زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
أحب لغتنا ولكن...
ما أعانني على تطبيع العلاقات مع العرب، من دون أن أعبأ بمدى قبولهم لي كواحد منهم رغم أنفي وسحنتي الإفريقية، هو حبي للغة العربية، وتحديدا الشعر العربي، وتحديدا، تحديدا شعر المتنبي، وسلبت قصيدة «شِعب بوّان» للمتنبي عقلي النوبي، وتسللت الى قلبي، فبحثت ولا أزال أبحث في شعر المتنبي عن السلوى، ثم وجدت نفسي معجبا بشعر السياب ودنقل ودرويش وغيرهم من المجددين المبدعين.
وقد درست الكثير من الشعر الإنجليزي، وعاشرت الانجليز في عقر دارهم وفي ديار العرب، والإنجليز عموما هم أقل شعوب الغرب قبولا للتغيير والتجديد.. والأمريكان عكس الانجليز، إذا أقنعت أمريكيا بأن الترمس يعالج البواسير فإنه يبادر على الفور بوضع الخطط لاحتكار الترمس بل ويسعى الى إقناع نواب في الكونغرس بأن احتلال مصر والسودان سيفتح أمام بلادهم أبواب الثراء من وراء الترمس.. والأمريكان جاءتهم اللغة الانجليزية جاهزة فغربلوها وتخلصوا من الزوائد التي فيها، حتى صاروا بحلول القرن العشرين أصحاب الفضل في ان تصبح الانجليزية اللغة الأولى في العالم. بدرجة أن الأمريكان صاروا مفترين ويقولون إنهم يتحدثون اللغة الأمريكانية، بسبب عقدة تلازمهم لأن بلادهم كانت مستعمرة انجليزية.
في معظم الكلمات الانجليزية حروف لا لزوم لها؛ لأنها لا تُنطق.. مثلا كلمة enough وتنطق إنَف بكسر الهمزة على الألف، وفتح الباء وتعني كفى/ يكفي، تنظر في رسم الكلمة ولا أثر فيها لصوت/ حرف الفاء، وتجد فيها أربعة أحرف عديمة الجدوى، ومثيلاتها بالطن المتري في الانجليزية.. وأدرك الانجليز ان الأمريكان سرقوا منهم الجو بأنهم يكتبون معظم الكلمات كما تنطق ويتخلصون من الحروف الحشو التي لا لزوم لها فقرروا إعادة النظر في تهجئة ورسم/ كتابة مفردات لغتهم، لتخليصها من الشوائب والزوائد الدودية.
واللغة العربية كادت «تروح فيها»، في عصر هاي وباي ورواج فاكهة الباباي، لا الجيل الجديد يحبها ولا من يتولون تدريسها يتقنونها.. في كل البلدان العربية يذهب الخريج الجامعي الى وزارة التربية (كملاذ أخير) ويقول إنه يحمل بكالوريوس في التاريخ أو الجغرافيا فيقولون له: إنس التاريخ/ الجغرافيا.. تشتغل مدرس عربي؟.. ولأن المهم هو المرتب فإن الخريج الجديد يقبل بأن يدرس العربية، ويحدث ما هو أفدح من ذلك في مجال المواد الأخرى حيث يكون التعيين بطريقة ما يطلبه المستمعون: بكالوريوس علم نفس؟ عندك مانع تدرس فيزياء؟.. على عهدي بالمدرسة كانت اللغة العربية من أثقل المواد على نفسي.. أستدرك، وأقول إنني أحب اللغة العربية حبا شديدا، وعمدت بعد تركي مقاعد الدراسة بسنوات على تعلمها بالإكثار من القراءة.. ما كان يجعلها ثقيلة على النفس هو «الجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ».. تقول لهم: يا جماعة الخير قلتم لنا من شوية ان المبتدأ يكون اسما مرفوعا بالضم.. فيأتيك الرد: اسكت يا قليل الأدب.. إنت تفهم أحسن من الحكومة.. وهناك الاستعارة المكنية والجناس والطباق والمعلقات.. في امتحان الشهادة الثانوية كنا مطالبين بحفظ خطبة زياد بن أبيه (البتراء).. وكانت العرب تسمي الشخص الذي لا يعرف له أب بابن أبيه.. (يعني حفظونا كلام واحد ابن........). أعتقد انه ليس من الصعب تبسيط منهج اللغة العربية وجعله أكثر تشويقا، ولا أرى غضاضة في إلغاء مادة «البلاغة» كليا لأن معايير البلاغة في زماننا تختلف عن زمان ابن تمام «في حده الحد بين الجد واللعب»!.. ما لا أفهمه هو لماذا -واللغة العربية تكتب كما تنطق- لا يسري هذا الحكم على جميع الكلمات، فتصبح لكن وهكذا وهذا وأولئك «لاكن وهاكذا وهاذا وأولائك».. لماذا «الذي» بلام واحدة واللذان/اللذين (المثنى) بلامين؟ هل هو حكم القوي على الضعيف؟ خيار وفقوس؟ استخفاف و«حقارة»؟ أما الهمزات فخليها على الله: هناك همزة على النبرة/ الكرسي، وأخرى على الياء وثالثة على السطر ويسميها البعض متطرفة (وكأنما هناك همزة ليبرالية أو معتدلة او اشتراكية) ورابعة على الواو ولكل حكمها.. وإلى يومنا هذا لا أعرف هل أكتب السموءل هكذا أم بوضع الهمزة على ألف: السموأل؟!
أقول قولي هذا وأنا مدرك لحقيقة أن تهجئة بعض الكلمات يعود لأسباب تاريخية، أو لأنها جاءت كذلك في كتب الأسلاف، فلماذا ضيعنا أجمل ما ورثناه من الأسلاف و«مسكنا» في طريقتهم في رسم بعض الكلمات؟
إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك