العدد : ١٧٣٢٥ - الجمعة ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٥ - الجمعة ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

أحب لغتنا ولكن...

ما‭ ‬أعانني‭ ‬على‭ ‬تطبيع‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬العرب،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أعبأ‭ ‬بمدى‭ ‬قبولهم‭ ‬لي‭ ‬كواحد‭ ‬منهم‭ ‬رغم‭ ‬أنفي‭ ‬وسحنتي‭ ‬الإفريقية،‭ ‬هو‭ ‬حبي‭ ‬للغة‭ ‬العربية،‭ ‬وتحديدا‭ ‬الشعر‭ ‬العربي،‭ ‬وتحديدا،‭ ‬تحديدا‭ ‬شعر‭ ‬المتنبي،‭ ‬وسلبت‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬شِعب‭ ‬بوّان‮»‬‭ ‬للمتنبي‭ ‬عقلي‭ ‬النوبي،‭ ‬وتسللت‭ ‬الى‭ ‬قلبي،‭ ‬فبحثت‭ ‬ولا‭ ‬أزال‭ ‬أبحث‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬المتنبي‭ ‬عن‭ ‬السلوى،‭ ‬ثم‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬معجبا‭ ‬بشعر‭ ‬السياب‭ ‬ودنقل‭ ‬ودرويش‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬المجددين‭ ‬المبدعين‭.‬

وقد‭ ‬درست‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬الإنجليزي،‭ ‬وعاشرت‭ ‬الانجليز‭ ‬في‭ ‬عقر‭ ‬دارهم‭ ‬وفي‭ ‬ديار‭ ‬العرب،‭ ‬والإنجليز‭ ‬عموما‭ ‬هم‭ ‬أقل‭ ‬شعوب‭ ‬الغرب‭ ‬قبولا‭ ‬للتغيير‭ ‬والتجديد‭.. ‬والأمريكان‭ ‬عكس‭ ‬الانجليز،‭ ‬إذا‭ ‬أقنعت‭ ‬أمريكيا‭ ‬بأن‭ ‬الترمس‭ ‬يعالج‭ ‬البواسير‭ ‬فإنه‭ ‬يبادر‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬بوضع‭ ‬الخطط‭ ‬لاحتكار‭ ‬الترمس‭ ‬بل‭ ‬ويسعى‭ ‬الى‭ ‬إقناع‭ ‬نواب‭ ‬في‭ ‬الكونغرس‭ ‬بأن‭ ‬احتلال‭ ‬مصر‭ ‬والسودان‭ ‬سيفتح‭ ‬أمام‭ ‬بلادهم‭ ‬أبواب‭ ‬الثراء‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬الترمس‭.. ‬والأمريكان‭ ‬جاءتهم‭ ‬اللغة‭ ‬الانجليزية‭ ‬جاهزة‭ ‬فغربلوها‭ ‬وتخلصوا‭ ‬من‭ ‬الزوائد‭ ‬التي‭ ‬فيها،‭ ‬حتى‭ ‬صاروا‭ ‬بحلول‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬أصحاب‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬تصبح‭ ‬الانجليزية‭ ‬اللغة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬بدرجة‭ ‬أن‭ ‬الأمريكان‭ ‬صاروا‭ ‬مفترين‭ ‬ويقولون‭ ‬إنهم‭ ‬يتحدثون‭ ‬اللغة‭ ‬الأمريكانية،‭ ‬بسبب‭ ‬عقدة‭ ‬تلازمهم‭ ‬لأن‭ ‬بلادهم‭ ‬كانت‭ ‬مستعمرة‭ ‬انجليزية‭. ‬

‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الكلمات‭ ‬الانجليزية‭ ‬حروف‭ ‬لا‭ ‬لزوم‭ ‬لها؛‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تُنطق‭.. ‬مثلا‭ ‬كلمة‭ ‬enough‭ ‬وتنطق‭ ‬إنَف‭ ‬بكسر‭ ‬الهمزة‭ ‬على‭ ‬الألف،‭ ‬وفتح‭ ‬الباء‭ ‬وتعني‭ ‬كفى‭/ ‬يكفي،‭ ‬تنظر‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬الكلمة‭ ‬ولا‭ ‬أثر‭ ‬فيها‭ ‬لصوت‭/ ‬حرف‭ ‬الفاء،‭ ‬وتجد‭ ‬فيها‭ ‬أربعة‭ ‬أحرف‭ ‬عديمة‭ ‬الجدوى،‭ ‬ومثيلاتها‭ ‬بالطن‭ ‬المتري‭ ‬في‭ ‬الانجليزية‭.. ‬وأدرك‭ ‬الانجليز‭ ‬ان‭ ‬الأمريكان‭ ‬سرقوا‭ ‬منهم‭ ‬الجو‭ ‬بأنهم‭ ‬يكتبون‭ ‬معظم‭ ‬الكلمات‭ ‬كما‭ ‬تنطق‭ ‬ويتخلصون‭ ‬من‭ ‬الحروف‭ ‬الحشو‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬لزوم‭ ‬لها‭ ‬فقرروا‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تهجئة‭ ‬ورسم‭/ ‬كتابة‭ ‬مفردات‭ ‬لغتهم،‭ ‬لتخليصها‭ ‬من‭ ‬الشوائب‭ ‬والزوائد‭ ‬الدودية‭.‬

واللغة‭ ‬العربية‭ ‬كادت‭ ‬‮«‬تروح‭ ‬فيها‮»‬،‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬هاي‭ ‬وباي‭ ‬ورواج‭ ‬فاكهة‭ ‬الباباي،‭ ‬لا‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬يحبها‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬يتولون‭ ‬تدريسها‭ ‬يتقنونها‭.. ‬في‭ ‬كل‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬يذهب‭ ‬الخريج‭ ‬الجامعي‭ ‬الى‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ (‬كملاذ‭ ‬أخير‭) ‬ويقول‭ ‬إنه‭ ‬يحمل‭ ‬بكالوريوس‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬الجغرافيا‭ ‬فيقولون‭ ‬له‭: ‬إنس‭ ‬التاريخ‭/ ‬الجغرافيا‭.. ‬تشتغل‭ ‬مدرس‭ ‬عربي؟‭.. ‬ولأن‭ ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬المرتب‭ ‬فإن‭ ‬الخريج‭ ‬الجديد‭ ‬يقبل‭ ‬بأن‭ ‬يدرس‭ ‬العربية،‭ ‬ويحدث‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أفدح‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المواد‭ ‬الأخرى‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬التعيين‭ ‬بطريقة‭ ‬ما‭ ‬يطلبه‭ ‬المستمعون‭: ‬بكالوريوس‭ ‬علم‭ ‬نفس؟‭ ‬عندك‭ ‬مانع‭ ‬تدرس‭ ‬فيزياء؟‭.. ‬على‭ ‬عهدي‭ ‬بالمدرسة‭ ‬كانت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬أثقل‭ ‬المواد‭ ‬على‭ ‬نفسي‭.. ‬أستدرك،‭ ‬وأقول‭ ‬إنني‭ ‬أحب‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬حبا‭ ‬شديدا،‭ ‬وعمدت‭ ‬بعد‭ ‬تركي‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة‭ ‬بسنوات‭ ‬على‭ ‬تعلمها‭ ‬بالإكثار‭ ‬من‭ ‬القراءة‭.. ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يجعلها‭ ‬ثقيلة‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الجملة‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬محل‭ ‬رفع‭ ‬خبر‭ ‬المبتدأ‮»‬‭.. ‬تقول‭ ‬لهم‭: ‬يا‭ ‬جماعة‭ ‬الخير‭ ‬قلتم‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬شوية‭ ‬ان‭ ‬المبتدأ‭ ‬يكون‭ ‬اسما‭ ‬مرفوعا‭ ‬بالضم‭.. ‬فيأتيك‭ ‬الرد‭: ‬اسكت‭ ‬يا‭ ‬قليل‭ ‬الأدب‭.. ‬إنت‭ ‬تفهم‭ ‬أحسن‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭.. ‬وهناك‭ ‬الاستعارة‭ ‬المكنية‭ ‬والجناس‭ ‬والطباق‭ ‬والمعلقات‭.. ‬في‭ ‬امتحان‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬كنا‭ ‬مطالبين‭ ‬بحفظ‭ ‬خطبة‭ ‬زياد‭ ‬بن‭ ‬أبيه‭ (‬البتراء‭).. ‬وكانت‭ ‬العرب‭ ‬تسمي‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬له‭ ‬أب‭ ‬بابن‭ ‬أبيه‭.. (‬يعني‭ ‬حفظونا‭ ‬كلام‭ ‬واحد‭ ‬ابن‭........). ‬أعتقد‭ ‬انه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تبسيط‭ ‬منهج‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وجعله‭ ‬أكثر‭ ‬تشويقا،‭ ‬ولا‭ ‬أرى‭ ‬غضاضة‭ ‬في‭ ‬إلغاء‭ ‬مادة‭ ‬‮«‬البلاغة‮»‬‭ ‬كليا‭ ‬لأن‭ ‬معايير‭ ‬البلاغة‭ ‬في‭ ‬زماننا‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬زمان‭ ‬ابن‭ ‬تمام‭ ‬‮«‬في‭ ‬حده‭ ‬الحد‭ ‬بين‭ ‬الجد‭ ‬واللعب‮»‬‭!.. ‬ما‭ ‬لا‭ ‬أفهمه‭ ‬هو‭ ‬لماذا‭ -‬واللغة‭ ‬العربية‭ ‬تكتب‭ ‬كما‭ ‬تنطق‭- ‬لا‭ ‬يسري‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الكلمات،‭ ‬فتصبح‭ ‬لكن‭ ‬وهكذا‭ ‬وهذا‭ ‬وأولئك‭ ‬‮«‬لاكن‭ ‬وهاكذا‭ ‬وهاذا‭ ‬وأولائك‮»‬‭.. ‬لماذا‭ ‬‮«‬الذي‮»‬‭ ‬بلام‭ ‬واحدة‭ ‬واللذان‭/‬اللذين‭ (‬المثنى‭) ‬بلامين؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬حكم‭ ‬القوي‭ ‬على‭ ‬الضعيف؟‭ ‬خيار‭ ‬وفقوس؟‭ ‬استخفاف‭ ‬و«حقارة»؟‭ ‬أما‭ ‬الهمزات‭ ‬فخليها‭ ‬على‭ ‬الله‭: ‬هناك‭ ‬همزة‭ ‬على‭ ‬النبرة‭/ ‬الكرسي،‭ ‬وأخرى‭ ‬على‭ ‬الياء‭ ‬وثالثة‭ ‬على‭ ‬السطر‭ ‬ويسميها‭ ‬البعض‭ ‬متطرفة‭ (‬وكأنما‭ ‬هناك‭ ‬همزة‭ ‬ليبرالية‭ ‬أو‭ ‬معتدلة‭ ‬او‭ ‬اشتراكية‭) ‬ورابعة‭ ‬على‭ ‬الواو‭ ‬ولكل‭ ‬حكمها‭.. ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬هل‭ ‬أكتب‭ ‬السموءل‭ ‬هكذا‭ ‬أم‭ ‬بوضع‭ ‬الهمزة‭ ‬على‭ ‬ألف‭: ‬السموأل؟‭!‬

أقول‭ ‬قولي‭ ‬هذا‭ ‬وأنا‭ ‬مدرك‭ ‬لحقيقة‭ ‬أن‭ ‬تهجئة‭ ‬بعض‭ ‬الكلمات‭ ‬يعود‭ ‬لأسباب‭ ‬تاريخية،‭ ‬أو‭ ‬لأنها‭ ‬جاءت‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬الأسلاف،‭ ‬فلماذا‭ ‬ضيعنا‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬ورثناه‭ ‬من‭ ‬الأسلاف‭ ‬و«مسكنا‮»‬‭ ‬في‭ ‬طريقتهم‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬بعض‭ ‬الكلمات؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا