العدد : ١٧٤٧٤ - الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٤ - الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٤٧هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

أبناؤنا والتكنولوجيا: صرخة تحذير

هذا‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬قرأتها‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭. ‬أهميته‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬يتعلق‭ ‬بقضية‭ ‬مصيرية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬والمجتمعات‭.. ‬قضية‭ ‬مستقبل‭ ‬الجيل‭ ‬الحالي‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتطوراتها‭ ‬المذهلة‭.‬

كاتب‭ ‬المقال‭ ‬هو‭ ‬الكاتب‭ ‬البريطاني‭ ‬المخضرم‭ ‬سيمون‭ ‬جنكينز‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬كتاب‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الجارديان‮»‬‭ ‬البريطانية‭.‬

من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬أعرض‭ ‬بداية‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التفصيل‭ ‬لما‭ ‬أثاره‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬بخصوص‭ ‬القضية،‭ ‬ثم‭ ‬سأعلق‭ ‬عليها‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

الكاتب‭ ‬يوجه‭ ‬انتقادات‭ ‬للنظام‭ ‬التعليمي‭ ‬البريطاني‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬محددة‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬فنون‭ ‬الخطابة‭ ‬والكلام،‭ ‬ويركز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬جوانب‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬الرياضيات‭ ‬والكتابة‭ ‬والقراءة‭.‬

 

يقول‭: ‬‮«‬أكبر‭ ‬إخفاق‮»‬‭ ‬للمدارس‭ ‬البريطانية‭ ‬هو‭ ‬تعليم‭ ‬الأطفال‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬والحساب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تعليمهم‭ ‬الكلام‭ ‬والخطابة،‭ ‬فالمدارس‭ ‬تعلّم‭ ‬الطلبة‭ ‬ما‭ ‬تستطيع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أن‭ ‬تفعله‭ ‬لهم،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعلّمهم‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬فعله‭.‬

بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬رأيه‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬البريطاني‭ ‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬الأطفال‭ ‬التفكير‭ ‬والحديث‭ ‬والتواصل‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬ويكرس‭ ‬سلبيات‭ ‬التكنولوجيا‭.‬

هذا‭ ‬الحال‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬رأي‭ ‬الكاتب‭ ‬نتائج‭ ‬سلبية‭ ‬خطيرة‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬التلاميذ‭ ‬العملي‭ ‬حين‭ ‬يدخلون‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وتأثيرات‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬مدمرة‭.‬

للتدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يذكر‭ ‬الكاتب‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬شكاوى‭ ‬متكررة‮»‬‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬افتقار‭ ‬المتقدمين‭ ‬للوظائف‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬المهارات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وعقلية‭ ‬العمل‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬طلبة‭ ‬المدارس‭ ‬‮«‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تعليمهم‭ ‬كيفية‭ ‬تقديم‭ ‬أنفسهم،‭ ‬أو‭ ‬النقاش‭ ‬بالحجج،‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‮»‬،‭ ‬والمهمة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬يُكرّس‭ ‬لها‭ ‬التدريس‭ ‬‮«‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬حصري‮»‬‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الامتحانات،‭ ‬وهي‭ ‬نشاط‭ ‬يُمارس‭ ‬‮«‬في‭ ‬صمت‭ ‬تامّ‮»‬‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أيضا‭ ‬يسجل‭ ‬الكاتب‭ ‬ملاحظة‭ ‬شخصية‭ ‬رصدها‭ ‬بين‭ ‬التلاميذ‭ ‬أثناء‭ ‬مغادرتهم‭ ‬إحدى‭ ‬المدارس‭ ‬المحلية‭. ‬لاحظ‭ ‬انهم‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يتحدثون،‭ ‬بل‭ ‬يكتفون‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الهاتف‭ ‬أو‭ ‬الصراخ‭. ‬ويعتبر‭ ‬هذا‭ ‬مؤشرا‭ ‬واضحا‭ ‬على‭ ‬‮«‬ازدياد‭ ‬الأمراض‭ ‬النفسية‭ ‬بين‭ ‬المراهقين‮»‬‭.‬

يقول‭ ‬الكاتب‭ ‬إن‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أطلق‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬وعودا‭ ‬تعهد‭ ‬فيها‭ ‬بأن‭ ‬تعليم‭ ‬الخطابة‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬أولويات‭ ‬حكومة‭ ‬حزب‭ ‬العمّال،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكرر‭ ‬هذا‭ ‬الوعد‭ ‬حين‭ ‬أصبح‭ ‬رئيسا‭ ‬للوزراء‭.‬

ويذكر‭ ‬انه‭ ‬مؤخرا‭ ‬وجه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬من‭ ‬المطالبين‭ ‬بإصلاح‭ ‬نظام‭ ‬التعليم‭ ‬وضرورة‭ ‬إعطاء‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى‭ ‬لتعليم‭ ‬الخطابة‭ ‬في‭ ‬المدارس،‭ ‬خطابا‭ ‬مفتوحا‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬بهذا‭ ‬الخصوص‭. ‬يضم‭ ‬هؤلاء‭ ‬وزراء‭ ‬تعليم‭ ‬سابقين‭ ‬وأساتذة‭ ‬جامعات‭ ‬وناشطين‭ ‬سياسيين‭. ‬هؤلاء‭ ‬ذكروا‭ ‬في‭ ‬خطابهم‭: ‬‮«‬في‭ ‬عالم‭ ‬أصبحت‭ ‬تشكله‭ ‬التطورات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والانقسامات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬العميقة،‭ ‬وعدم‭ ‬المساواة،‭ ‬فإن‭ ‬مهارات‭ ‬الحديث‭ ‬والخطابة‭ ‬والاستماع‭ ‬والتواصل‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحا‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬اليوم‮»‬‭.‬

كما‭ ‬ينقل‭ ‬الكاتب‭ ‬عن‭ ‬أستاذ‭ ‬لأدب‭ ‬الأطفال‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬إن‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للغة‭ ‬هو‭ ‬حديثنا‭. ‬إنها‭ ‬وسيلتنا‭ ‬اليومية‭ ‬لإقامة‭ ‬العلاقات،‭ ‬ولمشاركة‭ ‬أحداث‭ ‬حياتنا،‭ ‬وللاستماع‭ ‬ومعرفة‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬أهم‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬يطرحها‭ ‬الكاتب‭. ‬وما‭ ‬طرحه‭ ‬هو‭ ‬أشبه‭ ‬بصرخة‭ ‬تحذير‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬السلبية‭ ‬الخطيرة‭ ‬لعدم‭ ‬تأهيل‭ ‬التلاميذ‭ ‬التأهيل‭ ‬المطلوب‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬عصر‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتطوراته‭ ‬المذهلة‭.‬

عرضت‭ ‬لهذه‭ ‬الأفكار‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التفصيل‭ ‬لأن‭ ‬القضية‭ ‬التي‭ ‬يثيرها‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬ببريطانيا‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بكل‭ ‬دولنا‭ ‬العربية‭ ‬ودول‭ ‬العالم‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬القضية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحا‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬الكاتب،‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭: ‬كيف‭ ‬نتعامل‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬دولنا‭ ‬العربية‭ ‬مع‭ ‬القضية؟‭.. ‬كيف‭ ‬نعلم‭ ‬أبناءنا‭ ‬التعليم‭ ‬القويم‭ ‬وننشئهم‭ ‬التنشئة‭ ‬السليمة‭ ‬التي‭ ‬تجنبهم‭ ‬المخاطر‭ ‬الداهمة‭ ‬لعصر‭ ‬التكنولوجيا؟

هذا‭ ‬حديث‭ ‬آخر‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا