العدد : ١٧٤٦٠ - الأحد ١١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٠ - الأحد ١١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رجب ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

التباهي بالقمامة

من‭ ‬المشكلات‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬واجهتني‭ ‬عندما‭ ‬لحقت‭ ‬بي‭ ‬أسرتي‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬عام‭ ‬1994،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬التحقت‭ ‬بتلفزيون‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي،‭ ‬كانت‭ ‬مشكلة‭ ‬النفايات‭ ‬المنزلية،‭ ‬وكيفية‭ ‬التخلص‭ ‬منها،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬تجمع‭ ‬القمامة‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬بيت،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬البرميل‭ ‬المخصص‭ ‬لجمع‭ ‬القمامة‭ ‬طوال‭ ‬أسبوع‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لصادرات‭ ‬أسرتي‭ ‬من‭ ‬القمامة‭ ‬ليوم‭ ‬واحد،‭ ‬وأحيانا‭ ‬لنصف‭ ‬يوم‭ (‬بعد‭ ‬وجبة‭ ‬دسمة‭)‬،‭ ‬فلجأت‭ ‬إلى‭ ‬إخفاء‭ ‬أكياس‭ ‬القمامة‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬البيت‭ ‬الخلفية،‭ ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬المخصص‭ ‬لجمعها‭ ‬كنت‭ ‬أقدم‭ ‬بقشيشا‭ ‬لعمال‭ ‬جمع‭ ‬وترحيل‭ ‬القمامة‭ ‬فيتولون‭ ‬تطهير‭ ‬الحديقة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأكياس‭ ‬السوداء‭ ‬الكئيبة‭. ‬ولكن‭ ‬وخلال‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬تخلصت‭ ‬مما‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬جسمي‭ ‬وذهني‭ ‬من‭ ‬جينات‭ ‬عربية،‭ ‬وصرنا‭ ‬في‭ ‬بيتنا‭ ‬مثل‭ ‬الخواجات‭ ‬نشتري‭ ‬ونطهو‭ ‬ما‭ ‬يكفينا‭ ‬من‭ ‬طعام‭ ‬ليوم‭ ‬واحد‭. ‬ونشتري‭ ‬اللحم‭ ‬بالباوند‭ ‬وهو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الكيلو،‭ ‬والدجاج‭ ‬بالقطعة،‭ ‬وليس‭ ‬بالجملة‭. ‬وأذكر‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬عينا‭ ‬زوجتي‭ ‬تمتلئان‭ ‬بالدموع‭ ‬كلما‭ ‬دخلت‭ ‬البيت‭ ‬ومعي‭ ‬برتقال‭ ‬وموز‭ ‬بـ«الحساب‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬بعدد‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬بالضبط،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬المسكينة‭ ‬تتذكر‭ ‬كيف‭ ‬أننا‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬وقبل‭ ‬انتقالنا‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬نشتري‭ ‬الفواكه‭ ‬بـ‮«‬الصندوق‮»‬‭. ‬واللحم‭ ‬بـ«نُص‭ ‬الخروف‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬عجائب‭ ‬الأمور‭ ‬أن‭ ‬المدام‭ ‬لا‭ ‬تشتري‭ ‬حاليا،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬تشتري‭ (‬طوال‭ ‬إقامتنا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭) ‬الدجاج‭ ‬المجمد،‭ ‬بل‭ ‬تشتري‭ ‬الطازج‭ ‬وتخزنه‭ ‬في‭ ‬الثلاجة‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬‮«‬مجمدا‮»‬‭.‬

وتقول‭ ‬الصحف‭ ‬البريطانية‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬اتجاها‭ ‬لوزن‭ ‬قمامة‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬ومحاسبة‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭ ‬على‭ ‬التخلص‭ ‬منها‭ ‬‮«‬بالكيلو‮»‬‭ ‬يعني‭ ‬قمامتك‭ ‬تزن‭ ‬20‭ ‬كيلوجراما‭ ‬تدفع‭ ‬عليها‭ ‬جنيها،‭ ‬وغيرك‭ ‬يدفع‭ ‬جنيهين‭ ‬أو‭ ‬نصف‭ ‬جنيه‭ ‬نظير‭ ‬وزن‭ ‬معين‭ ‬للكيس‭ ‬الأسود،‭ ‬ويبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬البريطانيين‭ ‬توصلوا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحل‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬العرب‭ ‬أغلبية‭ ‬في‭ ‬مدنهم‭ ‬الكبرى‭ ‬وبخاصة‭ ‬عاصمتهم‭ ‬لندن،‭ ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬فإن‭ ‬الأسر‭ ‬العربية‭ ‬تتباهى‭ ‬بحجم‭ ‬الزبالة‭ / ‬القمامة‭ ‬التي‭ ‬تتخلص‭ ‬منها‭ ‬يوميا‭. ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬أسرة‭ ‬السيد‭ ‬سين‭ ‬ترمي‭ ‬في‭ ‬البراميل‭ ‬يوميا‭ ‬ثلاثة‭ ‬كيلوجرامات‭ ‬من‭ ‬الأرز‭ ‬ومثلها‭ ‬من‭ ‬العظام‭ ‬المكسوة‭ ‬لحما،‭ ‬فإن‭ ‬أسرة‭ ‬السيد‭ ‬صاد‭ ‬تشتري‭ ‬خروفا‭ ‬ثم‭ ‬ترمي‭ ‬به‭ ‬حيا‭ ‬في‭ ‬برميل‭ ‬الزبالة‭ ‬كيف‭ ‬يعرف‭ ‬القاصي‭ ‬والداني‭ ‬أنها‭ ‬أسرة‭ ‬شبعانة‭ ‬و«مو‭ ‬سهلة‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬سوء‭ ‬فهم‭. ‬فلأننا‭ ‬أمة‭ ‬بلا‭ ‬حاضر‭ ‬أو‭ ‬مستقبل،‭ ‬فإننا،‭ ‬ولأننا‭ ‬سمعنا‭ ‬أن‭ ‬أجدادنا‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬الكرم‭ ‬بحيث‭ ‬كانوا‭ ‬يذبحون‭ ‬للضيف‭ ‬الواحد‭ ‬ناقة‭ ‬أو‭ ‬عجلا‭ ‬أو‭ ‬تيسا،‭ ‬فإننا‭ ‬نريد‭ ‬ان‭ ‬نثبت‭ ‬أننا‭ ‬لسنا‭ ‬‮«‬أقل‮»‬‭ ‬من‭ ‬أسلافنا،‭ ‬ونضع‭ ‬أمام‭ ‬الضيف‭ ‬الواحد‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬أسرة‭ ‬بأكملها‭ ‬لشهر‭ ‬كامل،‭ ‬ثم‭ ‬نلقي‭ ‬بالباقي‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬كي‭ ‬يرى‭ ‬الجيران‭ ‬‮«‬إمكانياتنا‮»‬،‭ ‬سوء‭ ‬الفهم‭ ‬نتج‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬ضيوف‭ ‬أجدادنا‭ ‬كانوا‭ ‬مثل‭ ‬إبلهم،‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬طعام‭ ‬أو‭ ‬شراب‭ ‬ليومين،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬يحلوا‭ ‬بدار‭ ‬كريم‭ ‬حتى‭ ‬يقضوا‭ ‬على‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس‭: ‬أما‭ ‬ضيوف‭ ‬زماننا‭ ‬هذا‭ ‬فأمرهم‭ ‬عجيب‭: ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يأكل‭ ‬اللحم‭ ‬لأنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬النقرس‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬الكوليسترول‭.. ‬وذاك‭ ‬لا‭ ‬يأكل‭ ‬السلطة‭ ‬لأنه‭ ‬من‭ ‬جماعة‭ ‬‮«‬السلام‭ ‬الأخضر‮»‬،‭ ‬وغيره‭ ‬لا‭ ‬يأكل‭ ‬السمك‭ ‬والدجاج‭ ‬لأنها‭ ‬حيوانات‭ ‬مقرفة‭. ‬والنتيجة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬طعام‭ ‬يوضع‭ ‬أمام‭ ‬ضيوف،‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬‮«‬بواقي‮»‬‭ ‬مكانها‭ ‬مقلب‭ ‬القمامة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬شوارع‭ ‬معظم‭ ‬المدن‭ ‬العربية‭ ‬تعج‭ ‬بحيوانات‭ ‬ضالة‭ ‬أكثر‭ ‬صحة‭ ‬وعافية‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬البشر،‭ ‬وتجد‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬حواري‭ ‬وأزقة‭ ‬وشوارع‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬العربية‭ ‬قططا،‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يقطع‭ ‬عليك‭ ‬الطريق‭ ‬ويتحداك‭: ‬لو‭ ‬راجل‭ ‬دوسني‭ ‬وأمشي‭ ‬فوقي،‭ ‬ولو‭ ‬تمرجلت‭ ‬ودستها‭ ‬أصيبت‭ ‬سيارتك‭ ‬بتهتك‭ ‬في‭ ‬العمود‭ ‬الفقري،‭ ‬لأن‭ ‬القطة‭ ‬تفرد‭ ‬عضلاتها‭ ‬وتجعل‭ ‬السيارة‭ ‬تميل‭ ‬يمينا‭ ‬أو‭ ‬شمالا‭ ‬حتى‭ ‬تفلت‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬السحل‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا