العدد : ١٧٣٢٥ - الجمعة ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٥ - الجمعة ٢٩ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تأثير عسكرة البحر الأحمر على الممرات المائية الدولية

بقلم: د. أشرف محمد كشك

الأربعاء ٢٧ أغسطس ٢٠٢٥ - 02:00

في‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬أغسطس‭ ‬الجاري،‭ ‬أعلن‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بدء‭ ‬مناورات‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬ومع‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬فيها‭ ‬إسرائيل‭ ‬بهذه‭ ‬المناورات،‭ ‬فقد‭ ‬أثارت‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬عموماً،‭ ‬أخذاً‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمور؛‭ ‬الأول‭: ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬نظام‭ ‬أمني‭ ‬متكامل‭ ‬لكل‭ ‬الدول‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر؛‭ ‬والثاني‭: ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬وغير‭ ‬عربية‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬فإنه‭ ‬يظل‭ ‬‮«‬بحيرة‭ ‬عربية‮»‬‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬المحيطة‭ ‬به‭ ‬لحوالي‭ ‬90%‭ ‬من‭ ‬سواحله؛‭ ‬والثالث‭: ‬أن‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬هو‭ ‬ممر‭ ‬مائي‭ ‬حيوي‭ ‬للغاية‭ ‬يربط‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬جنوباً‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭ ‬شمالاً‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬إجراء‭ ‬مناورات‭ ‬عسكرية‭ ‬هو‭ ‬إظهار‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الردع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬أيضاً‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬توجد‭ ‬مخاوف‭ ‬لدى‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬مبعثها‭ ‬ازدياد‭ ‬الحضور‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الممر‭ ‬المائي‭ ‬الحيوي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عبّر‭ ‬عنه‭ ‬الدكتور‭ ‬بدر‭ ‬عبدالعاطي،‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬المصري،‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2024م،‭ ‬قائلاً‭: ‬إن‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬العسكرة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬يشكل‭ ‬ضرراً‭ ‬بالغاً‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬المصري‭.‬

ولهذه‭ ‬التصريحات‭ ‬دلالاتها،‭ ‬وخاصةً‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬مؤشرات‭ ‬سابقة‭ ‬تعكس‭ ‬احتمال‭ ‬تحول‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬ميدان‭ ‬للصراعات‭ ‬الإقليمية‭. ‬ففي‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2024م،‭ ‬أعلنت‭ ‬الحكومة‭ ‬الإيرانية‭ ‬عن‭ ‬‮«‬عودة‭ ‬الأسطول‭ ‬98‭ ‬التابع‭ ‬للبحرية‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أرصفة‭ ‬ميناء‭ ‬بندر‭ ‬عباس‭ ‬جنوب‭ ‬إيران،‭ ‬بعد‭ ‬مهمة‭ ‬أنهاها‭ ‬استغرقت‭ ‬126‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‮»‬‭.‬

ووفقاً‭ ‬للمصادر‭ ‬الإيرانية،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬مهمة‭ ‬الأسطول‭ ‬هي‭ ‬‮«‬تأمين‭ ‬خطوط‭ ‬الشحن‭ ‬الإيرانية‮»‬،‭ ‬ويلاحظ‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬أرسلت‭ ‬ذلك‭ ‬الأسطول‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2024م،‭ ‬تلاه‭ ‬إرسال‭ ‬الهند‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬ذاته‭ ‬أسطولاً‭ ‬مكوناً‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬سفن‭ ‬حربية‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬ووسط‭ ‬بحر‭ ‬العرب‭ ‬وخليج‭ ‬عدن،‭ ‬تضاف‭ ‬إلى‭ ‬اثنتين‭ ‬متواجدتين‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة،‭ ‬ليصبح‭ ‬الإجمالي‭ ‬12‭ ‬سفينة‭ ‬حربية‭ ‬هندية‭. ‬بعدها‭ ‬أرسلت‭ ‬الصين‭ ‬الأسطول‭ ‬46‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬ذاته‭ ‬لمرافقة‭ ‬الأسطول‭ ‬البحري‭ ‬الـ45‭ ‬في‭ ‬خليج‭ ‬عدن‭ ‬والمياه‭ ‬الواقعة‭ ‬قبالة‭ ‬سواحل‭ ‬الصومال‭. ‬

وربما‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬الأساطيل‭ ‬محدودة‭ ‬العدد‭ ‬ولغرض‭ ‬محدد،‭ ‬لكن‭ ‬الصورة‭ ‬الأشمل‭ ‬تعكس‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬عسكرة‭ ‬المنطقة‮»‬‭. ‬فوفقاً‭ ‬لتقرير‭ ‬لمعهد‭ ‬ستوكهولم‭ ‬الدولي‭ ‬لأبحاث‭ ‬السلام،‭ ‬تستضيف‭ ‬منطقة‭ ‬القرن‭ ‬الإفريقي‭ ‬19‭ ‬قاعدة‭ ‬عسكرية‭ ‬تديرها‭ ‬16‭ ‬دولة،‭ ‬بما‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬دول‭ ‬لديها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قاعدة،‭ ‬ويلاحظ‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬تلك‭ ‬القواعد‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2001م‭. ‬ولتلك‭ ‬المنطقة‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬لكونها‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وخليج‭ ‬عدن‭ ‬والمحيط‭ ‬الهندي،‭ ‬ويتيح‭ ‬التواجد‭ ‬فيها‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬10‭-‬12%‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭.‬

كما‭ ‬كان‭ ‬للدول‭ ‬والمنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬اهتمام‭ ‬كبير‭ ‬بحماية‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة،‭ ‬بدءًا‭ ‬بتأسيس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لتحالف‭ ‬حارس‭ ‬الازدهار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2023م‭ ‬والذي‭ ‬جاء‭ ‬كرد‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬تهديدات‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬استهداف‭ ‬التحالف‭ ‬حمايتها،‭ ‬ومروراً‭ ‬بإرسال‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2024م‭ ‬لبعثة‭ ‬بحرية‭ ‬للغرض‭ ‬ذاته،‭ ‬وانتهاءً‭ ‬ببعثة‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬قبالة‭ ‬سواحل‭ ‬الصومال،‭ ‬والمسماة‭ ‬بـ«درع‭ ‬المحيط‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬رابطت‭ ‬هناك‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2008‭ ‬و2016م‭. ‬

عودٌ‭ ‬على‭ ‬بدء،‭ ‬فإن‭ ‬التساؤلان‭ ‬المهمّان‭ ‬هما‭: ‬ما‭ ‬هي‭ ‬دلالات‭ ‬الحضور‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬الاستجابات‭ ‬المطلوبة‭ ‬إقليميا؟‭  ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تطبيق‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬لديها‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الأفريقي‭ ‬لقواعد‭ ‬منع‭ ‬الاشتباك‭ ‬البحري،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬ضمانة‭ ‬مؤكدة‭ ‬لاندلاع‭ ‬مواجهة‭ ‬بحرية‭ ‬لن‭ ‬تقتصر‭ ‬بالطبع‭ ‬على‭ ‬طرفيها،‭ ‬حيث‭ ‬يمثل‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى‭ ‬للأطراف‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬على‭ ‬حدٍّ‭ ‬سواء‭. ‬

وفي‭ ‬تصوري‭ ‬أن‭ ‬الاستجابات‭ ‬الإقليمية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬مسارات؛‭ ‬الأول‭: ‬تطوير‭ ‬الآليات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ومنها‭ ‬مبادرة‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬بتأسيس‭ ‬مجلس‭ ‬الدول‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وخليج‭ ‬عدن،‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬توقيع‭ ‬ميثاقه‭ ‬التأسيسي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2020م‭ ‬في‭ ‬الرياض،‭ ‬ويضم‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬السعودية‭ ‬7‭ ‬دولا‭ ‬أخرى،‭ ‬ومن‭ ‬أهدافه‭ ‬‮«‬تأمين‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الممر‭ ‬المائي‭ ‬الدولي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المشروعات‭ ‬التنموية‭ ‬لكلٍّ‭ ‬من‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬ومصر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة،‭ ‬والتي‭ ‬تتطلب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬آمنة‭. ‬والثاني‭: ‬تسوية‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬ارتباط‭ ‬تهديدات‭ ‬الأمن‭ ‬البحري‭ ‬بقدرة‭ ‬الدول‭ ‬المشاطئة‭ ‬للممرات‭ ‬المائية‭ ‬على‭ ‬تأمينها‭ ‬وحمايتها‭. ‬والثالث‭: ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تسوية‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬الأخرى،‭ ‬خاصةً‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬وزيادة‭ ‬احتمالية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بينهما‭ ‬مواجهات‭ ‬أخرى،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬عموماً‭.‬

خلاصة‭ ‬القول،‭ ‬إن‭ ‬منطقة‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬التي‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬المصالح‭ ‬الإقليمية‭ ‬مع‭ ‬نظيرتها‭ ‬الدولية،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الجهود‭ ‬الإقليمية‭ ‬لإقامة‭ ‬هيكل‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬فيها،‭ ‬سواءً‭ ‬بتطوير‭ ‬الآليات‭ ‬الحالية‭ ‬أو‭ ‬استحداث‭ ‬ما‭ ‬يلزم،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬الارتباط‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬الأمن‭ ‬وتنفيذ‭ ‬المشروعات‭ ‬التنموية‭ ‬الطموحة،‭ ‬لتحقيق‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬التعاوني‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬العسكري‮»‬‭.‬

 

{ مدير‭ ‬برنامج‭ ‬الدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬

والدولية‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬دراسات‮»‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا