العدد : ١٧٣٢٦ - السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٦ - السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لهذا أنا معجب بأغاثا

كلما‭ ‬كتبت‭ ‬عن‭ ‬إعجابي‭ ‬أو‭ ‬حبي‭ ‬لسيدة‭ ‬ما،‭ ‬تنتفض‭ ‬قرون‭ ‬الاستشعار‭ ‬عند‭ ‬أم‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬أم‭ ‬العيال،‭ ‬وتقرأ‭ ‬ما‭ ‬أكتب‭ ‬‮«‬من‭ ‬طقطق‭ ‬لسلامو‭ ‬عليكم‮»‬،‭ ‬وهذه‭ ‬عبارة‭ ‬دارجة‭ ‬إلى‭ ‬ألسن‭ ‬أهلنا‭ ‬المصريين،‭ ‬منقولة‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬الخطابات‭ ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬باسم‭ ‬متلقي‭ ‬الرسالة‭ ‬وتنتهي‭ ‬بالسلام‭.‬

أتحدث‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬السيدة‭ ‬أغاثا‭ ‬كزميريز،‭ ‬وأقول‭ ‬إن‭ ‬لها‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قلبي،‭ ‬ليس‭ ‬لأنها‭ ‬جميلة‭ ‬أو‭ ‬بارعة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬ما،‭ ‬أو‭ ‬غنية‭ ‬وأريد‭ ‬الزواج‭ ‬بها‭ ‬‮«‬عن‭ ‬طمع‮»‬‭.. ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬هي‭ ‬انني‭ ‬لم‭ ‬التق‭ ‬بها‭ ‬ولم‭ ‬أر‭ ‬لها‭ ‬صورة‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أعرفه‭ ‬عنها‭ ‬استقته‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬أعرفه‭ ‬عنها‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬سيدة‭ ‬بولندية‭ ‬لها‭ ‬بنت‭ ‬صغيرة،‭ ‬ولكن‭ ‬ذاع‭ ‬صيتهما‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم‭ ‬بعد‭ ‬إعلان‭ ‬نشرته‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬تعرض‭ ‬فيه‭ ‬تبني‭ ‬شخصين‭. ‬قد‭ ‬يتبادر‭ ‬الى‭ ‬ذهنك‭ ‬أنها‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬طفلا‭ ‬واحدا‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬وقررت‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬مجاراة‭ ‬‮«‬نجمات‮»‬‭ ‬هوليوود‭ ‬من‭ ‬شاكلة‭ ‬مادونا‭ ‬التي‭ ‬تبنت‭ ‬طفلا‭ ‬من‭ ‬جمهورية‭ ‬ملاوي‭ ‬الإفريقية،‭ ‬وأنجلينا‭ ‬جولي‭ ‬التي‭ ‬تبنت‭ ‬ستة‭ ‬أطفال‭ ‬من‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا‭.. ‬لا،‭ ‬أغاثا‭ ‬عرضت‭ ‬تبني‭ ‬شخصين‭ ‬يناهز‭ ‬عمريهما‭ ‬الستين‭ ‬سنة،‭ ‬وما‭ ‬تريده‭ ‬بالتحديد‭ ‬هو‭ ‬رجل‭ ‬يقوم‭ ‬مقام‭ ‬الجد،‭ ‬وامرأة‭ ‬تقوم‭ ‬مقام‭ ‬الجدة‭ ‬لطفلتها‭. ‬وما‭ ‬دفع‭ ‬أغاثا‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬والديها‭ ‬متوفيان،‭ ‬وهي‭ ‬تريد‭ ‬لابنتها‭ ‬ان‭ ‬تنعم‭ ‬بحنان‭ ‬الجد‭ ‬والجدة‭ (‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬بالإيجار‭).. ‬خذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬ان‭ ‬بولندا‭ ‬من‭ ‬أفقر‭ ‬بلدان‭ ‬أوروبا‭ ‬وأنها‭ ‬منذ‭ ‬انضمامها‭ ‬الى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوربي‭ ‬صارت‭ ‬مصدرا‭ ‬للعمالة‭ ‬الرخيصة‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭. ‬وفقدت‭ ‬تلك‭ ‬العمالة‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬بعد‭ ‬خروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوربي‭. ‬وأغاثا‭ ‬امرأة‭ ‬كادحة‭ ‬ولا‭ ‬تملك‭ ‬المال‭ ‬الكثير‭ (‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬تظلمها‭ ‬أيها‭ ‬القارئ‭ ‬وتستنتج‭ ‬أنها‭ ‬تريد‭ ‬شراء‭ ‬الحنان‭ ‬بفلوسها‭).. ‬ولأن‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬الناس‭ ‬هو‭ ‬الخير؛‭ ‬فقد‭ ‬عرض‭ ‬آلاف‭ ‬النساء‭ ‬والرجال‭ ‬ان‭ ‬يكونوا‭ ‬أجدادا‭ ‬وجدات‭ ‬لبنتها‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وأعلن‭ ‬معظمهم‭ ‬انهم‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬للقيام‭ ‬بتلك‭ ‬المهمة‭ ‬بلا‭ ‬مقابل‭... ‬شوف‭ ‬الدنيا‭ ‬مازالت‭ ‬بخير‭ ‬وليست‭ ‬كلها‭ ‬كتائب‭ ‬قذافي‭ ‬وشبيحة‭!!‬

أغاثا‭ ‬كزميريز‭ ‬تدرك‭ ‬شيئا‭ ‬صار‭ ‬غائبا‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬الثالث‭ ‬التعس‭: ‬تكافل‭ ‬وترابط‭ ‬وتلاحم‭ ‬وتراحم‭ ‬الأسرة‭ ‬الممتدة‭.. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جيلا‭ ‬كاملا‭ ‬من‭ ‬القراء‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬معنى‭ ‬‮«‬الأسرة‭ ‬الممتدة‮»‬،‭ ‬أقول‭ ‬باختصار‭ ‬إنها‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتألف‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬الأقارب‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى،‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬ابن‭ ‬الخال‭ ‬وابن‭ ‬عم‭ ‬الأخ‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬الأب‭.. ‬والأصهار‭.‬

توفي‭ ‬جدي‭ ‬لأمي‭ ‬وعمري‭ ‬نحو‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬ومازلت‭ ‬أذكر‭ ‬كيف‭ ‬أنه‭ ‬وهو‭ ‬الأعمى‭ ‬كان‭ ‬يعرفني‭ ‬من‭ ‬وقع‭ ‬خطواتي،‭ ‬ويحتضنني‭ ‬ويبكي‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬رؤيتي‭.. ‬وكان‭ ‬يسعدني‭ ‬أنه‭ ‬يتعرّف‭ ‬علي‭ ‬من‭ ‬وقع‭ ‬خطواتي،‭ ‬وكنت‭ ‬احس‭ ‬في‭ ‬حضنه‭ ‬بالأمان،‭ ‬وألجأ‭ ‬إليه‭ ‬كلما‭ ‬ارتكبت‭ ‬جريمة‭ ‬وحاول‭ ‬أحدهم‭ ‬معاقبتي،‭ ‬وجدي‭ ‬وجدتي‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬الأب‭ ‬توفيا‭ ‬قبل‭ ‬مولدي،‭ ‬وجدتي‭ ‬لأمي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أصيبت‭ ‬بالخرف‭ ‬عندما‭ ‬فتحت‭ ‬عيني‭ ‬على‭ ‬الدنيا‭.. ‬ولكن‭ ‬عماتي‭ ‬وخالاتي‭ ‬وكبار‭ ‬العائلة‭ ‬من‭ ‬الجنسين‭ ‬جعلوني‭ ‬لا‭ ‬أحس‭ ‬بالحرمان‭ ‬من‭ ‬الجد‭ ‬والجدة‭.. ‬كانوا‭ ‬دوما‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬وأذكر‭ ‬أنني‭ ‬كطفل‭ ‬وصبي‭ ‬كنت‭ ‬أمر‭ ‬يوميا‭ ‬على‭ ‬كذا‭ ‬بيت‭ ‬من‭ ‬بيوت‭ ‬أقاربي‭ ‬وإذا‭ ‬أعجبني‭ ‬الحال‭ ‬قررت‭ ‬المبيت‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬البيوت،‭ ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬أذكر‭ ‬حكايات‭ ‬عمتي‭ ‬بخيتة‭ ‬الهتشكوكية،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬الرعب‭ ‬والجن،‭ ‬وبعد‭ ‬ان‭ ‬يتجمد‭ ‬الدم‭ ‬في‭ ‬عروقي‭ ‬كانت‭ ‬تطلق‭ ‬ضحكة‭ ‬مدوية‭ ‬وتؤكد‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬قصصها‭ ‬من‭ ‬نسج‭ ‬الخيال‭.. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬كافيا‭ ‬لبث‭ ‬الطمأنينة‭ ‬في‭ ‬نفسي،‭ ‬فأصر‭ ‬على‭ ‬النوم‭ ‬في‭ ‬حضنها‭.. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬ديدنه‭ ‬اللهاث‭ ‬صار‭ ‬الأب‭ -‬دعك‭ ‬من‭ ‬الجد‭ ‬والجدة‭- ‬يوضع‭ ‬في‭ ‬الأرشيف،‭ ‬أي‭ ‬يصبح‭ ‬‮«‬مركونا‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬يصبح‭ ‬عاجزا‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬والحركة‭.. ‬صرت‭ ‬تسمع‭ ‬الجد‭ ‬يتوسل‭ ‬لولده‭ ‬ان‭ ‬يترك‭ ‬حفيده‭ ‬يقضي‭ ‬الليلة‭ ‬معه،‭ ‬فيكون‭ ‬رد‭ ‬الولد‭ ‬على‭ ‬أبيه‭: ‬يا‭ ‬أبوي‭ ‬الولد‭ ‬يبوظ‭ (‬أي‭ ‬يفسد‭) ‬لو‭ ‬جلس‭ ‬معك‭! ‬حنان‭ ‬الجد‭ ‬يسبب‭ ‬‮«‬البوظان‮»‬،‭ ‬فتأمل‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا