يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
الأمير تركي الفيصل وكلمة الحق
كثيرون وصفوا المقال الذي كتبه الأمير تركي الفيصل ونشرته صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية ونشرناه في الصفحة الأولى في «أخبار الخليج» بالمقال الشجاع والجريء، وما شابه ذلك من توصيفات.
التوصيف الأصح والأدق للمقال أنه كلمة حق في وقت يصعب فيه أن نسمعها من مسؤول، أو حتى كثير من الكتاب أو الشخصيات عامة.
في أوقات الأزمات الكبرى، غالبا ما تضيع كلمة الحق وسط صخب التطورات العاصفة، وضجيج المواقف والتصريحات الزاعقة من جانب كل أطراف الأزمة.
هذا هو ما يحدث اليوم. الذي يتابع ما يقوله الرئيس الأمريكي ترامب ومجرم الحرب نتنياهو عن الاعتداء على إيران يتصور أن إسرائيل وأمريكا قامتا بعمل عظيم يخدم المنطقة والعالم والأمن والسلام، بل إن ترامب يعتقد أنه عبر هذا العدوان وأعمال مماثلة يمكن أن يحصل على جائزة نوبل للسلام.
الحقيقة غير هذا تماما.
الحقيقة لخصها الأمير تركي الفيصل في مقاله في جوانب واضحة ومحددة على النحو التالي:
أولا: إن الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران يمثل تجسيدا لحقيقة أننا نعيش في عالم لا عدل فيه ولا مساواة وتحكمه المعايير المزدوجة. لقد تم هذا الهجوم تحت ذريعة أن إيران تسعى إلى حيازة سلاح نووي ويجب تدمير منشآتها النووية، لكن العالم كله يعلم أن إسرائيل تمتلك ترسانة من الأسلحة النووية، فلماذا إذن لا تتم مهاجمة منشآتها النووية أيضا؟! هذا مع العلم أنه لا رقابة على الإطلاق على قدرات إسرائيل النووية، ولا تخضع لأي تفتيش وهي أصلا لم تنضم إلى المعاهدة.
هذا الذي يقوله الأمير تركي الفيصل عن المقارنة بين إيران وإسرائيل، وما كشف عنه هجوم أمريكا من غياب للعدالة والمساواة، ليس دفاعا عن إيران، لكنه دفاع عن الحق.
ثانيا: إن الغرب موقفه بشكل عام منافق، فالدول الغربية تدعم الإبادة في غزة وتؤيد إسرائيل وأمريكا في الهجوم على إيران، وفي الوقت نفسه تواصل التشدق بالحديث عن قيم ومبادئ غربية مزعومة.
وبسبب مواقف الدول الغربية أصبح النظام الدولي الذي يهيمن عليه الغرب ويمجده، لم يعد فيه مكان للقانون الدولي، ولا يكترثون به وأصبح، كما يقول الأمير تركي الفيصل في «حالة يرثى لها».
ثالثا: إن الموقف العربي من هذه الأزمات والتطورات الأخيرة هو «موقف مبدئي يمثل نموذجا مشرفا لما يجب أن تفعله الدول وقادتها وشعوبها».
وهذا صحيح تماما. الدول العربية في موقفها من هذه الأزمات والصراعات تحكمها اعتبارات مبدئية إنسانية، وتنشد حقا تحقيق الأمن والسلم في المنطقة والعالم.
ولعل خير تأكيد لما قاله الأمير تركي الفيصل على هذا النحو موقف الدول العربية من الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران. على الرغم من كل مشاكل الدول العربية مع إيران وسياساتها في المنطقة فإنها لم تتردد لحظة في إدانة الهجوم على إيران، منطلقة من رؤية مبدئية تعتبر أن هذا الهجوم انتهاك للسيادة وخرق للقانون الدولي ولا يمكن أن يخدم هدف تحقيق أمن واستقرار المنطقة. وهذا ما أكدته كل الدول العربية في البيانات التي أصدرتها عن الهجوم.
الأمير تركي الفيصل في نهاية مقاله وجه نصيحة إلى الرئيس الأمريكي ترامب بأن يستمع إلى «أصدقائه في السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي» فهم يسعون إلى السلام حقا.
هذه نصيحة مخلصة إذا كان الرئيس ترامب يريد -كما يقول- أن يحقق السلام في المنطقة.
للأسف؛ أغلب الظن أن ترامب لن يأخذ بهذه النصيحة، فهو يعتبر نتنياهو مجرم الحرب المطلوب للعدالة الدولية «بطلا» ومصدر إلهام له، ويتبنى -كما هو واضح- كل مواقفه وسياساته وأعماله العدوانية الإجرامية. وقد ثبت في الفترة الماضية أن كل ما فعله نتنياهو وارتكبه في المنطقة تم بتنسيق كامل مع ترامب.
إذن مقال الأمير تركي الفيصل هو -كما قلت- كلمة حق في وقت يصعب فيه أن نسمعها.
قد يقول البعض إن هذا لن يغير من الواقع شيئا.
بالطبع، الواقع أفظع من أن يغيره مقال، ومع ذلك فللمقال أهمية كبرى.
العالم أمامه معركة طويلة جدا يخوضها من أجل إقامة نظام عالمي جديد أكثر عدلا وإنصافا وإنسانية. هذه معركة يجب أن يسهم فيها ليس الدول وحدها، وإنما كل القوى الشريفة في العالم وأجهزة الإعلام المحترمة، والكتاب والمثقفون.
كلمة الحق لها تأثير كبير في الرأي العام وجزء من هذه المعركة، وخصوصا إذا صدرت عن شخصية بوزن الأمير تركي الفيصل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك