يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
أبناؤنا والتكنولوجيا: صرخة تحذير
هذا واحد من أهم المقالات التي قرأتها في الفترة الماضية. أهميته تنبع من أنه يتعلق بقضية مصيرية في كل الدول والمجتمعات.. قضية مستقبل الجيل الحالي من الأطفال والشباب في عصر التكنولوجيا وتطوراتها المذهلة.
كاتب المقال هو الكاتب البريطاني المخضرم سيمون جنكينز أحد أكبر كتاب صحيفة «الجارديان» البريطانية.
من المهم أن أعرض بداية بشيء من التفصيل لما أثاره الكاتب في مقاله من أفكار بخصوص القضية، ثم سأعلق عليها بعد ذلك.
الكاتب يوجه انتقادات للنظام التعليمي البريطاني من زاوية محددة هي أنه لا يعلم الأطفال في المدارس فنون الخطابة والكلام، ويركز فقط على جوانب أخرى مثل الرياضيات والكتابة والقراءة.
يقول: «أكبر إخفاق» للمدارس البريطانية هو تعليم الأطفال القراءة والكتابة والحساب من دون تعليمهم الكلام والخطابة، فالمدارس تعلّم الطلبة ما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله لهم، لكنها لا تعلّمهم ما لا تستطيع التكنولوجيا فعله.
بعبارة أخرى، في رأيه أن النظام التعليمي البريطاني لا يعلم الأطفال التفكير والحديث والتواصل والتعبير عن النفس، ويكرس سلبيات التكنولوجيا.
هذا الحال له في رأي الكاتب نتائج سلبية خطيرة على مستقبل التلاميذ العملي حين يدخلون سوق العمل، وتأثيرات نفسية واجتماعية مدمرة.
للتدليل على ذلك، يذكر الكاتب مثلا أن هناك «شكاوى متكررة» من أصحاب العمل من افتقار المتقدمين للوظائف إلى «المهارات الاجتماعية وعقلية العمل»، كما أن طلبة المدارس «نادراً ما يتم تعليمهم كيفية تقديم أنفسهم، أو النقاش بالحجج، أو بناء العلاقات الإنسانية»، والمهمة الوحيدة التي يُكرّس لها التدريس «بشكل شبه حصري» تتمثل في الامتحانات، وهي نشاط يُمارس «في صمت تامّ».
في هذا السياق أيضا يسجل الكاتب ملاحظة شخصية رصدها بين التلاميذ أثناء مغادرتهم إحدى المدارس المحلية. لاحظ انهم «لا يتحدثون، بل يكتفون بالنظر إلى الهاتف أو الصراخ. ويعتبر هذا مؤشرا واضحا على «ازدياد الأمراض النفسية بين المراهقين».
يقول الكاتب إن كير ستارمر كان قد أطلق في السابق وعودا تعهد فيها بأن تعليم الخطابة سيكون من أولويات حكومة حزب العمّال، لكنه لم يكرر هذا الوعد حين أصبح رئيسا للوزراء.
ويذكر انه مؤخرا وجه أكثر من 60 من المطالبين بإصلاح نظام التعليم وضرورة إعطاء أولوية قصوى لتعليم الخطابة في المدارس، خطابا مفتوحا إلى رئيس الوزراء بهذا الخصوص. يضم هؤلاء وزراء تعليم سابقين وأساتذة جامعات وناشطين سياسيين. هؤلاء ذكروا في خطابهم: «في عالم أصبحت تشكله التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، والانقسامات الاجتماعية العميقة، وعدم المساواة، فإن مهارات الحديث والخطابة والاستماع والتواصل لم تكن في يوم من الأيام أكثر إلحاحا مما هي اليوم».
كما ينقل الكاتب عن أستاذ لأدب الأطفال قوله: «إن العمود الفقري للغة هو حديثنا. إنها وسيلتنا اليومية لإقامة العلاقات، ولمشاركة أحداث حياتنا، وللاستماع ومعرفة حياة الآخرين».
هذه أهم الأفكار التي يطرحها الكاتب. وما طرحه هو أشبه بصرخة تحذير من النتائج السلبية الخطيرة لعدم تأهيل التلاميذ التأهيل المطلوب للتعامل مع عصر التكنولوجيا وتطوراته المذهلة.
عرضت لهذه الأفكار بشيء من التفصيل لأن القضية التي يثيرها لا تتعلق ببريطانيا وحدها، بل بكل دولنا العربية ودول العالم بصفة عامة. بل إن القضية بالنسبة إلينا أكثر إلحاحا بكثير مما هي في بريطانيا.
بالإضافة إلى الأفكار التي طرحها الكاتب، يبقى السؤال: كيف نتعامل نحن في دولنا العربية مع القضية؟.. كيف نعلم أبناءنا التعليم القويم وننشئهم التنشئة السليمة التي تجنبهم المخاطر الداهمة لعصر التكنولوجيا؟
هذا حديث آخر بإذن الله.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك