العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

كيف يتحرك العرب لحماية وجودهم ومكانتهم؟

بقلم: طلال عوكل {

الأربعاء ٠٦ أغسطس ٢٠٢٥ - 02:00

بينما‭ ‬يتهاوى‭ ‬نظام‭ ‬القيم‭ ‬الدولية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ويترنّح‭ ‬نظام‭ ‬العدالة‭ ‬وضوابط‭ ‬السلم‭ ‬العالمي،‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬انهيار‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتسيّد‭ ‬على‭ ‬البشرية،‭ ‬ينهض‭ ‬التساؤل‭ ‬المرّ‭ ‬عن‭ ‬حال‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬ودورها‭ ‬ومكانتها‭ ‬القائمة‭ ‬والمرتقبة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭ ‬الموعود‭.‬

إذا‭ ‬كانت‭ ‬الأمّة‭ ‬العربية،‭ ‬قد‭ ‬حافظت‭ ‬كأمّة‭ ‬على‭ ‬العناصر‭ ‬الأساسية‭ ‬المكوّنة‭ ‬لهويّتها‭ ‬الجمعية‭ ‬نظرياً،‭ ‬فإنّ‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬قد‭ ‬فكّك‭ ‬هذه‭ ‬العناصر،‭ ‬وأحالها‭ ‬إلى‭ ‬شظايا‭ ‬متناثرة،‭ ‬ما‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬الإطاحة‭ ‬بممكنات‭ ‬إقامة‭ ‬مشروع‭ ‬قومي،‭ ‬عربي‭ ‬نهضوي‭.‬

القوى‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬التي‭ ‬أدركت‭ ‬مبكّراً‭ ‬ضرورة‭ ‬منع‭ ‬قيام‭ ‬مشروع‭ ‬قومي‭ ‬عربي،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بالسيطرة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬الثروات‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬تزخر‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬أسّست‭ ‬للوضع‭ ‬القائم‭ ‬حالياً،‭ ‬عَبر‭ ‬ترتيبات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭.‬

بل‭ ‬إنّ‭ ‬قوى‭ ‬الاستعمار‭ ‬القديم،‭ ‬قد‭ ‬تنبّهت‭ ‬إلى‭ ‬خطورة‭ ‬مشروع‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باشا‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأوّل‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬واستلهمت‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬التفكير‭ ‬بتقسيم‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬بين‭ ‬شرق‭ ‬وغرب‭ ‬عَبر‭ ‬مشروع‭ ‬حلّ‭ ‬ما‭ ‬يسمّى‭ ‬الأزمة‭ ‬اليهودية،‭ ‬بإقامة‭ ‬مجتمع‭ ‬استيطاني‭ ‬إحلالي‭ ‬يهودي‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين،‭ ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬الخطوة‭ ‬الكبيرة‭ ‬الأولى‭ ‬تبعتها‭ ‬اتفاقية‭ ‬‮«‬سايكس‭ ‬ـ‭ ‬بيكو‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1916‭.‬

بعد‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬عملت‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية‭ ‬على‭ ‬تأييد‭ ‬ذلك‭ ‬الواقع‭ ‬عَبر‭ ‬تعزيز‭ ‬النزعات‭ ‬القبلية،‭ ‬والطائفية‭ ‬والعرقية،‭ ‬وتنمية‭ ‬النزعات‭ ‬القُطرية،‭ ‬وتشكيل‭ ‬كيانات‭ ‬متصارعة،‭ ‬تتراجع‭ ‬معها‭ ‬تدريجياً،‭ ‬المصالح‭ ‬القومية‭ ‬المشتركة‭.‬

اليوم‭ ‬تعيش‭ ‬الأمّة‭ ‬العربية‭ ‬حالة‭ ‬قاسية،‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬والصراع‭ ‬البيني،‭ ‬وتطغى‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬أوهام‭ ‬تجاوز‭ ‬محدودية‭ ‬القدرة‭ ‬القطرية‭ ‬التي‭ ‬يعتقد‭ ‬معها‭ ‬كل‭ ‬نظام‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬مكانه‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬الإقليمية‭ ‬أو‭ ‬الدولية‭.‬

لا‭ ‬يدرك‭ ‬هؤلاء‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأوهام‭ ‬قد‭ ‬تسقط‭ ‬بين‭ ‬لحظة‭ ‬وأخرى‭ ‬طالما‭ ‬أنها‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬المساحة‭ ‬المتاحة‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المتسيّد‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬ومرّة‭ ‬أخرى‭ ‬أسقطت‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬آمن‭ ‬وعمل‭ ‬عليها‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر،‭ ‬بشأن‭ ‬إقامة‭ ‬مشروع‭ ‬قومي‭ ‬عربي‭ ‬نهضوي،‭ ‬حتى‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬أحد‭ ‬يفكّر‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭.‬

كان‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬إكمال‭ ‬عملية‭ ‬إسقاط‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬من‭ ‬أساسها،‭ ‬عَبر‭ ‬إسقاط‭ ‬حامليها،‭ ‬بحيث‭ ‬اختفت‭ ‬كل‭ ‬الأحزاب‭ ‬القومية‭ ‬العربية‭ ‬وخلت‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬تجمُّع،‭ ‬أو‭ ‬مشروع‭ ‬نظري‭ ‬حتى‭ ‬يبشّر‭ ‬أو‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬وكأنّها‭ ‬شبهة‭ ‬تستدعي‭ ‬مُلاحقة‭ ‬من‭ ‬يدعو‭ ‬إليها‭.‬

في‭ ‬قراءة‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬وصلته‭ ‬الأمّة‭ ‬العربية،‭ ‬يتساءل‭ ‬المرء‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬والعراق،‭ ‬ولبنان،‭ ‬واليمن،‭ ‬والسودان،‭ ‬والصومال،‭ ‬وفلسطين‭ ‬وليبيا،‭ ‬وبين‭ ‬الجزائر‭ ‬والمغرب،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬خلف‭ ‬هذه‭ ‬الصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬والانقسامات‭.‬

لماذا‭ ‬تمسّك‭ ‬الزعماء‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬سورية‭ (‬بشار‭ ‬الأسد‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬ليبيا‭ (‬معمر‭ ‬القذافي‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬تونس‭ (‬زين‭ ‬العابدين‭ ‬بن‭ ‬علي‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬اليمن‭ (‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬صالح‭)‬،‭ ‬بالسلطة‭ ‬حتى‭ ‬الموت‭ ‬والدمار؟

كان‭ ‬بإمكان‭ ‬هؤلاء،‭ ‬أن‭ ‬يختموا‭ ‬حياتهم‭ ‬كأبطال‭ ‬لو‭ ‬أنهم‭ ‬نزلوا‭ ‬عند‭ ‬رغبة‭ ‬شعوبهم،‭ ‬واختاروا‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وصناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬لمنع‭ ‬انهيار‭ ‬بلدانهم،‭ ‬وكان‭ ‬لدى‭ ‬البعض‭ ‬خيارات‭ ‬وأولويات‭ ‬أخرى‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬خوض‭ ‬الصراع،‭ ‬وهدر‭ ‬الإمكانيات‭ ‬المادية‭ ‬والبشرية‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬الداخلية‭.‬

بأيدٍ‭ ‬محلية،‭ ‬وتدخُّلات‭ ‬أجنبية،‭ ‬يجري‭ ‬تدمير‭ ‬السودان،‭ ‬وسورية،‭ ‬ولبنان،‭ ‬وليبيا‭ ‬واليمن،‭ ‬سعياً‭ ‬وراء‭ ‬أوهام‭ ‬القوّة‭ ‬وتحقيق‭ ‬النفوذ‭.‬

لا‭ ‬يدرك‭ ‬العرب‭ ‬أنّ‭ ‬الأمّة‭ ‬العربية‭ ‬تملك‭ ‬من‭ ‬الإمكانيات‭ ‬الجغرافية‭ ‬والبشرية،‭ ‬والثروات‭ ‬الطبيعية‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬تنافس‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬ونفوذ‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬الدولية‭.‬

العرب‭ ‬تائهون،‭ ‬وإراداتهم‭ ‬مسلوبة،‭ ‬وثقتهم‭ ‬بأنفسهم‭ ‬وشعوبهم‭ ‬اقل‭ ‬من‭ ‬المتوقع،‭ ‬وخوفهم‭ ‬على‭ ‬السلطة،‭ ‬يجعلهم‭ ‬دائماً‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬أمنهم‭ ‬واستقرارهم،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قوى‭ ‬خارجية‭.‬

لماذا‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬العرب‭ ‬حماية‭ ‬أمنهم‭ ‬بأنفسهم،‭ ‬ويتركون‭ ‬ذلك‭ ‬لقوى‭ ‬خارجية،‭ ‬وبعضهم‭ ‬تائهون‭ ‬بين‭ ‬الخيارات؟

القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ ‬العرب‭ ‬قضيتهم‭ ‬المركزية‭ ‬تأرجحت‭ ‬بين‭ ‬صعود‭ ‬وهبوط،‭ ‬تبعاً‭ ‬لحالة‭ ‬الصراع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وبعضهم‭ ‬أسقطها‭ ‬من‭ ‬حساباته‭.‬

والسؤال‭: ‬ماذا‭ ‬ينتظر‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬التغيّرات‭ ‬الجارية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي؟‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬العرب،‭ ‬وقضيتهم‭ ‬المركزية،‭ ‬لم‭ ‬يحققوا‭ ‬شيئاً‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬ثنائي‭ ‬القوة‭ ‬قبل‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي،‭ ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحققوا‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬متعدّد‭ ‬الأقطاب‭ ‬الموعود؟

القوى‭ ‬المرشّحة‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬متعدّد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬روسيا،‭ ‬وغيرها،‭ ‬كلها‭ ‬تبني‭ ‬سياساتها‭ ‬وفق‭ ‬مصالحها‭ ‬الخاصّة،‭ ‬وهي‭ ‬تكتفي‭ ‬فقط‭ ‬بإصدار‭ ‬البيانات،‭ ‬فهل‭ ‬ستجد‭ ‬تلك‭ ‬البيانات‭ ‬طريقاً‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تغيّر‭ ‬النظام‭ ‬الدولي؟

الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬تمارس‭ ‬هيمنتها‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استخدام‭ ‬القوّة،‭ ‬ولأنها‭ ‬تتحمّل‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬ميزانيات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مؤسّساتها‭ ‬تنهار‭ ‬ويختفي‭ ‬دورها‭ ‬العملي،‭ ‬حين‭ ‬تتوقّف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عن‭ ‬تغطية‭ ‬نفقاتها‭.‬

والسؤال‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تتقدّم‭ ‬القوى‭ ‬المنافسة‭ ‬لملء‭ ‬الفراغ‭ ‬لحماية‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الدولية،‭ ‬ولعلّ‭ ‬أبرز‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬الأونروا‮»‬‭.‬

من‭ ‬الواضح‭ ‬أنّ‭ ‬الدرس‭ ‬الأساس‭ ‬المهمّ‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الأمّة‭ ‬العربية،‭ ‬سواء‭ ‬كجماعة‭ ‬أو‭ ‬كأنظمة‭ ‬قُطرية،‭ ‬لا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬استقلالها‭ ‬وكرامتها،‭ ‬واستقرارها،‭ ‬وحقها‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬مصيرها،‭ ‬إلّا‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬ذاتها‭.‬

الدرس‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أبلغ‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬درسٍ‭ ‬أو‭ ‬تجربة،‭ ‬فلولا‭ ‬نضالهم‭ ‬وتضحياتهم،‭ ‬لما‭ ‬تمكنوا‭ ‬من‭ ‬إحياء‭ ‬وفرض‭ ‬قضيتهم‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأجندات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا