زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
لهذا أنا معجب بأغاثا
كلما كتبت عن إعجابي أو حبي لسيدة ما، تنتفض قرون الاستشعار عند أم المعارك التي هي أم العيال، وتقرأ ما أكتب «من طقطق لسلامو عليكم»، وهذه عبارة دارجة إلى ألسن أهلنا المصريين، منقولة من لغة الخطابات التي تبدأ باسم متلقي الرسالة وتنتهي بالسلام.
أتحدث اليوم عن السيدة أغاثا كزميريز، وأقول إن لها مكانة خاصة في قلبي، ليس لأنها جميلة أو بارعة في مجال ما، أو غنية وأريد الزواج بها «عن طمع».. حقيقة الأمر هي انني لم التق بها ولم أر لها صورة. كل ما أعرفه عنها استقته من وسائل الإعلام وكل ما أعرفه عنها هو أنها سيدة بولندية لها بنت صغيرة، ولكن ذاع صيتهما في مختلف أرجاء العالم بعد إعلان نشرته عبر الإنترنت تعرض فيه تبني شخصين. قد يتبادر الى ذهنك أنها ترى أن طفلا واحدا لا يكفي، وقررت من ثم مجاراة «نجمات» هوليوود من شاكلة مادونا التي تبنت طفلا من جمهورية ملاوي الإفريقية، وأنجلينا جولي التي تبنت ستة أطفال من إفريقيا وآسيا.. لا، أغاثا عرضت تبني شخصين يناهز عمريهما الستين سنة، وما تريده بالتحديد هو رجل يقوم مقام الجد، وامرأة تقوم مقام الجدة لطفلتها. وما دفع أغاثا الى ذلك ان والديها متوفيان، وهي تريد لابنتها ان تنعم بحنان الجد والجدة (حتى ولو بالإيجار).. خذ في الاعتبار ان بولندا من أفقر بلدان أوروبا وأنها منذ انضمامها الى الاتحاد الأوربي صارت مصدرا للعمالة الرخيصة في بريطانيا على وجه الخصوص. وفقدت تلك العمالة فرص العمل في بريطانيا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي. وأغاثا امرأة كادحة ولا تملك المال الكثير (ومن ثم لا تظلمها أيها القارئ وتستنتج أنها تريد شراء الحنان بفلوسها).. ولأن الأصل في الناس هو الخير؛ فقد عرض آلاف النساء والرجال ان يكونوا أجدادا وجدات لبنتها الصغيرة، وأعلن معظمهم انهم على استعداد للقيام بتلك المهمة بلا مقابل... شوف الدنيا مازالت بخير وليست كلها كتائب قذافي وشبيحة!!
أغاثا كزميريز تدرك شيئا صار غائبا عن حياة الناس حتى في عالمنا الثالث التعس: تكافل وترابط وتلاحم وتراحم الأسرة الممتدة.. وبما أن هناك جيلا كاملا من القراء لا يعرف معنى «الأسرة الممتدة»، أقول باختصار إنها تلك التي تتألف الى جانب الأقارب من الدرجة الأولى، من أبناء ابن الخال وابن عم الأخ من ناحية الأب.. والأصهار.
توفي جدي لأمي وعمري نحو أربع سنوات، ومازلت أذكر كيف أنه وهو الأعمى كان يعرفني من وقع خطواتي، ويحتضنني ويبكي لأنه لا يستطيع رؤيتي.. وكان يسعدني أنه يتعرّف علي من وقع خطواتي، وكنت احس في حضنه بالأمان، وألجأ إليه كلما ارتكبت جريمة وحاول أحدهم معاقبتي، وجدي وجدتي من ناحية الأب توفيا قبل مولدي، وجدتي لأمي كانت قد أصيبت بالخرف عندما فتحت عيني على الدنيا.. ولكن عماتي وخالاتي وكبار العائلة من الجنسين جعلوني لا أحس بالحرمان من الجد والجدة.. كانوا دوما جزءا من حياتنا اليومية، وأذكر أنني كطفل وصبي كنت أمر يوميا على كذا بيت من بيوت أقاربي وإذا أعجبني الحال قررت المبيت في أي من تلك البيوت، وإلى يومنا هذا أذكر حكايات عمتي بخيتة الهتشكوكية، فقد كانت متخصصة في قصص الرعب والجن، وبعد ان يتجمد الدم في عروقي كانت تطلق ضحكة مدوية وتؤكد لي أن قصصها من نسج الخيال.. ولم يكن ذلك كافيا لبث الطمأنينة في نفسي، فأصر على النوم في حضنها.. وفي عالم اليوم الذي ديدنه اللهاث صار الأب -دعك من الجد والجدة- يوضع في الأرشيف، أي يصبح «مركونا» بعد ان يصبح عاجزا عن العمل والحركة.. صرت تسمع الجد يتوسل لولده ان يترك حفيده يقضي الليلة معه، فيكون رد الولد على أبيه: يا أبوي الولد يبوظ (أي يفسد) لو جلس معك! حنان الجد يسبب «البوظان»، فتأمل.
إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك