العدد : ١٧٥٢٣ - الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٣ - الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

حروف اللغة تكشف عِللك (1)

فعلا‭ ‬ابن‭ ‬آدم‭ ‬مفتري،‭ ‬بدليل‭ ‬شواهد‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أنه‭ ‬يتضايق‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬وما‭ ‬يواكبه‭ ‬من‭ ‬متاعب،‭ ‬مع‭ ‬ان‭ ‬البديل‭ ‬لذلك‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الموت‮»‬،‭ ‬ومنذ‭ ‬أن‭ ‬غزا‭ ‬الشيب‭ ‬رأسي‭ ‬وأنا‭ ‬أجاهد‭ ‬لإقناع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يشتبه‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يعزى‭ ‬الى‭ ‬عامل‭ ‬السن،‭ ‬بأنه‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬ناجم‭ ‬عن‭ ‬النبوغ‭ ‬المبكر،‭ ‬وبما‭ ‬أنني‭ ‬تجاوزت‭ ‬الأربعين‭ ‬بقليل‭ (‬ولو‭ ‬كره‭ ‬الحاقدون‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬بت‭ ‬معنيا‭ ‬برصد‭ ‬علامات‭ ‬الكبر‭ ‬والخرف‭ ‬في‭ ‬سلوكي‭ ‬وسلوك‭ ‬أبناء‭ ‬دفعتي‭ ‬في‭ ‬الدراسة،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنني‭ ‬مرعوب‭ ‬من‭ ‬الخرف،‭ ‬فزوجتي‭ ‬مثلا‭ ‬تزعم‭ ‬أنها‭ ‬اكتشفت‭ ‬إصابتي‭ ‬بالخرف‭ ‬خلال‭ ‬الأسبوع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬زواجنا،‭ ‬ولا‭ ‬تدري‭ ‬المسكينة‭ ‬أنها‭ ‬بذلك‭ ‬تجعل‭ ‬تهمة‭ ‬الخرف‭ ‬لابسة‭ ‬فيها‭ ‬هي‭ ‬شخصيا،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يقبل‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬مع‭ ‬شخص‭ ‬مخرف‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬متمتعا‭ ‬بقواه‭ ‬العقلية‭ (‬معليش،‭ ‬بسبب‭ ‬ضعفي‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الحساب‭ ‬أحس‭ ‬بأنني‭ ‬لخبطت‭ ‬وخربطت‭ ‬الحسبة‭ ‬لكوني‭ ‬ذكرت‭ ‬انني‭ ‬تجاوزت‭ ‬الأربعين‭ ‬بقليل،‭ ‬ثم‭ ‬قولي‭ ‬انني‭ ‬متزوج‭ ‬منذ‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة،‭ ‬وهذا‭ ‬أيضا‭ ‬دليل‭ ‬النبوغ‭ ‬المبكر‭ ‬لأنه‭ ‬يعني‭ ‬أنني‭ ‬تزوجت‭ ‬وعمري‭ ‬نحو‭ ‬12‭ ‬سنة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أكملت‭ ‬تعليمي‭ ‬الجامعي‭ ‬وأمضيت‭ ‬بضع‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬النفس‭ ‬استعدادا‭ ‬للزواج‭. ‬قولوا‭ ‬‮«‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‮»‬‭) ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬فإنني‭ ‬اعتقد‭ ‬أن‭ ‬الخرف‭ ‬يتيح‭ ‬لك‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬جديدة‭ ‬يوميا‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬بيتك‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الحي،‭ ‬مثلا،‭ ‬يوميا‭ ‬تجد‭ ‬بالقرب‭ ‬منك‭ ‬امرأة‭ ‬غريبة‭ ‬الملامح‭ ‬فتسألها‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬جلوسها‭ ‬جوارك‭ ‬فتشرح‭ ‬لك‭ ‬أنها‭ ‬زوجتك،‭ ‬فتنبسط‭ ‬ثم‭ ‬تنسى‭ ‬أمرها‭ ‬وتعيد‭ ‬اكتشافها‭ ‬بعد‭ ‬بضع‭ ‬ساعات‭ ‬أو‭ ‬أيام،‭ ‬فتنبسط‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬لاكتشاف‭ ‬ان‭ ‬لديك‭ ‬زوجة‭ ‬‮«‬جديدة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الخرف‭ ‬يحصنك‭ ‬ضد‭ ‬المنغصات‭ ‬فلا‭ ‬تعني‭ ‬كلمات‭ ‬وعبارات‭ ‬مثل‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية‭ ‬وتحرير‭ ‬فلسطين‭ ‬والأسد‭ ‬والقذافي‭ ‬شيئا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لك،‭ ‬وتستوي‭ ‬في‭ ‬نظرك‭ ‬رزان‭ ‬وشعبولا‭ ‬الذي‭ ‬ينافس‭ ‬القذافي‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬الأناقة‭.‬

‭ ‬واستعرض‭ ‬اليوم‭ ‬بعض‭ ‬أعراض‭ ‬أو‭ ‬‮«‬ألف‭ ‬باء‮»‬‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬العمر،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬القاطع‭ ‬بأنني‭ ‬بريء‭ ‬منها‭: ‬حرف‭ ‬الألف‭ ‬يرمز‭ ‬للألم‭ ‬في‭ ‬المفاصل،‭ ‬وارتخاء‭ ‬العضلات،‭ ‬والباء‭ ‬بواسير‭ ‬ناجمة‭ ‬عن‭ ‬سوء‭ ‬الهضم،‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مضغ‭ ‬الطعام‭ ‬جيدا،‭ ‬والتاء‭ ‬هي‭ ‬تليف‭ ‬الكبد‭ ‬بسبب‭ ‬عمايلك‭ ‬السودة‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬شابا‭ ‬تمارس‭ ‬مختلف‭ ‬صنوف‭ ‬الهشك‭ ‬بشك،‭ ‬والثاء‭ ‬ثعلبة‭ ‬تجعل‭ ‬بقعا‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬رأسك‭ ‬قاعا‭ ‬صفصفا‭ ‬لا‭ ‬يجدي‭ ‬معها‭ ‬حتى‭ ‬تركيب‭ ‬الموكيت‭ ‬الذي‭ ‬يسميه‭ ‬البعض‭ ‬باروكة،‭ ‬والجيم‭ ‬جيوب‭ ‬انفيه‭ ‬يستفزها‭ ‬مجرد‭ ‬مرور‭ ‬الأوكسجين‭ ‬عبرها،‭ ‬والحاء‭ ‬حكايات‭ ‬سبق‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬ذبحت‭ ‬بها‭ ‬أقاربك‭ ‬آلاف‭ ‬المرات‭ ‬عن‭ ‬إنجازاتك‭ ‬الوهمية،‭ ‬وهي‭ ‬أيضا‭ ‬حكة‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الظهر‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬يدك‭ ‬الوصول‭ ‬اليها،‭ ‬والدال‭ (‬عفوا‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬حرفا‭ ‬بين‭ ‬الحاء‭ ‬والدال‭ ‬ولكنني‭ ‬لا‭ ‬أذكره‭ ‬الآن‭)‬،‭ ‬دوالي‭ ‬الساقين،‭ ‬ودم‭ ‬متجلط،‭ ‬ودموع‭ ‬تنهمر‭ ‬بدون‭ ‬مناسبة،‭ ‬وديدان‭ ‬في‭ ‬الأمعاء‭ ‬بسبب‭ ‬نسيان‭ ‬غسل‭ ‬اليد‭ ‬قبل‭ ‬الأكل،‭ ‬والذال‭ ‬ذاكرة‭ ‬كالغربال‭ ‬وذبذبة‭ ‬في‭ ‬الأذن‭ ‬تجعلك‭ ‬تصيح‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬حولك‭: ‬اقفلوا‭ ‬الراديو‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬راديو‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬والراء‭ ‬رعشة‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬برد،‭ ‬وروماتيزم،‭ ‬ورمد‭ ‬مستوطن،‭ ‬ورهاب‭ ‬نجم‭ ‬عن‭ ‬خوفك‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬جسم‭ ‬غريب‭ ‬في‭ ‬بطنك،‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬سماعة‭ ‬أذن‭ ‬صارت‭ ‬بايظة‭ ‬لأنك‭ ‬وضعتها‭ ‬داخل‭ ‬فمك‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أذنك،‭ ‬فانغرزت‭ ‬في‭ ‬المريء،‭ ‬والراء‭ ‬أيضا‭ ‬رومانسية‭ ‬تجعل‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬يحددون‭ ‬إقامتك،‭ ‬كلما‭ ‬سالت‭ ‬ريالتك‭ ‬وأنت‭ ‬تمشي‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬أو‭ ‬تشاهد‭ ‬التلفزيون،‭ ‬والزاي‭ ‬زكام‭ ‬مزمن‭ ‬وزحار‭ ‬أي‭ ‬دوسنتاريا،‭ ‬والسين‭ ‬سكاكين‭ ‬تطعن‭ ‬أضلاعك‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬وجبة،‭ ‬وهي‭ ‬سُكري،‭ ‬والشين‭ ‬شحوب‭ ‬عام‭ ‬وشحم‭ ‬يتدلى‭ ‬من‭ ‬حول‭ ‬عينيك‭ ‬واذنيك‭ (‬من‭ ‬الأشياء‭ ‬العجيبة‭ ‬أن‭ ‬الأذن‭ ‬والأنف‭ ‬يكبران‭ ‬مع‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬السن،‭ ‬بينما‭ ‬تزداد‭ ‬العين‭ ‬ضمورا‭)‬،‭ ‬والشين‭ ‬ايضا‭ ‬هي‭ ‬الإحساس‭ ‬بأنك‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬الشين‭ ‬بيت‭ ‬وهو‭ ‬البيت‭ ‬الشين‭ ‬ولكن‭ ‬التطبيعيين‭ ‬يقولون‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬خوش‭ ‬بيت‮»‬،‭ ‬والخوش‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬عامية‭ ‬الخليج‭ ‬هو‭ ‬الشيء‭ ‬الحسن‭ ‬واصلها‭ ‬فارسي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا