بينما يتهاوى نظام القيم الدولية الإنسانية، ويترنّح نظام العدالة وضوابط السلم العالمي، في الطريق نحو انهيار النظام الدولي الذي لا يزال يتسيّد على البشرية، ينهض التساؤل المرّ عن حال الأمة العربية ودورها ومكانتها القائمة والمرتقبة في العالم الجديد الموعود.
إذا كانت الأمّة العربية، قد حافظت كأمّة على العناصر الأساسية المكوّنة لهويّتها الجمعية نظرياً، فإنّ النظام العالمي الذي ساد بعد الحرب العالمية الأولى، قد فكّك هذه العناصر، وأحالها إلى شظايا متناثرة، ما أدّى إلى الإطاحة بممكنات إقامة مشروع قومي، عربي نهضوي.
القوى الاستعمارية، التي أدركت مبكّراً ضرورة منع قيام مشروع قومي عربي، بما يسمح لها بالسيطرة الكاملة على الثروات الهائلة التي تزخر بها هذه المنطقة من العالم، كانت قد أسّست للوضع القائم حالياً، عَبر ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى.
بل إنّ قوى الاستعمار القديم، قد تنبّهت إلى خطورة مشروع محمد علي باشا في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر، واستلهمت من ذلك، التفكير بتقسيم الوطن العربي بين شرق وغرب عَبر مشروع حلّ ما يسمّى الأزمة اليهودية، بإقامة مجتمع استيطاني إحلالي يهودي على أرض فلسطين، وكانت تلك الخطوة الكبيرة الأولى تبعتها اتفاقية «سايكس ـ بيكو» عام 1916.
بعد تلك الفترة، عملت القوى الاستعمارية على تأييد ذلك الواقع عَبر تعزيز النزعات القبلية، والطائفية والعرقية، وتنمية النزعات القُطرية، وتشكيل كيانات متصارعة، تتراجع معها تدريجياً، المصالح القومية المشتركة.
اليوم تعيش الأمّة العربية حالة قاسية، من التنافس والصراع البيني، وتطغى على المشهد أوهام تجاوز محدودية القدرة القطرية التي يعتقد معها كل نظام أنه يمكن أن يأخذ مكانه بين القوى العظمى الإقليمية أو الدولية.
لا يدرك هؤلاء أن هذه الأوهام قد تسقط بين لحظة وأخرى طالما أنها تعمل في المساحة المتاحة لها من قبل المتسيّد على النظام الدولي، ومرّة أخرى أسقطت القوى الاستعمارية الفكرة التي آمن وعمل عليها جمال عبد الناصر، بشأن إقامة مشروع قومي عربي نهضوي، حتى لم يبق أحد يفكّر بهذه الطريقة.
كان لا بدّ من إكمال عملية إسقاط هذه الفكرة من أساسها، عَبر إسقاط حامليها، بحيث اختفت كل الأحزاب القومية العربية وخلت المنطقة من أيّ تجمُّع، أو مشروع نظري حتى يبشّر أو يدعو إلى ذلك، حتى باتت هذه الفكرة وكأنّها شبهة تستدعي مُلاحقة من يدعو إليها.
في قراءة الوضع الذي وصلته الأمّة العربية، يتساءل المرء عن أسباب الصراع في سورية، والعراق، ولبنان، واليمن، والسودان، والصومال، وفلسطين وليبيا، وبين الجزائر والمغرب، وما هي القوى التي تقف خلف هذه الصراعات والحروب والانقسامات.
لماذا تمسّك الزعماء العرب في سورية (بشار الأسد)، وفي ليبيا (معمر القذافي)، وفي تونس (زين العابدين بن علي)، وفي اليمن (علي عبدالله صالح)، بالسلطة حتى الموت والدمار؟
كان بإمكان هؤلاء، أن يختموا حياتهم كأبطال لو أنهم نزلوا عند رغبة شعوبهم، واختاروا الديمقراطية وصناديق الاقتراع لمنع انهيار بلدانهم، وكان لدى البعض خيارات وأولويات أخرى بدلاً من خوض الصراع، وهدر الإمكانيات المادية والبشرية في الصراعات الداخلية.
بأيدٍ محلية، وتدخُّلات أجنبية، يجري تدمير السودان، وسورية، ولبنان، وليبيا واليمن، سعياً وراء أوهام القوّة وتحقيق النفوذ.
لا يدرك العرب أنّ الأمّة العربية تملك من الإمكانيات الجغرافية والبشرية، والثروات الطبيعية ما يجعلها تنافس على مواقع ونفوذ بين القوى العظمى الدولية.
العرب تائهون، وإراداتهم مسلوبة، وثقتهم بأنفسهم وشعوبهم اقل من المتوقع، وخوفهم على السلطة، يجعلهم دائماً يبحثون عن حماية أمنهم واستقرارهم، من خلال قوى خارجية.
لماذا لا يستطيع العرب حماية أمنهم بأنفسهم، ويتركون ذلك لقوى خارجية، وبعضهم تائهون بين الخيارات؟
القضية الفلسطينية التي يعتبرها العرب قضيتهم المركزية تأرجحت بين صعود وهبوط، تبعاً لحالة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وبعضهم أسقطها من حساباته.
والسؤال: ماذا ينتظر العرب من التغيّرات الجارية على المستوى الدولي؟ إذا كان العرب، وقضيتهم المركزية، لم يحققوا شيئاً خلال فترة النظام الدولي ثنائي القوة قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، فهل يمكن أن يحققوا شيئاً من النظام الدولي متعدّد الأقطاب الموعود؟
القوى المرشّحة للمشاركة في صناعة النظام الدولي متعدّد الأقطاب، من الصين إلى روسيا، وغيرها، كلها تبني سياساتها وفق مصالحها الخاصّة، وهي تكتفي فقط بإصدار البيانات، فهل ستجد تلك البيانات طريقاً للعمل في حال تغيّر النظام الدولي؟
الولايات المتحدة، تمارس هيمنتها على النظام العالمي من خلال استخدام القوّة، ولأنها تتحمّل الجزء الأكبر من ميزانيات الأمم المتحدة، ولذلك، فإن الكثير من مؤسّساتها تنهار ويختفي دورها العملي، حين تتوقّف الولايات المتحدة عن تغطية نفقاتها.
والسؤال: لماذا لا تتقدّم القوى المنافسة لملء الفراغ لحماية المؤسّسات الدولية، ولعلّ أبرز مثال على ذلك «الأونروا».
من الواضح أنّ الدرس الأساس المهمّ هنا هو أن الأمّة العربية، سواء كجماعة أو كأنظمة قُطرية، لا يمكنها أن تحقق استقلالها وكرامتها، واستقرارها، وحقها في تقرير مصيرها، إلّا بالاعتماد على ذاتها.
الدرس الفلسطيني أبلغ من أيّ درسٍ أو تجربة، فلولا نضالهم وتضحياتهم، لما تمكنوا من إحياء وفرض قضيتهم على كل الأجندات الإقليمية والدولية.
{ كاتب من فلسطين
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك