زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
ياما في التعليم مظاليم
أحسب أنني كتبت لأول مرة عن الإماراتي عبد الصمد الذي جلس لامتحان الشهادة الثانوية 16 مرة، ولم ينلها بسبب اللغة الإنجليزية، قبل نحو عشرين سنة، ثم استشهدت بحكايته مرارا لإبانة مدى عرقلة اللغة الإنجليزية للمساء الأكاديمي لكثيرين من عيالنا. في الأردن التي وصفها ذات عام، «متحضر» عربي يقيم في السويد خلال حوار في قناة الجزيرة بأنها صحراء يقطنها بدو (وكأن البداوة مذمة). قبل سنوات فكر والد أحد الطلاب القوميين العرب الرافضين لهيمنة اللغة الانجليزية في طريقة علمية لمساعدة ابنه على تخطي حاجز تلك اللغة وهداه التفكير إلى الاستفادة من منصبه المرموق في التلفزيون فبعث بفريق من المصورين إلى مدرسة ابنه بزعم رصد وقائع معركة الامتحانات، وبالطبع كان ذلك قبل موعد انطلاق ورقة اللغة الملعونة تلك وقام المصور بتصويب الكاميرا إلى الورقة التي كانت فوق طاولات الامتحان ثم زووم وشفطت الكاميرا الأسئلة الموجودة في الصفحة الأولى وقال المصور للمخرج: mission accomplished أي أن المهمة انتهت واكتملت، وقاموا بعملية للخلف در ولكن إدارة المدرسة قامت ايضا بعملية زووم على الفريق التلفزيوني، وسحبت الشريط الملغوم وأوقعت الجماعة في ورطة بتسليمهم للشرطة.
ظلت مصر تمارس التمييز الإيجابي بحق الطلاب السودانيين لأكثر من ثلاثة قرون، وكان للسودان رواق بالأزهر قبل أي دولة عربية أخرى، وكان الطلاب السودانيون في الأزهر وجامعة القاهرة يعاملون معاملة المصريين، وجميع الجامعيين السودانيين الذين أسسوا الحركة المناوئة للاستعمار درسوا في الجامعات المصرية ببلاش، وبلغ التمييز مداه عندما أصبح لمصر بعثة تعليمية ضخمة في السودان تدير عددا من المدارس في وقت حرص فيه الاستعمار الإنجليزي على منح التعليم للسودانيين بالقطارة. وحركة الإخوان المسلمين السودانية نشأت في الجامعات المصري، بل إن الحزب الشيوعي السوداني كانت نواته حركة «حدتو» أي الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني في مصر، ثم انشأ الماركسيون السودانيون حركة «حستو» فأصبح حرف السين يرمز إلى السودان، وليت التمييز وقف عند ذلك الحد. ففي الخمسينيات فتحت جامعة القاهرة فرعا ضخما في السودان تخرج فيه حتى الآن أكثر من مليون زول، ثم جاءت الحكومة الاسلاموية برئاسة عمر البشير واتخذت قرارا بمصادرة تلك الجامعة رغم أنها لم تكن تدرس الفكر الناصري أو الساداتي أو المباركي او تخرج جواسيس عملاء، الغريب في الامر ان هذه الجامعة كانت تدرس الفكر القومي أي الناصري كمادة إلزامية لنحو عقدين من دون أن تفكر حكومات السودان السابقة في إغلاقها.
لعن الله السياسة وابليس، مالي انا وكل ذلك وقد كنت أرمي إلى مواساة عبدالصمد بأن احكي له حكاية قريبي الذي التحق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم منذ اليوم الاول لافتتاحها في الخمسينيات، وتعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال ثم أمم قناة السويس وفشل العدوان الثلاثي على مصر وقريبي يدرس، ثم خسر العرب حرب عام 1967 ومات عبدالناصر كمدا عام 1970، وهو «طالب»، وجاء أنور السادات واغتاله خالد الإسلامبولي وصاحبنا صامد، وقف محامي الإسلامبولي في المحكمة محاولا إيجاد ثغرة تبرئه من التهمة فرفع الإسلامبولي يده وصاح وهو يمسك بقضبان قفص الاتهام: سيدي القاضي، أنا قاتل فرعون، فقال الأبنودي في ذلك: القبضة قابضة على الحديد لا يفِر (كي لا يفر).. القاضي يستغبي والمتهم بيصِر.. شمس الحقيقة تحر.. والمتهم صامد.. كل القضاة زايلين.. والمتهم «خالد». حدث كل ذلك وقريبي صامد في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وذات اليوم التقى أحدهم بمدرس مصري في الكلية التي أصبح قريبي عميدها بالتقادم (كما هناك عميد للدبلوماسيين الأجانب في كل بلد بالأقدمية). وسأله إن كان يعرف صاحبنا ذاك. فأجاب: حد ما يعرفش قريبك دوت.. ده احنا منتظرين سيادته يخلص علشان نقفل الجامعة ونروح! شفت شلون يا عبدالصمد؟
إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك