يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
الهزيمة والنصر في قمة ألاسكا
استغرب من سيل المقالات في الصحف والمواقع الغربية التي تعتبر أن قمة الاسكا انتهت بهزيمة الرئيس الأمريكي ترامب وبنصر كبير للرئيس الروسي بوتين.
العجيب أن كل هذه التقديرات تستند إلى اعتبارات غير مقنعة أبدا. كلهم يقولون مثلا إن ترامب فرش السجادة الحمراء لبوتين واستقبله بحفاوة شديدة، وأنه أظهر روسيا كقوة عظمى وبوتين كزعيم عالمي، وأعطى الرئيس الروسي فرصة فريدة للظهور الإعلامي العالمي على الرغم من أنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية. ويضيفون إلى هذا أن ترامب لم يحصل من بوتين على شيء ولم ينجح في وقف إطلاق النار في أوكرانيا.. وهكذا.
هذه حجج ومبررات بلا معنى وغير منطقية على الإطلاق. روسيا قوة عظمى سواء عقدت القمة أم لم تعقد. وبوتين زعيم عالمي سواء اجتمع مع ترامب أم لم يجتمع. ولم نسمع عن الذين يتحدثون عن أن بوتين مطلوب للمحكمة الجنائية يقولون هذا الكلام في كل مرة يلتقي فيها ترامب مع مجرم الحرب والإبادة نتنياهو.
حقيقة الأمر أن ترامب تعامل مع القمة ومع قضية حرب أوكرانيا عموما بقدر كبير من الهدوء والعقلانية والموضوعية. هذا مقارنة بموقف الدول الأوروبية ومعهم أوكرانيا.
هناك خلافات كبرى بين نظرة وموقف الدول الأوروبية من روسيا بشكل عام ومن حرب أوكرانيا بالتالي وبين مواقف ترامب ونظرته.
ونستطيع أن نحدد هذه الخلافات على النحو التالي:
أولا: بالنسبة للنظرة الاستراتيجية لروسيا، تعتبر الدول الأوروبية أن روسيا تمثل خطرا استراتيجيا داهما يهدد أمنها. وبالتالي تعتبر أنه لا بد من الاستعداد لمواجهة استراتيجية مع روسيا.
في الفترة الماضية قرأنا كثيرا تصريحات لقادة أوروبيين يتحدثون بهذا المعنى، والبعض ذكر أن روسيا تستعد مستقبلا لمحاربة أوروبا وتهديد أمنها واستقرارها وأنه يجب إعداد الخطط الأوروبية على هذا الأساس.
ترامب له نظرة استراتيجية مختلفة. هو يعتبر أن روسيا قوة عالمية عظمى يجب أخذ مصالحها ومخاوفها الاستراتيجية بعين الاعتبار. ويرى ترامب أن هناك مجالا كبيرا للوصول إلى تسويات مقبولة مع روسيا بما من شأنه أن يبدد مخاوفها وفي نفس الوقت يحقق مصالح الغرب، ويفيد العالم بشكل عام.
ثانيا: بناء على هذه الرؤية الاستراتيجية تعتبر الدول الأوروبية أنه لا مجال سوى إلحاق الهزيمة بروسيا سواء في حرب أوكرانيا الحالية، أو مستقبلا في أي مواجهة. لهذا تنشغل الدول الأوروبية بإعداد الخطط العسكرية على هذا الأساس.
في المقابل، يعتبر الرئيس ترامب أنه من الصعب جدا الحديث عن هزيمة لروسيا في حرب أوكرانيا أو لاحقا. وطالما أنه في رأيه هناك مجال للتفاهم والتسويات مع روسيا فليس من المصلحة الحديث عن هزيمة روسيا وما شابه ذلك.
ثالثا: والمواقف السابقة تحكم المواقف الأوروبية وموقف ترامب من مسألة التسوية لإنهاء حرب أوكرانيا وشروط ذلك.
الدول الأوروبية ترفض تقديم ما تعتبر أنها تنازلات لروسيا، وترفض وخصوصا أن تحتفظ روسيا بأي أراض، وتصر على مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلنطي.
الرئيس ترامب يعتبر أن هذا الموقف الأوروبي غير منطقي وغير عملي. ويرى أنه ليس معقولا مطالبة روسيا بتقديم كل الأراضي لأوكرانيا هكذا. كما يرفض في تصريحاته العلنية مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف الأطلنطي وخصوصا أن هذه القضية والمخاوف الروسية منها كانت أساسا أحد الأسباب الكبرى لاندلاع الحرب. ويعرض ترامب تقديم ضمات أمنية أخرى لأوكرانيا.
إذا تأملنا هذه الجوانب فسوف نجد كما ذكرت أن مواقف ترامب هي الأكثر عقلانية ومنطقية وعملية.
في نهاية المطاف الدول الأوروبية لا تستطيع أن تتحدى أمريكا أو تنأى بنفسها عنها أو تقرر الاعتماد على نفسها فقط عسكريا وأمنيا. وبالتالي لا مفر أمامها سوى اخذ مواقف ترامب بمنتهى الجدية. وإذا قرر ترامب مثلا أن يفض يده من موضوع أوكرانيا وتسوية وقف الحرب، وإذا أصرت الدول الأوروبية على موقفها فسوف تجد نفسها في موقف صعب جدا وأزمة كبرى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك