭ ‬الأول‭ ‬بالبيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2025،‭ ‬بإلغاء‭ ‬قرار‭ ‬سلفه‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬القاضي‭ ‬بإنهاء‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬المحكمة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المؤسسي‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬صعّدت‭ ‬إدارته‭ ‬محاولات‭ ‬نزع‭ ‬الشرعية‭ ‬عن‭ ‬المحكمة،‭ ‬عبر‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬جديدة‭ ‬استهدفت‭ ‬أفرادًا‭ ‬محددين‭.‬

وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬وبالتزامن‭ ‬مع‭ ‬زيارة‭ ‬نتنياهو‭ ‬لواشنطن‭ ‬في‭ ‬فبراير،‭ ‬أذنت‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬باستخدام‭ ‬إجراءات‭ ‬تجميد‭ ‬الأصول‭ ‬وحظر‭ ‬السفر‭ ‬ضد‭ ‬الأفراد‭ ‬المتورطين‭ ‬في‭ ‬تحقيقات‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬تشمل‭ ‬أمريكيين‭ ‬وإسرائيليين‭. ‬وكان‭ ‬الهدف‭ ‬الأبرز‭ ‬لهذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬هو‭ ‬المدعي‭ ‬العام‭ ‬للمحكمة،‭ ‬كريم‭ ‬خان‭.‬

وفي‭ ‬خطوة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬اتخذت‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬قرارًا‭ ‬بفرض‭ ‬تدابير‭ ‬عقابية‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬قضاة‭ ‬المحكمة،‭ ‬حيث‭ ‬وجّه‭ ‬ماركو‭ ‬روبيو‭ ‬اتهامات‭ ‬للقاضية‭ ‬سولومي‭ ‬بالونجي‭ ‬بوسا‭ ‬من‭ ‬أوغندا،‭ ‬ولوز‭ ‬ديل‭ ‬كارمن‭ ‬إيبانيز‭ ‬كارانزا‭ ‬من‭ ‬بيرو،‭ ‬ورين‭ ‬أديلايد‭ ‬صوفي‭ ‬ألابيني‭ ‬جانسو‭ ‬من‭ ‬بنين،‭ ‬وبيتي‭ ‬هوهلر‭ ‬من‭ ‬سلوفينيا،‭ ‬بالـمشاركة‭ ‬الفعالة‭ ‬فيما‭ ‬وصفها‭ ‬بأنها‭ ‬أفعال‭ ‬غير‭ ‬مشروعة‭ ‬ولا‭ ‬أساس‭ ‬لها‭ ‬تستهدف‭ ‬أمريكا‭ ‬وحليفتنا‭ ‬الوثيقة‭ ‬إسرائيل‭.‬

بعد‭ ‬استهداف‭ ‬المقرّرة‭ ‬الخاصة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المعنية‭ ‬بالأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬ألبانيز،‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬تسليطها‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬أرباحًا‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬تواجه‭ ‬أربع‭ ‬شخصيات‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬موظفي‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬الآن‭ ‬عقوبات‭ ‬فرضتها‭ ‬حكومة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬أغسطس‭ ‬2025‭.‬

وتشمل‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬كلًا‭ ‬من‭ ‬القاضية‭ ‬الكندية‭ ‬كيمبرلي‭ ‬بروست،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ضمن‭ ‬غرفة‭ ‬الاستئناف‭ ‬التي‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬تحقيق‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬المزعوم‭ ‬ارتكابها‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬الجنود‭ ‬الأمريكيين‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬والفرنسي‭ ‬نيكولاس‭ ‬يان‭ ‬غيو،‭ ‬الذي‭ ‬ترأس‭ ‬لجنة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬المحاكمة‭ ‬التي‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬مذكرات‭ ‬توقيف‭ ‬دولية‭ ‬بحق‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬ويوآف‭ ‬غالانت‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2024،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نائبي‭ ‬المدعي‭ ‬العام‭ ‬للمحكمة،‭ ‬نازات‭ ‬شميم‭ ‬خان‭ ‬من‭ ‬فيجي،‭ ‬ومامي‭ ‬مانادياي‭ ‬نيانغ‭ ‬من‭ ‬السنغال،‭ ‬واللذين‭ ‬شاركا‭ ‬مع‭ ‬المدعي‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬طلبات‭ ‬مذكرات‭ ‬التوقيف‭ ‬الدولية‭ ‬المذكورة‭ ‬إلى‭ ‬قضاة‭ ‬المحكمة‭.‬

وقد‭ ‬أثارت‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬متوقع،‭ ‬إدانات‭ ‬شديدة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تصريح‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬لمنظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬كندا،‭ ‬كيتي‭ ‬نيفياندي،‭ ‬التي‭ ‬وصفت‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬الجديدة‭ ‬بأنها‭ ‬هجوم‭ ‬وقح‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬المحكمة‭ ‬واستقلاليتها،‭ ‬وعلى‭ ‬الضحايا‭ ‬الذين‭ ‬تخدمهم‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬مضيفة‭ ‬أن‭ ‬الاعتداء‭ ‬المتواصل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬لا‭ ‬يهدف‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬تقويض‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الجاد‭ ‬لمحاسبة‭ ‬مرتكبي‭ ‬أسوأ‭ ‬الجرائم‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬أيضًا‭ ‬يُعزز‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬لمجرمي‭ ‬الحرب‭ ‬ويُخيّب‭ ‬آمال‭ ‬الضحايا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭.‬

وفي‭ ‬تقريرها،‭ ‬أوضحت‭ ‬صحيفة‭ ‬لوموند‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬ستمنع‭ ‬دخول‭ ‬قضاة‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬الأراضي‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وتمنعهم‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬أي‭ ‬أصول‭ ‬في‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬من‭ ‬جانبه،‭ ‬أثار‭ ‬ستيفان‭ ‬دوجاريك،‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬الأثر‭ ‬العملي‭ ‬لهذه‭ ‬الإجراءات،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬ستفرض‭ ‬عقبات‭ ‬جسيمة‭ ‬أمام‭ ‬عمل‭ ‬مكتب‭ ‬المدعي‭ ‬العام‭. ‬وقد‭ ‬أشارت‭ ‬رابطة‭ ‬المحامين‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العقوبات‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تجميد‭ ‬الأصول‭ ‬وحظر‭ ‬السفر،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العقوبات‭ ‬الثانوية‭ ‬على‭ ‬المتعاونين‭ ‬مع‭ ‬المحكمة،‭ ‬قد‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬توقف‭ ‬شبه‭ ‬تام‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬اليومية‭ ‬للمحكمة‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬تعهّد‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بمواصلة‭ ‬فرض‭ ‬عواقب‭ ‬ملموسة‭ ‬وهامة‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬تدّعي‭ ‬تورطهم‭ ‬في‭ ‬تجاوزات‭ ‬ضد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬أكدت‭ ‬فيديريكا‭ ‬داليساندرو‭ ‬نائبة‭ ‬مدير‭ ‬معهد‭ ‬الأخلاق‭ ‬والقانون‭ ‬والصراع‭ ‬المسلح‭ ‬بجامعة‭ ‬أكسفورد‭ ‬ضرورة‭ ‬حماية‭ ‬قدرات‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الأمني‭ ‬الدولي،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬احتواء‭ ‬الضرر‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬يمثل‭ ‬أولوية،‭ ‬مشددة‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬استراتيجيات‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬وضمان‭ ‬عدم‭ ‬تدمير‭ ‬المحكمة‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬سجل‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لا‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬التفاؤل‭ ‬بشأن‭ ‬استعدادها‭ ‬أو‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بذلك،‭ ‬فقد‭ ‬أعربت‭ ‬إليزابيث‭ ‬إيفنسون،‭ ‬مديرة‭ ‬برنامج‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬هيومن‭ ‬رايتس‭ ‬ووتش،‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬أن‭ ‬يُعبّر‭ ‬الموقعون‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬روما‭ ‬الأساسي‭ ‬عن‭ ‬موقفهم‭ ‬ويؤكدوا‭ ‬التزامهم‭ ‬القوي‭ ‬بمهمة‭ ‬المحكمة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬قد‭ ‬أعلن‭ ‬دعمه‭ ‬المستمر‭ ‬للمحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،‭ ‬وسجّلت‭ ‬الحكومة‭ ‬الفرنسية‭ ‬استياءها‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬ووصفتها‭ ‬بأنها‭ ‬مروّعة،‭ ‬فقد‭ ‬ناشدت‭ ‬كيتي‭ ‬نيفياندي‭ ‬الحكومة‭ ‬الكندية‭ ‬الوقوف‭ ‬بثبات‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المحكمة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التحقيق‭ ‬بنزاهة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬ضمن‭ ‬اختصاصها‭ ‬القضائي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أي‭ ‬تعليق‭ ‬علني‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬مارك‭ ‬كارني‭ ‬يُدين‭ ‬العقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬قضاتها‭. ‬بالمثل،‭ ‬رفضت‭ ‬حكومة‭ ‬السير‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬البريطانية‭ ‬اتخاذ‭ ‬موقف‭ ‬ضد‭ ‬محاولات‭ ‬ترامب‭ ‬لتقويض‭ ‬المحكمة‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬ومن‭ ‬منطلق‭ ‬سعيها‭ ‬المستمر‭ ‬لحماية‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬المساءلة‭ ‬الدولية،‭ ‬تخلّت‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬موقعة‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬روما‭ ‬الأساسي‭ ‬عن‭ ‬التزاماتها‭ ‬المعلنة،‭ ‬معلنة‭ ‬رفضها‭ ‬تنفيذ‭ ‬أوامر‭ ‬المحكمة‭ ‬باعتقال‭ ‬مجرمي‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬وتسليمهم‭ ‬إلى‭ ‬لاهاي‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬دعا‭ ‬المستشار‭ ‬الألماني‭ ‬فريدريش‭ ‬ميرز‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬نتنياهو‭ ‬إلى‭ ‬برلين،‭ ‬متعهدًا‭ ‬بـإيجاد‭ ‬سبل‭ ‬ووسائل‭ ‬لتفادي‭ ‬اعتقاله‭. ‬أما‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬المجر،‭ ‬فيكتور‭ ‬أوربان،‭ ‬فلم‭ ‬يكتفِ‭ ‬فقط‭ ‬باستقبال‭ ‬الزعيم‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬استقبالًا‭ ‬حارًا‭ ‬في‭ ‬أبريل،‭ ‬بل‭ ‬أعلن‭ ‬أيضًا‭ ‬انسحاب‭ ‬بلاده‭ ‬من‭ ‬عضوية‭ ‬المحكمة،‭ ‬مكررًا‭ ‬الادعاءات‭ ‬الأمريكية‭ ‬ضد‭ ‬المحكمة،‭ ‬والتي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬أساس‭ ‬قانوني‭.‬

حتى‭ ‬فرنسا،‭ ‬بقيادة‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون،‭ ‬والتي‭ ‬قادت‭ ‬مؤخرًا‭ ‬تحركًا‭ ‬للاعتراف‭ ‬بالدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬قد‭ ‬اتخذت‭ ‬موقفًا‭ ‬ملتبسًا‭. ‬فعند‭ ‬إصدار‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬مذكرات‭ ‬توقيف‭ ‬دولية‭ ‬بحق‭ ‬نتنياهو‭ ‬وجالانت،‭ ‬كان‭ ‬الرد‭ ‬الأولي‭ ‬من‭ ‬باريس‭ ‬هو‭ ‬الادعاء‭ ‬بأن‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬يتمتع‭ ‬بحصانة‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تسليمه،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ليست‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الموقعة‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬روما‭ ‬الأساسي،‭ ‬متجاهلة‭ ‬بذلك‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬فلسطين‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬المحكمة،‭ ‬مما‭ ‬يخولها‭ ‬قانونًا‭ ‬لمحاسبة‭ ‬المسؤولين‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬على‭ ‬الجرائم‭ ‬المرتكبة‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭.‬

وهكذا،‭ ‬وبينما‭ ‬دعا‭ ‬المفوض‭ ‬السامي‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬فولكر‭ ‬تورك،‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬هذا‭ ‬التصعيد‭ ‬المتواصل‭ ‬لـ‭ ‬الأعمال‭ ‬الانتقامية‭ ‬ضد‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬وموظفيها،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع،‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬23‭ ‬شهرًا‭ ‬على‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المستمر‭ ‬والاجتياح‭ ‬البري‭ ‬لغزة،‭ ‬يُظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬حكومة‭ ‬غربية‭ ‬كبرى‭ ‬مستعدة،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬للوفاء‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬المعلنة‭ ‬تجاه‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والعدالة،‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالانتهاكات‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا