في التاسع عشر من أغسطس الجاري، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بدء مناورات عسكرية في البحر الأحمر، ومع أنها ليست المرة الأولى التي تقوم فيها إسرائيل بهذه المناورات، فقد أثارت تساؤلات حول الأمن الإقليمي في تلك المنطقة عموماً، أخذاً في الاعتبار ثلاثة أمور؛ الأول: أنه لا يوجد حتى الآن نظام أمني متكامل لكل الدول المطلة على البحر الأحمر؛ والثاني: على الرغم من وجود دول عربية وغير عربية تطل على البحر الأحمر، فإنه يظل «بحيرة عربية» نظراً إلى امتلاك الدول العربية المحيطة به لحوالي 90% من سواحله؛ والثالث: أن البحر الأحمر هو ممر مائي حيوي للغاية يربط ما بين مضيق باب المندب جنوباً وقناة السويس شمالاً.
ومع أن الغرض من إجراء مناورات عسكرية هو إظهار القدرة على الردع، وهو ما قامت به العديد من دول المنطقة أيضاً خلال السنوات الماضية، توجد مخاوف لدى دول المنطقة مبعثها ازدياد الحضور العسكري في ذلك الممر المائي الحيوي، وهو ما عبّر عنه الدكتور بدر عبدالعاطي، وزير الخارجية المصري، في نوفمبر 2024م، قائلاً: إن المزيد من العسكرة في البحر الأحمر يشكل ضرراً بالغاً على التجارة العالمية والاقتصاد المصري.
ولهذه التصريحات دلالاتها، وخاصةً مع وجود مؤشرات سابقة تعكس احتمال تحول تلك المنطقة إلى ميدان للصراعات الإقليمية. ففي الرابع عشر من سبتمبر 2024م، أعلنت الحكومة الإيرانية عن «عودة الأسطول 98 التابع للبحرية الإيرانية إلى أحد أرصفة ميناء بندر عباس جنوب إيران، بعد مهمة أنهاها استغرقت 126 يوماً في مياه البحر الأحمر».
ووفقاً للمصادر الإيرانية، فقد كانت مهمة الأسطول هي «تأمين خطوط الشحن الإيرانية»، ويلاحظ أن إيران قد أرسلت ذلك الأسطول في يناير 2024م، تلاه إرسال الهند في الشهر ذاته أسطولاً مكوناً من 10 سفن حربية إلى شمال ووسط بحر العرب وخليج عدن، تضاف إلى اثنتين متواجدتين بالفعل في تلك المنطقة، ليصبح الإجمالي 12 سفينة حربية هندية. بعدها أرسلت الصين الأسطول 46 في فبراير من العام ذاته لمرافقة الأسطول البحري الـ45 في خليج عدن والمياه الواقعة قبالة سواحل الصومال.
وربما تكون تلك الأساطيل محدودة العدد ولغرض محدد، لكن الصورة الأشمل تعكس مفهوم «عسكرة المنطقة». فوفقاً لتقرير لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تستضيف منطقة القرن الإفريقي 19 قاعدة عسكرية تديرها 16 دولة، بما يعنيه ذلك من وجود دول لديها أكثر من قاعدة، ويلاحظ تزايد عدد تلك القواعد منذ عام 2001م. ولتلك المنطقة أهمية استراتيجية لكونها تطل على البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويتيح التواجد فيها السيطرة على مضيق باب المندب، الذي يمر منه ما بين 10-12% من التجارة العالمية.
كما كان للدول والمنظمات الدولية اهتمام كبير بحماية الملاحة البحرية في تلك المنطقة، بدءًا بتأسيس الولايات المتحدة لتحالف حارس الازدهار في عام 2023م والذي جاء كرد فعل على تهديدات الملاحة البحرية في البحر الأحمر، ومن ثم استهداف التحالف حمايتها، ومروراً بإرسال الاتحاد الأوروبي في فبراير 2024م لبعثة بحرية للغرض ذاته، وانتهاءً ببعثة حلف الناتو قبالة سواحل الصومال، والمسماة بـ«درع المحيط»، التي رابطت هناك بين عامي 2008 و2016م.
عودٌ على بدء، فإن التساؤلان المهمّان هما: ما هي دلالات الحضور العسكري في تلك المنطقة على الأمن الإقليمي؟ وما هي الاستجابات المطلوبة إقليميا؟ فعلى الرغم من تطبيق الدول التي لديها قواعد عسكرية في القرن الأفريقي لقواعد منع الاشتباك البحري، فإن ذلك ليس ضمانة مؤكدة لاندلاع مواجهة بحرية لن تقتصر بالطبع على طرفيها، حيث يمثل أمن الملاحة البحرية في تلك المنطقة أولوية قصوى للأطراف الإقليمية والدولية على حدٍّ سواء.
وفي تصوري أن الاستجابات الإقليمية تتمثل في ثلاثة مسارات؛ الأول: تطوير الآليات الإقليمية، ومنها مبادرة المملكة العربية السعودية بتأسيس مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي تم توقيع ميثاقه التأسيسي في عام 2020م في الرياض، ويضم إلى جانب السعودية 7 دولا أخرى، ومن أهدافه «تأمين الملاحة البحرية في ذلك الممر المائي الدولي»، في ظل المشروعات التنموية لكلٍّ من المملكة العربية السعودية ومصر في تلك المنطقة، والتي تتطلب أن تكون تلك المنطقة آمنة. والثاني: تسوية الصراع في اليمن، انطلاقاً من واقع ارتباط تهديدات الأمن البحري بقدرة الدول المشاطئة للممرات المائية على تأمينها وحمايتها. والثالث: القدرة على تسوية الصراعات الإقليمية الأخرى، خاصةً التوتر بين إيران وإسرائيل، وزيادة احتمالية أن تكون بينهما مواجهات أخرى، بما ينعكس على الأمن الإقليمي عموماً.
خلاصة القول، إن منطقة البحر الأحمر، التي تتقاطع فيها المصالح الإقليمية مع نظيرتها الدولية، تحتاج إلى المزيد من الجهود الإقليمية لإقامة هيكل للأمن الإقليمي فيها، سواءً بتطوير الآليات الحالية أو استحداث ما يلزم، نظراً إلى الارتباط الوثيق بين الأمن وتنفيذ المشروعات التنموية الطموحة، لتحقيق مفهوم «الأمن التعاوني» بدلاً من «الأمن العسكري».
{ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية
والدولية في مركز «دراسات»
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك