العدد : ١٧٥٢٣ - الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٣ - الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

جعلوا الفئران ورثتهم

يقول‭ ‬لنا‭ ‬الله‭ ‬جلّ‭ ‬وعلا‭: (‬لا‭ ‬تجعل‭ ‬يديك‭ ‬مغلولة‭ ‬إلى‭ ‬عنقك‭)‬،‭ ‬يعني‭ ‬لا‭ ‬تبخلوا‭ ‬على‭ ‬أنفسكم‭ ‬وأهلكم‭ ‬بالمال،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬تبسطوا‭ ‬أيديكم‭ ‬كل‭ ‬البسط،‭ ‬وتكونوا‭ ‬مبذرين،‭ ‬لأن‭ ‬عاقبة‭ ‬ذلك‭ ‬الحسرة‭. ‬يعني‭ ‬وازنوا‭ ‬بين‭ ‬الإنفاق‭ ‬وضبط‭ ‬وترشيد‭ ‬الإنفاق،‭ ‬لأن‭ ‬التقتير‭ ‬الشديد‭ ‬لدرجة‭ ‬البخل‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يقابله‭ ‬من‭ ‬إنفاق‭ ‬بذخي‭ ‬عاقبته‭ ‬الخسران‭ ‬والندم،‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬ينفع‭ ‬الندم‭. ‬

انتقل‭ ‬أبو‭ ‬يمن‭ ‬إلى‭ ‬رحمة‭ ‬مولاه،‭ ‬وبكاه‭ ‬أقاربه‭ ‬بحرقة،‭ ‬ودعوا‭ ‬له‭ ‬بالمغفرة‭ ‬والجنة،‭ ‬وانصرف‭ ‬عياله‭ ‬إلى‭ ‬شؤون‭ ‬دنياهم،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬حال‭ ‬العائلة‭ ‬بائسا،‭ ‬مما‭ ‬استوجب‭ ‬تضافر‭ ‬جهود‭ ‬كل‭ ‬الأبناء‭ ‬الذكور‭ ‬لتوفير‭ ‬لقمة‭ ‬العيش،‭ ‬وكان‭ ‬والدهم‭ ‬الراحل‭ ‬شديد‭ ‬الفقر،‭ ‬ولا‭ ‬يكف‭ ‬عن‭ ‬الشكوى‭ ‬من‭ ‬بؤس‭ ‬الحال،‭ ‬وبعد‭ ‬وفاته‭ ‬بعدة‭ ‬أشهر‭ ‬رأى‭ ‬أحد‭ ‬أبنائه‭ ‬قطعا‭ ‬ورقية‭ ‬ملونة‭ ‬تتناثر‭ ‬في‭ ‬الغرفة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬والده‭ ‬يعتكف‭ ‬فيها‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬بمفرده،‭ ‬ودقق‭ ‬الشاب‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الورقة‭ ‬واكتشف‭ ‬أنها‭ ‬نقدية،‭ ‬أي‭ ‬بقايا‭ ‬عملات‭ ‬ورقية‭ (‬ريالات‭)‬،‭ ‬فدفعه‭ ‬حب‭ ‬الاستطلاع‭ ‬إلى‭  ‬التنقيب‭ ‬في‭ ‬الغرفة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬عملات‭ ‬نقدية‭ ‬ورقية‭ ‬أخرى،‭ ‬وكادت‭ ‬المفاجأة‭ ‬أن‭ ‬تقتله،‭ ‬فقد‭ ‬عثر‭ ‬على‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬قصاصات‭  ‬الريالات‭ ‬التي‭ ‬افترستها‭ ‬الفئران،‭ ‬وعكف‭ ‬على‭ ‬جمعها‭ ‬ليجد‭ ‬بينها‭ ‬ورقة‭ ‬واحدة‭ ‬سالمة‭ ‬وكانت‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬العشرة‭ ‬ريالات،‭ ‬وبعد‭ ‬جهد‭ ‬استغرق‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يقدر‭ ‬قيمة‭ ‬المبالغ‭ ‬التالفة‭ ‬بنحو‭ ‬280‭ ‬ألف‭ ‬ريال،‭ ‬وكان‭ ‬معظمها‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬العصر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬الريال‭ ‬اليمني‭ ‬يقول‭ ‬للدولار‭ ‬بغطرسة‭: ‬من‭ ‬تكون‭ ‬أنت‭ ‬أيها‭ ‬النصراني‭ ‬غير‭ ‬المختون؟‭ ‬يعني‭ ‬بالعربي‭ ‬الفصيح‭ ‬كانت‭ ‬قيمة‭ ‬المبالغ‭ ‬التالفة‭ ‬تقدر‭ ‬بعشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭!! ‬أعود‭ ‬فأذكر‭ ‬القارئ‭ ‬بنقطة‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الراحل‭ ‬العزيز‭ ‬لم‭ ‬يقل‭ ‬قط‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬لديه‭ ‬فضلَ‭ ‬زاد،‭ ‬أو‭ ‬مبلغا‭ ‬مدخرا‭ ‬ليوم‭ ‬متنيل‭ ‬بستين‭ ‬نيلة،‭ ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬فقد‭ ‬ظل‭ ‬يكنز‭ ‬الريالات‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭ ‬الطويلة‭ ‬طعاما‭ ‬للفئران،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يمتع‭ ‬بها‭ ‬عياله‭!! ‬وبالتالي‭ ‬عاش‭ ‬كالفقراء‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينعم‭ ‬بأي‭ ‬قسط‭ ‬من‭ ‬الفرفشة‭ ‬باستخدام‭ ‬أمواله،‭ ‬وربى‭ ‬عياله‭ ‬على‭ ‬البؤس‭ ‬والهم،‭ ‬بينما‭ ‬لديه‭ ‬آلاف‭ ‬مهولة‭ ‬مدفونة‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ (‬درَّسنا‭ ‬الجغرافيا‭ ‬أستاذٌ‭ ‬حلو‭ ‬الروح‭ ‬حكى‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬والده‭ ‬فقد‭ ‬بصره‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬أيامه،‭ ‬ثم‭ ‬أخبرهم‭ ‬أنه‭ ‬دفن‭ ‬مبلغا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬صحراوية‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬القرية‭.. ‬وقال‭ ‬المدرس‭: ‬ظللنا‭ ‬ننقب‭ ‬ونحفر‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬موت‭ ‬أبينا‭ ‬بسنوات،‭ ‬وعثرنا‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬الفلوس‭!!) ‬هكذا‭ ‬حالنا‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬نجعل‭ ‬أيدينا‭ ‬مغلولة‭ ‬إلى‭ ‬أعناقنا،‭ ‬أو‭ ‬نبسطها‭ ‬كل‭ ‬البسط،‭ ‬فالواحد‭ ‬منا‭ ‬إما‭ ‬يرشو‭ ‬عياله‭ ‬بالمال‭ ‬وهو‭ ‬يحسب‭ ‬أنه‭ ‬بذلك‭ ‬يعوضهم‭ ‬عن‭ ‬غيابه‭ ‬شبه‭ ‬الكامل‭ ‬من‭ ‬وعن‭ ‬حياتهم،‭ ‬وإما‭ ‬ينشف‭ ‬ريقهم‭ ‬بالشكوى‭ ‬المتواصلة‭ ‬من‭ ‬بؤس‭ ‬الحال،‭ ‬ويرفض‭ ‬لهم‭ ‬كل‭ ‬طلب‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬القرش‭ ‬الأبيض‭ ‬ينفع‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الأسود،‭ ‬ويظل‭ ‬يضع‭ ‬قرشا‭ ‬على‭ ‬قرش‭ ‬تحت‭ ‬البرش،‭ ‬وكلما‭ ‬ازدادت‭ ‬مدخراته،‭ ‬ازداد‭ ‬تقتيرا،‭ ‬وتكون‭ ‬كل‭ ‬أيام‭ ‬عائلته‭ ‬سوداء‭ ‬ولكنه‭ ‬يظل‭ ‬يخبئ‭ ‬ماله،‭ ‬بزعم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أياما‭ ‬أكثر‭ ‬سوادا‭ ‬مقبلة‭!! ‬وهكذا‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬أسرة‭ ‬لدى‭ ‬عائلها‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬في‭ ‬البنك،‭ ‬أو‭ ‬تحت‭ ‬المخدة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬جحر‭ ‬للفئران‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬أفرادها‭ ‬بالبيتزا‭ ‬أو‭ ‬البيرجر‭ ‬أو‭ ‬الآيسكريم‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الشاورما،‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مواد‭ ‬زهيدة‭ ‬الثمن‭ ‬والفائدة،‭ ‬ولكنها‭ ‬باتت‭ ‬مطلبا‭ ‬أساسيا‭ ‬للصغار‭.‬

وقرأت‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬المنصرم‭ ‬حكاية‭ ‬متسول‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬يظل‭ ‬نهاره‭ ‬بطوله‭ ‬يستجدي‭ ‬المال‭ ‬والطعام‭ ‬ثم‭ ‬يتوجه‭ ‬في‭ ‬المساء‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬لتجمع‭ ‬الفقراء‭ ‬والعجزة،‭ ‬ويشتري‭ ‬لهم‭ ‬الطعام‭ ‬بالنقود‭ ‬التي‭ ‬استجداها‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا