العدد : ١٧٣٢٦ - السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٦ - السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

هل انتحر الوفاء أم نحروه؟

يتمتع‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬كريم‭ ‬الخصال،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يتمتع‭ ‬بما‭ ‬نسميه‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬‮«‬الفوجاج‮»‬،‭ ‬وهذه‭ ‬كلمة‭ ‬مجهولة‭ ‬الأبوين‭ ‬كما‭ ‬‮«‬خُرُنق‮»‬‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬عادل‭ ‬إمام‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬شاهد‭ ‬ما‭ ‬شافش‭ ‬حاجة‮»‬،‭ ‬والفوجاج‭ ‬هو‭ ‬التباهي‭ ‬المفرط‭: ‬نحن‭ ‬كذا‭ ‬وكذا،‭ ‬وفعلنا‭ ‬كذا‭ ‬وكذا،‭ ‬وديارنا‭ ‬ديار‭ ‬كذا‭ ‬وكذا‭.‬

ولاشك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬كرما،‭ ‬وإن‭ ‬صار‭ ‬الكرم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬الطعام‭ ‬للضيف‭ ‬بكميات‭ ‬تجارية،‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬نزعات‭ ‬استعراضية،‭ ‬فلا‭ ‬أعتقد‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الكرم‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬أن‭ ‬تدعو‭ ‬شخصا‭ ‬واحدا‭ ‬إلى‭ ‬طعام‭ ‬ثم‭ ‬تضع‭ ‬أمامه‭ ‬أكلا‭ ‬يكفي‭ ‬كتيبة‭ ‬من‭ ‬المظليين‭ (‬هم‭ ‬أكثر‭ ‬العسكريين‭ ‬إحساسا‭ ‬بالجوع‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬لأن‭ ‬مصارينهم‭ ‬تتعرض‭ ‬للتقلصات‭ ‬اثناء‭ ‬تدريبات‭ ‬الهبوط‭ ‬بالبراشوت‭).. ‬نعم‭ ‬العربي‭ ‬كريم‭ ‬وعلى‭ ‬استعداد‭ ‬لإطعام‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬يطلب‭ ‬منه‭ ‬طعاما‭ (‬ولكنه‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬مستعدا‭ ‬لشراء‭ ‬دواء‭ ‬بنصف‭ ‬قيمة‭ ‬ذلك‭ ‬الطعام‭ ‬لشخص‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬المرض‭)‬،‭ ‬ولكن‭ ‬الخصلة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬الاندثار‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الوفاء‮»‬،‭ ‬الوفاء‭ ‬تجاه‭ ‬افراد‭ ‬الاسرة‭ ‬والاصدقاء‭ ‬ومن‭ ‬يصنعون‭ ‬فينا‭ ‬المعروف،‭ ‬فارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الطلاق‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬جينات‭ ‬الوفاء‭ ‬عندنا‭ ‬صارت‭ ‬ضعيفة،‭ ‬وقد‭ ‬تقرض‭ ‬شخصا‭ ‬مالا‭ ‬لأنه‭ ‬جاءك‭ ‬محتاجا،‭ ‬وتصبح‭ ‬أنت‭ ‬محتاجا‭ ‬فتطلب‭ ‬منه‭ ‬سداد‭ ‬الدين‭ ‬فيماطلك‭ ‬وقد‭ ‬يصل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬ان‭ ‬يسبك‭ ‬ويشتمك‭: ‬الله‭ ‬يلعن‭ ‬أبو‭ ‬الزمن‭ ‬اللي‭ ‬خلى‭ ‬واحد‭ ‬مثلي‭ ‬يستلف‭ ‬فلوس‭ ‬من‭ ‬واحد‭ ‬خسيس‭ ‬مثلك‭!! ‬كثيرون‭ ‬منا‭ ‬سمعوا‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬العبارات‭ ‬النابية‭ ‬من‭ ‬اشخاص‭ ‬وقفنا‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬محن‭ ‬مالية‭ ‬واجهوها‭!! ‬والمدير‭ ‬الذي‭ ‬ينهي‭ ‬خدمات‭ ‬موظف‭ ‬عمل‭ ‬معه‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬بسبب‭ ‬هفوة‭ ‬بسيطة،‭ ‬جعلت‭ ‬المدير‭ ‬يحس‭ ‬بالحرج‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬أعلى‭ ‬منه،‭ ‬أيضا‭ ‬عديم‭ ‬الوفاء‭ ‬بل‭ ‬وجبان‭!! ‬فالمدير‭ ‬أو‭ ‬رئيس‭ ‬العمل‭ ‬الوفي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬موظفيه‭ ‬عندما‭ ‬يخطئون‭ ‬أخطاء‭ ‬بسيطة،‭ ‬ويقول‭ ‬بشجاعة‭: ‬أنا‭ ‬أتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬تقصيرهم‭!! ‬

ولعلنا‭ ‬نذكر‭ ‬حكاية‭ ‬ذلك‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬اصيب‭ ‬بفشل‭ ‬كلوي‭ ‬وتبرعت‭ ‬له‭ ‬زوجته‭ ‬بكلية‭ ‬واسترد‭ ‬صحته‭ ‬وعافيته،‭ ‬و‭... ‬شبابه،‭ ‬فكافأ‭ ‬زوجته‭ ‬بأن‭ ‬تزوج‭ ‬عليها‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬رفعت‭ ‬دعوى‭ ‬قضائية‭ ‬تطالبه‭ ‬فيها‭ ‬برد‭ ‬كليتها‭ ‬التي‭ ‬جعلته‭ ‬فحلا‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬الزواج،‭ ‬ونشرت‭ ‬الصحف‭ ‬قبل‭ ‬حين‭ ‬حكاية‭ ‬راعي‭ ‬الأغنام‭ ‬الذي‭ ‬فقد‭ ‬بصره‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الخمسين،‭ ‬فأصبح‭ ‬قعيد‭ ‬البيت‭ ‬وسهرت‭ ‬زوجته‭ ‬على‭ ‬راحته‭ ‬وتولت‭ ‬أعباء‭ ‬إعاشته،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬بلغ‭ ‬السبعين‭ ‬أجريت‭ ‬له‭ ‬عملية‭ ‬جراحية‭ ‬استرد‭ ‬بعدها‭ ‬بصره‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬لفت‭ ‬نظره‭ ‬أن‭ ‬زوجته‭ ‬الوفية‭ ‬تلك‭ ‬عجوز‭ ‬شكلها‭ ‬‮«‬يسد‭ ‬النفس‮»‬‭ ‬فكان‭ ‬أن‭ ‬قرر‭ ‬الزواج‭ ‬بأخرى‭ ‬تستأهل‭ ‬نظرات‭ ‬عينيه‭!! ‬وهناك‭ ‬أشخاص‭ ‬تساعدهم‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وظائف،‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬لديها،‭ ‬وتفاوض‭ ‬نيابة‭ ‬عنهم‭ ‬حتى‭ ‬يحصلوا‭ ‬على‭ ‬شروط‭ ‬خدمة‭ ‬متميزة،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تسلك‮»‬‭ ‬أمورهم‭ ‬تكتشف‭ ‬أن‭ ‬أحدهم‭ ‬كتب‭ ‬شكوى‭ ‬يقول‭ ‬فيها‭ ‬أنه‭ ‬أولى‭ ‬منك‭ ‬بالترقية‭ ‬أو‭ ‬العلاوة‭ ‬التي‭ ‬نلتها‭ ‬أنت‭ ‬‮«‬عن‭ ‬غير‭ ‬استحقاق‮»‬‭.‬

وينتحر‭ ‬الوفاء‭ ‬يوميا‭ ‬بأفعال‭ ‬شباب‭ ‬أنانيين،‭ ‬ينسون‭ ‬آباءهم‭ ‬وأمهاتهم‭ ‬بمجرد‭ ‬حصولهم‭ ‬على‭ ‬وظائف،‭ ‬رغم‭ ‬انهم‭ ‬يعرفون‭ ‬مدى‭ ‬حاجة‭ ‬أولئك‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭ ‬إلى‭ ‬العون‭ ‬المادي،‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بهم‭ ‬حاجة،‭ ‬فإن‭ ‬مجرد‭ ‬دخول‭ ‬الولد‭ ‬أو‭ ‬البنت‭ ‬على‭ ‬والديه‭ ‬حاملا‭ ‬هدية‭ ‬رمزية،‭ ‬يفجر‭ ‬ينابيع‭ ‬المودة‭ ‬والتراحم‭ ‬في‭ ‬القلوب‭!! ‬لقد‭ ‬أصبح‭ ‬الوفاء‭ ‬سلعة‭ ‬نادرة‭ ‬لأن‭ ‬معظمنا‭ ‬صار‭ ‬يحبذ‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعطي‭!! ‬تُعلم‭ ‬الولد‭ ‬وتساعده‭ ‬على‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وظيفة‭ ‬ويكون‭ ‬همه‭ ‬منذ‭ ‬تقاضيه‭ ‬أول‭ ‬راتب‭ ‬أن‭ ‬يرتاد‭ ‬الأماكن‭ ‬الفخمة‭ ‬مرتديا‭ ‬ملابس‭ ‬فخيمة،‭ ‬ومطليا‭ ‬بتشكيلة‭ ‬من‭ ‬المساحيق‭ ‬والكريمات،‭ ‬ويصاحب‭ ‬من‭ ‬يحسبهم‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬‮«‬الفخامة‮»‬‭.. ‬بل‭ ‬و‮«‬يستعر‮»‬‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬أهله‭ ‬‮«‬التعبان‮»‬‭ ‬فلا‭ ‬يدعو‭ ‬أصدقاءه‭ ‬إلا‭ ‬الى‭ ‬الفنادق‭ ‬والمطاعم‭ ‬الراقية‭.. ‬وراتب‭ ‬البنت‭ ‬قد‭ ‬يضيع‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬منتجات‭ ‬شانيل‭ ‬واستي‭ ‬لودر‭ ‬للتجميل‭.. ‬ولا‭ ‬تعرف‭ ‬البنات‭ ‬أننا‭ ‬نحن‭ ‬معشر‭ ‬الرجال‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬البنت‭ ‬المطلية‭ ‬بالمساحيق،‭ ‬من‭ ‬بره‭ ‬هلا‭ ‬هلا‭ ‬ومن‭ ‬جوه‭ ‬يا‭ ‬للهول‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا