العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ياما في التعليم مظاليم

أحسب‭ ‬أنني‭ ‬كتبت‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬عن‭ ‬الإماراتي‭ ‬عبد‭ ‬الصمد‭ ‬الذي‭ ‬جلس‭ ‬لامتحان‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬16‭ ‬مرة،‭ ‬ولم‭ ‬ينلها‭ ‬بسبب‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬عشرين‭ ‬سنة،‭ ‬ثم‭ ‬استشهدت‭ ‬بحكايته‭ ‬مرارا‭ ‬لإبانة‭ ‬مدى‭ ‬عرقلة‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬للمساء‭ ‬الأكاديمي‭ ‬لكثيرين‭ ‬من‭ ‬عيالنا‭. ‬في‭ ‬الأردن‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬ذات‭ ‬عام،‭ ‬‮«‬متحضر‮»‬‭ ‬عربي‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬السويد‭ ‬خلال‭ ‬حوار‭ ‬في‭ ‬قناة‭ ‬الجزيرة‭ ‬بأنها‭ ‬صحراء‭ ‬يقطنها‭ ‬بدو‭ (‬وكأن‭ ‬البداوة‭ ‬مذمة‭). ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬فكر‭ ‬والد‭ ‬أحد‭ ‬الطلاب‭ ‬القوميين‭ ‬العرب‭ ‬الرافضين‭ ‬لهيمنة‭ ‬اللغة‭ ‬الانجليزية‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬علمية‭ ‬لمساعدة‭ ‬ابنه‭ ‬على‭ ‬تخطي‭ ‬حاجز‭ ‬تلك‭ ‬اللغة‭  ‬وهداه‭ ‬التفكير‭ ‬إلى‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬منصبه‭ ‬المرموق‭ ‬في‭ ‬التلفزيون‭ ‬فبعث‭ ‬بفريق‭ ‬من‭ ‬المصورين‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬ابنه‭ ‬بزعم‭ ‬رصد‭ ‬وقائع‭ ‬معركة‭ ‬الامتحانات،‭ ‬وبالطبع‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬قبل‭ ‬موعد‭ ‬انطلاق‭ ‬ورقة‭ ‬اللغة‭ ‬الملعونة‭ ‬تلك‭ ‬وقام‭ ‬المصور‭ ‬بتصويب‭ ‬الكاميرا‭ ‬إلى‭ ‬الورقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬فوق‭ ‬طاولات‭ ‬الامتحان‭ ‬ثم‭ ‬زووم‭ ‬وشفطت‭ ‬الكاميرا‭ ‬الأسئلة‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الصفحة‭ ‬الأولى‭ ‬وقال‭ ‬المصور‭ ‬للمخرج‭: ‬mission accomplished‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬المهمة‭ ‬انتهت‭ ‬واكتملت،‭ ‬وقاموا‭ ‬بعملية‭ ‬للخلف‭ ‬در‭ ‬ولكن‭ ‬إدارة‭ ‬المدرسة‭ ‬قامت‭ ‬ايضا‭ ‬بعملية‭ ‬زووم‭ ‬على‭ ‬الفريق‭ ‬التلفزيوني،‭ ‬وسحبت‭ ‬الشريط‭ ‬الملغوم‭ ‬وأوقعت‭ ‬الجماعة‭ ‬في‭ ‬ورطة‭ ‬بتسليمهم‭ ‬للشرطة‭.‬

ظلت‭ ‬مصر‭ ‬تمارس‭ ‬التمييز‭ ‬الإيجابي‭ ‬بحق‭ ‬الطلاب‭ ‬السودانيين‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرون،‭ ‬وكان‭ ‬للسودان‭ ‬رواق‭ ‬بالأزهر‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬أخرى،‭ ‬وكان‭ ‬الطلاب‭ ‬السودانيون‭ ‬في‭ ‬الأزهر‭ ‬وجامعة‭ ‬القاهرة‭ ‬يعاملون‭ ‬معاملة‭ ‬المصريين،‭ ‬وجميع‭ ‬الجامعيين‭ ‬السودانيين‭ ‬الذين‭ ‬أسسوا‭ ‬الحركة‭ ‬المناوئة‭ ‬للاستعمار‭ ‬درسوا‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬المصرية‭ ‬ببلاش،‭ ‬وبلغ‭ ‬التمييز‭ ‬مداه‭ ‬عندما‭ ‬أصبح‭ ‬لمصر‭ ‬بعثة‭ ‬تعليمية‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬تدير‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬حرص‭ ‬فيه‭ ‬الاستعمار‭ ‬الإنجليزي‭ ‬على‭ ‬منح‭ ‬التعليم‭ ‬للسودانيين‭ ‬بالقطارة‭. ‬وحركة‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬السودانية‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬المصري،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬السوداني‭ ‬كانت‭ ‬نواته‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬حدتو‮»‬‭ ‬أي‭ ‬الحركة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬للتحرر‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬ثم‭ ‬انشأ‭ ‬الماركسيون‭ ‬السودانيون‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬حستو‮»‬‭ ‬فأصبح‭ ‬حرف‭ ‬السين‭ ‬يرمز‭ ‬إلى‭ ‬السودان،‭ ‬وليت‭ ‬التمييز‭ ‬وقف‭ ‬عند‭ ‬ذلك‭ ‬الحد‭. ‬ففي‭ ‬الخمسينيات‭ ‬فتحت‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭ ‬فرعا‭ ‬ضخما‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬تخرج‭ ‬فيه‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬زول،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الحكومة‭ ‬الاسلاموية‭ ‬برئاسة‭ ‬عمر‭ ‬البشير‭ ‬واتخذت‭ ‬قرارا‭ ‬بمصادرة‭ ‬تلك‭ ‬الجامعة‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تدرس‭ ‬الفكر‭ ‬الناصري‭ ‬أو‭ ‬الساداتي‭ ‬أو‭ ‬المباركي‭ ‬او‭ ‬تخرج‭ ‬جواسيس‭ ‬عملاء،‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬الامر‭ ‬ان‭ ‬هذه‭ ‬الجامعة‭ ‬كانت‭ ‬تدرس‭ ‬الفكر‭ ‬القومي‭ ‬أي‭ ‬الناصري‭ ‬كمادة‭ ‬إلزامية‭ ‬لنحو‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفكر‭ ‬حكومات‭ ‬السودان‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬إغلاقها‭.‬

لعن‭ ‬الله‭ ‬السياسة‭ ‬وابليس،‭ ‬مالي‭ ‬انا‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬وقد‭ ‬كنت‭ ‬أرمي‭ ‬إلى‭ ‬مواساة‭ ‬عبدالصمد‭ ‬بأن‭ ‬احكي‭ ‬له‭ ‬حكاية‭ ‬قريبي‭ ‬الذي‭ ‬التحق‭ ‬بجامعة‭ ‬القاهرة‭ ‬فرع‭ ‬الخرطوم‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الاول‭ ‬لافتتاحها‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات،‭ ‬وتعرض‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬لمحاولة‭ ‬اغتيال‭ ‬ثم‭ ‬أمم‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬وفشل‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬وقريبي‭ ‬يدرس،‭ ‬ثم‭ ‬خسر‭ ‬العرب‭ ‬حرب‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬ومات‭ ‬عبدالناصر‭ ‬كمدا‭ ‬عام‭ ‬1970،‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬طالب‮»‬،‭ ‬وجاء‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬واغتاله‭ ‬خالد‭ ‬الإسلامبولي‭ ‬وصاحبنا‭ ‬صامد،‭ ‬وقف‭ ‬محامي‭ ‬الإسلامبولي‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬محاولا‭ ‬إيجاد‭ ‬ثغرة‭ ‬تبرئه‭ ‬من‭ ‬التهمة‭ ‬فرفع‭ ‬الإسلامبولي‭ ‬يده‭ ‬وصاح‭ ‬وهو‭ ‬يمسك‭ ‬بقضبان‭ ‬قفص‭ ‬الاتهام‭: ‬سيدي‭ ‬القاضي،‭ ‬أنا‭ ‬قاتل‭ ‬فرعون،‭ ‬فقال‭ ‬الأبنودي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭: ‬القبضة‭ ‬قابضة‭ ‬على‭ ‬الحديد‭ ‬لا‭ ‬يفِر‭ (‬كي‭ ‬لا‭ ‬يفر‭).. ‬القاضي‭ ‬يستغبي‭ ‬والمتهم‭ ‬بيصِر‭.. ‬شمس‭ ‬الحقيقة‭ ‬تحر‭.. ‬والمتهم‭ ‬صامد‭.. ‬كل‭ ‬القضاة‭ ‬زايلين‭.. ‬والمتهم‭ ‬‮«‬خالد‮»‬‭. ‬حدث‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬وقريبي‭ ‬صامد‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭ ‬فرع‭ ‬الخرطوم،‭ ‬وذات‭ ‬اليوم‭ ‬التقى‭ ‬أحدهم‭ ‬بمدرس‭ ‬مصري‭ ‬في‭ ‬الكلية‭ ‬التي‭ ‬أصبح‭ ‬قريبي‭ ‬عميدها‭ ‬بالتقادم‭ (‬كما‭ ‬هناك‭ ‬عميد‭ ‬للدبلوماسيين‭ ‬الأجانب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬بالأقدمية‭). ‬وسأله‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬صاحبنا‭ ‬ذاك‭. ‬فأجاب‭: ‬حد‭ ‬ما‭ ‬يعرفش‭ ‬قريبك‭ ‬دوت‭.. ‬ده‭ ‬احنا‭ ‬منتظرين‭ ‬سيادته‭ ‬يخلص‭ ‬علشان‭ ‬نقفل‭ ‬الجامعة‭ ‬ونروح‭! ‬شفت‭ ‬شلون‭ ‬يا‭ ‬عبدالصمد؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا