زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
جعلوا الفئران ورثتهم
يقول لنا الله جلّ وعلا: (لا تجعل يديك مغلولة إلى عنقك)، يعني لا تبخلوا على أنفسكم وأهلكم بالمال، ولكن لا تبسطوا أيديكم كل البسط، وتكونوا مبذرين، لأن عاقبة ذلك الحسرة. يعني وازنوا بين الإنفاق وضبط وترشيد الإنفاق، لأن التقتير الشديد لدرجة البخل على النفس وما قد يقابله من إنفاق بذخي عاقبته الخسران والندم، حين لا ينفع الندم.
انتقل أبو يمن إلى رحمة مولاه، وبكاه أقاربه بحرقة، ودعوا له بالمغفرة والجنة، وانصرف عياله إلى شؤون دنياهم، فقد كان حال العائلة بائسا، مما استوجب تضافر جهود كل الأبناء الذكور لتوفير لقمة العيش، وكان والدهم الراحل شديد الفقر، ولا يكف عن الشكوى من بؤس الحال، وبعد وفاته بعدة أشهر رأى أحد أبنائه قطعا ورقية ملونة تتناثر في الغرفة التي كان والده يعتكف فيها بين الحين والآخر بمفرده، ودقق الشاب النظر في الورقة واكتشف أنها نقدية، أي بقايا عملات ورقية (ريالات)، فدفعه حب الاستطلاع إلى التنقيب في الغرفة لاكتشاف ما إذا كانت هناك عملات نقدية ورقية أخرى، وكادت المفاجأة أن تقتله، فقد عثر على مئات الآلاف من قصاصات الريالات التي افترستها الفئران، وعكف على جمعها ليجد بينها ورقة واحدة سالمة وكانت من فئة العشرة ريالات، وبعد جهد استغرق عدة أيام استطاع أن يقدر قيمة المبالغ التالفة بنحو 280 ألف ريال، وكان معظمها يعود إلى ذلك العصر الذي كان فيه الريال اليمني يقول للدولار بغطرسة: من تكون أنت أيها النصراني غير المختون؟ يعني بالعربي الفصيح كانت قيمة المبالغ التالفة تقدر بعشرات الآلاف من الدولارات!! أعود فأذكر القارئ بنقطة جوهرية في هذا الموضوع وهي أن الراحل العزيز لم يقل قط يوما ما أن لديه فضلَ زاد، أو مبلغا مدخرا ليوم متنيل بستين نيلة، وبعبارة أخرى فقد ظل يكنز الريالات عبر السنين الطويلة طعاما للفئران، بدلا من أن يمتع بها عياله!! وبالتالي عاش كالفقراء دون أن ينعم بأي قسط من الفرفشة باستخدام أمواله، وربى عياله على البؤس والهم، بينما لديه آلاف مهولة مدفونة تحت الأرض (درَّسنا الجغرافيا أستاذٌ حلو الروح حكى لنا أن والده فقد بصره في آخر أيامه، ثم أخبرهم أنه دفن مبلغا كبيرا من المال في منطقة صحراوية على أطراف القرية.. وقال المدرس: ظللنا ننقب ونحفر في الصحراء حتى بعد موت أبينا بسنوات، وعثرنا على النفط، ولكن لم نعثر على الفلوس!!) هكذا حالنا نحن الذين ينبغي ألا نجعل أيدينا مغلولة إلى أعناقنا، أو نبسطها كل البسط، فالواحد منا إما يرشو عياله بالمال وهو يحسب أنه بذلك يعوضهم عن غيابه شبه الكامل من وعن حياتهم، وإما ينشف ريقهم بالشكوى المتواصلة من بؤس الحال، ويرفض لهم كل طلب بحجة أن القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود، ويظل يضع قرشا على قرش تحت البرش، وكلما ازدادت مدخراته، ازداد تقتيرا، وتكون كل أيام عائلته سوداء ولكنه يظل يخبئ ماله، بزعم أن هناك أياما أكثر سوادا مقبلة!! وهكذا قد تجد أسرة لدى عائلها عشرات الآلاف في البنك، أو تحت المخدة أو في جحر للفئران بينما لم يسمع أفرادها بالبيتزا أو البيرجر أو الآيسكريم أو حتى الشاورما، وما إلى ذلك من مواد زهيدة الثمن والفائدة، ولكنها باتت مطلبا أساسيا للصغار.
وقرأت في منتصف شهر فبراير المنصرم حكاية متسول في الصين، يظل نهاره بطوله يستجدي المال والطعام ثم يتوجه في المساء إلى مركز لتجمع الفقراء والعجزة، ويشتري لهم الطعام بالنقود التي استجداها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك