رغم الإدانات الدولية، والنداءات التي تطلقها شعوب العالم كافة بوقف جرائم الإبادة والتجويع التي ترتكبها إسرائيل بحق سكان غزة، فإنها لا تزال تصم آذانها عن هذه النداءات، وتستمر في ارتكاب جرائمها الوحشية ضاربة بعرض الحائط كل النداءات التي تطالبها بوقف هذه المجازر التي تستخدم فيها كل الأسلحة التي تهلك الحرث والنسل، وآخر ما تفتق عن الذهنية الإسرائيلية استخدامها سلاح التجويع الذي راح ضحيته حتى الآن عدد كبير من الفلسطينيين، وهي مستمرة في هذه الجرائم لا تردعها القوانين، ولا الأعراف الدولية، ولا الوازع الإنساني، ولذلك فهي ماضية في تنفيذ جرائمها وفق الإستراتيجيات التي صاغها غلاة المتطرفين في إسرائيل من أمثال بن غفير وسموتريتش وكلاهما ينكران وجود الشعب الفلسطيني.
إن المسألة أكبر من الوضع الغذائي في غزة الذي وصل إلى مرحلة تنذر بالخطر، وهي مرحلة الكارثية، وهذا ما تؤكده تقارير الأمم المتحدة الأخيرة، حيث يشير أحدث تقرير نشرته الأمم المتحدة إلى أن الوضع الغذائي بلغ المرحلة الخامسة (كارثي) وفق تصنيف (IPC) العالمي لانعدام الأمن الغذائي، وهي أعلى درجات التصنيف، أي أنه تشير إلى خطر المجاعة ووفقاً للتقييم الصادر في مايو 2025 فإن نحو 470 ألف شخص - أي ما يعادل ربع سكان القطاع – يعانون من جوع كارثي، بينما يعيش باقي السكان مرحلتي الأزمة والطوارئ الغذائية.
إذاً، نحن أمام مشهد قاتم؛ يواجه فيه سكان قطاع غزة الأمَرْيْن هما النجاة من القصف الهمجي، والبحث عن لقمة العيش المفقودة، وقد وصف جوناثان ويتال رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية (أوشا) بالقول: ما تشهده غزة ليس مجرد جوع، بل سياسة تجويع مدروسة.
لا نريد أن نستطرد أكثر في توصيف المشهد في غزة لأنه بات مكشوفاً وواضحاً، فالمشاهد التي تتناقلها شاشات التلفزة على مدار الساعة، والتي تبين صور طوابير الأطفال وهم يحملون جدورهم من أجل لقمة تسد رمقهم تكفي، وهي تنطق بفظاعة الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين وهو ما يدفعنا إلى القول بأن المسألة مخطط ومدبر لها بليل، وهي نتيجة لقرارات سياسية وعسكرية متعمدة من قبل قادة الكيان الصهيوني وهي تأتي في إطار الاستراتيجيات العسكرية الممنهجة التي تروم إلى اخضاع المجتمع الفلسطيني من خلال تدمير منظومة الحياة اليومية، وبذلك لا يمكن تفسير ما يجري في غزة على أنه مجرد آثار جانبية للحرب إذ أن العملية برمتها مقصودة.
وإذا كان نتنياهو ينفي مسؤولية ارتكابه جريمة التجويع، ويدعي أن هدفه ليس عقاب السكان المدنيين، بل منع حماس من استخدام المواد الإغاثية لأغراض عسكرية أو كغطاء لـ«النشاطات الإرهابية»، فإن كل الدلائل تشير إلى أن ما يقوله كذب وافتراء؛ لأن كل الوقائع على الأرض تدينه، فاستمراره في قصف مراكز توزيع المساعدات، والمستشفيات ومقر جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في محافظة خانيونس تثبت أن هذا القصف يأتي في إطار سياسة الإبادة التي ينفذها من أجل منع الدواء والعلاج عن السكان المدنيين.
في اعتقادي، ان العالم اليوم لم يعد يصدق سردية نتنياهو حول ما يجري في غزة؛ لأن صور الأطفال الذين يتضورون جوعاً فضحت كل ادعاءاته، ودحضت كل افتراءاته، بل إنها أيقظت الضمير العالمي، الذي بدأ يمحو من ذاكرته كل الصور الذهنية التي تصف الفلسطينيين «بالإرهابيين»، وراح يفكر في هذه المشاهد بعقله لا بعاطفته التي شكلها الإعلام الصهيوني على مر السنين، ووصل إلى قناعة وهي تحميل إسرائيل وزر ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية. ونتيجة لذلك فإن ما نراه اليوم، من تحول كبير في مواقف الزعماء الأوروبيين نحو إسرائيل، ومبادرتهم نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية ما هو إلا نتيجة طبيعية لهول الجرائم التي يرتكبها نتنياهو بحق سكان غزة، واستجابة لأصوات شعوبهم الذين خرجوا في مظاهرات في الساحات والجامعات ينددون بجرائم الإبادة والتجويع التي ترتكبها إسرائيل.
إن العالم اليوم يقف كله ضد تلك الجرائم، ولم يبق لنتنياهو إلا صديقه ترامب الذي لا يزال يدعمه، ويغطي على جرائمه، ويعذره على ما يقوم به بحجة الدفاع عن النفس ويتناسى أنه هو الجلاد وليس الضحية.
ورغم كل ذلك، فلا تزال إسرائيل مستمرة في تنفيذ مخططاتها التي وصلت إلى مراحلها النهائية بإعلان الكابينت الإسرائيلي نيته احتلال غزة، هذه المرحلة بمثابة تمهيد للغاية النهائية لإسرائيل وهو تهجير سكان غزة قسراً أو طوعاً.
السؤال الآن: هل سيستجيب نتنياهو للضغوطات الغربية، ويعطي أوامره للجيش الإسرائيلي بوقف الحرب، وإنهاء مأساة سكان غزة. في تقديري أن نتنياهو لن يفعلها، فهو من جانب لا يعير المواقف الأوربية أي اهتمام؛ لأنه يدرك أن هذه المواقف ليست نابعة من قناعات الزعامات الغربية، وإنما جاءت نتيجة ضغط مستمر من الشارع وبعض البرلمانيين.
الخلاصة، إذا كان هناك فئة من العرب تقدر التحول في المزاج السياسي الغربي حيال ما يجري في غزة من إبادة وتجويع، فإني أرى أن هذا التحول مؤقت، وأنه لم يتجاوز «الغضب الأخلاقي»، ولم يرق بعد إلى تحرر السياسة الأوروبية من عقدة «الخوف من الاتهام بمعادات السامية» بحيث تدفع إسرائيل في اتجاه وقف حرب الإبادة والتجويع للشعب الفلسطيني. الدليل أننا لم نر أي إجراءات عقابية من قبل الدول الأوروبية بحق إسرائيل يمكن أن تشكل ضغطاً عليها، وتفضي إلى وقف الحرب. كما أنه ومن باب الانصاف علينا ألا نغفل مواقف بعض الدول الأوروبية مثل: إسبانيا وإيرلندا والنرويج التي اتخذت مواقف مشرفة من الحرب وأن الواجب يقتضي تقديرها.
أخيراً، يجب على العرب أن يكونوا حذرين في قراءاتهم لمشهد التحول في مواقف الدول الأوروبية؛ لأن البعض منهم ينظر إلى القضية في جانبها الإنساني، ويتعاطف مع أهل غزة من هذا المنظور فقط، ومع أن هذا الجانب مهم في اللحظة الراهنة، إلا أنه لا يكفي إذ يجب أن تكون الرؤية الغربية للقضية من زاوية أنها احتلال لأرض فلسطين من قبل العصابات الصهيونية وأن الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا هي شريكة في صنع هذا الاحتلال، وأنها أكبر داعم لإسرائيل - بعد أمريكا - منذ إنشائه عام 1948م. ولذلك عليها أن تراجع سياساتها وتصحح خطأها التاريخي، وتتخلص من عقدة الخوف بمعادات السامية. من جانبنا نحن العرب علينا ألا ننخدع بهذا التحول وأن نعي أن تحركهم يأتي في إطار دوافع تحكمها التوازنات والسعي لإعادة التموضع إقليمياً ودولياً.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك