العدد : ١٧٥٢٣ - الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٣ - الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

أين أنت من هؤلاء؟

لستُ‭ ‬مؤهلا‭ ‬لوعظ‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬أمر‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬الدنيا‭ ‬أو‭ ‬الآخرة،‭ ‬وعندما‭ ‬أتناول‭ ‬هنا‭ ‬موضوعا‭ ‬يتعلق‭ ‬بتربية‭ ‬العيال،‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أزعم‭ ‬أنني‭ ‬الرجل‭ ‬‮«‬الكامل‮»‬‭ ‬الممسك‭ ‬بالحكمة‭ ‬من‭ ‬قرونها‭ ‬وأن‭ ‬أسلوبي‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬سلامة،‭ ‬فمقالاتي‭ ‬ليست‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬‮«‬خواطر‮»‬‭ ‬تعنُّ‭ ‬لي،‭ ‬وبعضها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجاربي‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬نجاحا‭ ‬وإخفاقا

عندي‭ ‬لكم‭ ‬اليوم‭ ‬حكايات‭ ‬مهداة‭ ‬الى‭  ‬تلك‭ ‬الفئة‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬العرب‭ ‬التي‭ ‬تحسب‭ ‬انها‭ ‬تقوم‭ ‬بواجبها‭ ‬الأبوي‭ ‬على‭  ‬خير‭ ‬وجه‭ ‬طالما‭ ‬أنها‭ ‬تصل‭ ‬ليلها‭ ‬بنهارها‭ ‬في‭ ‬السعي‭ ‬لجمع‭ ‬المال‭ ‬لضمان‭ ‬حياة‭ ‬طيبة‭ ‬ورغدة‭ ‬للعيال،‭ ‬فتفترض‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬العائلة‭ ‬لأنها‭ ‬تلبي‭ ‬طلبات‭ ‬أفرادها‭ ‬‮«‬بالزيادة‮»‬،‭ ‬وبطل‭ ‬الحكاية‭ ‬الأولى‭ ‬هو‭ ‬البريطاني‭ ‬داني‭ ‬اونيل‭ ‬الذي‭ ‬رزق‭ ‬بثلاثة‭ ‬توائم‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬قبل‭ ‬سنوات،‭ ‬وكانت‭ ‬له‭  ‬قبلها‭ ‬بنت‭ ‬واحدة،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬اونيل‭ ‬إلا‭ ‬ان‭ ‬ألقى‭ ‬بكل‭ ‬ثقله‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬فثلاثة‭ ‬أفواه‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬ثلاث‭ ‬وجبات‭ ‬إضافية،‭ ‬وثلاث‭ ‬مثانات‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬مخزون‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬البامبرز،‭ ‬وسيدخلون‭ ‬المدرسة‭ ‬سويا‭ ‬فيدفع‭ ‬هو‭ ‬مصاريف‭ ‬ثلاثة‭ ‬طلاب‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬اللحظة‭ ‬والدقيقة،‭ ‬وهكذا‭ ‬مضى‭ ‬أونيل‭ ‬يصعد‭ ‬في‭ ‬السلم‭ ‬الوظيفي‭ ‬حتى‭ ‬اصبح‭ ‬مديرا‭ ‬تنفيذيا‭ ‬لشركة‭ ‬استثمارية‭ ‬ضخمة،‭ ‬براتب‭ ‬سنوي‭ ‬قدره‭ ‬480‭ ‬الف‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي‭ ‬أخضر،‭ ‬زائدا‭ ‬سيارة‭ ‬بي‭ ‬ام‭ ‬دبليو،‭ ‬ومخصصات‭ ‬اخرى‭ ‬كانت‭ ‬تجعله‭ ‬يضع‭ ‬راتبه‭ ‬بأكمله‭ ‬تحت‭ ‬المخدة،‭ ‬ففي‭ ‬السفرة‭ ‬الواحدة‭ ‬كان‭ ‬يتقاضى‭ ‬بدلات‭ ‬تكفي‭ ‬لتحويل‭  ‬ابي‭ ‬الجعافر‭ ‬الى‭ ‬حاج‭   ‬متولي‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬واحدة،‭ (‬تذكرون‭ ‬بطل‭ ‬المسلسل‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬كوش‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬الحلوات‭ ‬كزوجات‭) ‬ثم‭ ‬غادرت‭ ‬بنته‭ ‬الكبرى‭ ‬البيت‭ ‬لتلتحق‭ ‬بالجامعة‭ ‬فأحس‭ ‬اونيل‭ ‬بفقدها،‭ ‬ثم‭ ‬تذكر‭ ‬اونيل‭ ‬فجأة‭ ‬ان‭ ‬طفولة‭ ‬التوائم‭ ‬الثلاثة‭ ‬فاتته،‭ ‬وانه‭ ‬لم‭ ‬يقض‭ ‬معهم‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬بضع‭ ‬دقائق‭ ‬كل‭ ‬أسبوع،‭ ‬لانه‭ ‬كان‭ ‬يأتي‭ ‬بعمله‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬ويقضي‭ ‬العطلات‭ ‬وهو‭ ‬يكتب‭ ‬ويحلل،‭ ‬ويقدم‭ ‬الاستشارات‭ ‬ويجري‭ ‬الاتصالات‭ ‬وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬أيام‭ ‬وساعات‭ ‬العمل‭ ‬لقضاء‭ ‬مهمة‭ ‬رسمية‭. ‬انتبه‭ ‬صاحبنا‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬التوائم‭ ‬يعرفونه‭ ‬ويعرفهم‭ ‬بالكاد،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منه‭ ‬الا‭ ‬ان‭ ‬اتخذ‭ ‬قرارا‭ ‬بالاستقالة‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬وهكذا‭ ‬ترك‭ ‬وظيفة‭ ‬كانت‭ ‬تعود‭ ‬عليه‭ ‬براتب‭ ‬شهري‭ ‬صاف‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬دولار،‭ ‬وتفرغ‭ ‬للعب‭ ‬والفسحة‭ ‬والصرمحة‭ ‬مع‭ ‬عياله‭ ‬الثلاثة‭ ‬ومساعدتهم‭ ‬في‭ ‬واجباتهم‭ ‬المدرسية،‭ ‬ويقول‭ ‬اونيل‭ ‬انه‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬طعم‭ ‬السعادة‭ ‬الا‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬جلس‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬مع‭ ‬صغاره‭ ‬وانه‭ ‬لن‭ ‬يعمل‭ ‬مستقبلا،‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاستشارات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬حتى‭ ‬يدخل‭ ‬التوائم‭ ‬الجامعة،‭ ‬ولساعات‭ ‬محدودة‭ ‬جدا‭ ‬تكون‭ ‬خلال‭ ‬وجود‭ ‬التوائم‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭.‬

رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬السابق‭ ‬غوردن‭ ‬براون،‭ ‬رزق‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬وزيرا‭ ‬للمالية‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬توني‭ ‬بلير‭ ‬ببنت‭ ‬خديج،‭ ‬أي‭ ‬ولدت‭ ‬قبل‭ ‬اكمال‭ ‬الأشهر‭ ‬التسعة،‭ ‬وقرر‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬اخذ‭ ‬إجازة‭ ‬للبقاء‭ ‬الى‭ ‬جانبها‭ ‬حتى‭ ‬يشتد‭ ‬عودها،‭ ‬ولكنها‭ ‬فارقت‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬صراع‭ ‬مرير‭ ‬مع‭ ‬المرض‭ ‬استغرق‭ ‬بضعة‭ ‬ايام،‭ ‬المهم‭ ‬ان‭ ‬براون‭ ‬قام‭ ‬بواجبه‭ ‬كأب،‭ ‬فلزم‭ ‬البيت‭ ‬وبقي‭ ‬مع‭ ‬صغيرته‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قال‭ ‬القدر‭ ‬كلمته،‭ ‬ومازلت‭ ‬أذكر‭ ‬خبرا‭ ‬تناقلته‭ ‬صحف‭ ‬لندن‭ ‬قبل‭ ‬حين‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬عن‭ ‬سوما‭ ‬تشاكرباتي‭ ‬البريطاني‭ ‬ذو‭ ‬الأصل‭ ‬الهندي،‭ ‬الذي‭ ‬قبل‭ ‬منصب‭ ‬وكيل‭ ‬وزارة‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬السابقة‭ ‬بشروط‭ ‬عجيبة‭: ‬ان‭ ‬يأتي‭ ‬الى‭ ‬العمل‭ ‬متأخرا‭ ‬ساعة‭ ‬واحدة،‭ ‬لأنه‭ ‬أرمل‭ ‬ولديه‭ ‬بنت‭ ‬واحدة،‭ ‬ولا‭ ‬يود‭ ‬مغادرة‭ ‬البيت‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يعد‭ ‬لها‭ ‬طعام‭ ‬الإفطار،‭ ‬والشرط‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬لا‭ ‬يطلب‭ ‬منه‭ ‬قط‭ ‬العمل‭ ‬ساعات‭ ‬إضافية،‭ ‬لأنه‭ ‬ملتزم‭ ‬بتناول‭ ‬العشاء‭ ‬كل‭ ‬ليلة‭ ‬مع‭ ‬ابنته‭ ‬ذات‭ ‬السنوات‭ ‬الست،‭ ‬وفوق‭ ‬هذا‭ ‬فقد‭ ‬طلب‭ ‬الإعفاء‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬المكتب‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬ليتسنى‭ ‬له‭ ‬حضور‭ ‬اجتماع‭ ‬مجلس‭ ‬آباء‭ ‬وأمهات‭ ‬مدرسة‭ ‬ابنته‭! ‬فأين‭ ‬انت‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬أيها‭ ‬الأب‭. ‬يا‭ ‬من‭ ‬توزع‭ ‬يومك‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬والسمر‭. ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬خارج‭ ‬البيت؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا