أعلن «البيت الأبيض»، أول زيارة للرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، في ولايته الثانية لدول الخليج، ووصف «المجلس الأطلسي»، القرار بأنه «تاريخي». وعلق «باراك رافيد»، من موقع «أكسيوس»، بأنها «إشارة قوية إلى مدى قرب العلاقة بين إدارته والمنطقة، خاصة في مجال التعاون الاقتصادي والاستثمار».
ووفقا لـ«برايان كاتوليس»، من «معهد الشرق الأوسط»، تأتي الزيارة المرتقبة بين 13 و16 مايو 2025، والتي ستشمل السعودية، والإمارات، وقطر؛ لتُعيد «المنطقة إلى دائرة الاهتمام بشكل أقوى»، من قبل صانعي القرار في واشنطن، وذلك بعد انشغالهم في مواجهة اقتصادية مع بقية دول العالم من خلال فرض رسوم جمركية مرتفعة على واردات الاقتصاد الأمريكي.
ومع ذلك، كتب «سيمون هندرسون»، من «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، أن هذه الزيارة ذات «أهمية بالغة»، لما تمثله من اختبار لحالة «التوتر والتحالفات بالمنطقة». وفي الوقت الحالي، يستمر الخلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي، والولايات المتحدة، نتيجة لدعم الأخيرة لحرب إسرائيل على غزة، ورفضها تطبيق اتفاق لوقف إطلاق النار، وعدم وجود إطار عمل مستدام لسلام طويل الأمد يشمل قيام دولة فلسطينية. فيما تواجه جهود إدارة ترامب الحالية للتوسط في اتفاق نووي جديد مع إيران العديد من العقبات. وعلاوة على هذه المخاوف الإقليمية، فإن تأثير ما يُسمى برسوم «يوم التحرير» الأمريكية، التي فرضت زيادة شاملة بنسبة 10% على رسوم التصدير من دول الخليج إلى السوق الأمريكية، قد عجّل أيضًا بانخفاض حاد في أسعار النفط العالمية، التي انخفضت في وقت ما إلى ما دون عتبة 60 دولارًا للبرميل.
وفيما يتعلق بنهاية حرب إسرائيل على غزة، أشار «كاتوليس»، إلى كيف سيستمع ترامب أثناء وجوده في الرياض، إلى «مطالبات متواصلة بشأن الحاجة إلى مسار واضح لحل الدولتين»؛ إلا أن حديث «الإدارة الأمريكية»، عن تحويل غزة إلى «ريفيرا الشرق الأوسط»، ومواصلتها نقل أسلحة بمليارات الدولارات إلى إسرائيل لاستخدامها ضد المدنيين الفلسطينيين؛ يُشير إلى أن الرئيس الأمريكي لم يغير رؤياه، مضيفا أن «الفجوة بين إسرائيل وأقرب شركاء أمريكا العرب، لم تضيق في الأشهر التي تلت تولي ترامب منصبه»؛ وبالتالي، فإن طموح الرئيس الأمريكي الإقليمي للتوصل إلى اتفاقية تطبيع بين السعودية وإسرائيل «لا تدعمه حاليًا أي استراتيجية واضحة»، كما أنه ليس في وضع يسمح له «بمنع المزيد من التصعيد للصراعات».
ومن بين الفرص التي تتيحها زيارة «ترامب»، لتعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج؛ تبرز أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري. وأشار «كاتوليس»، إلى مدى «اهتمام واشنطن بتوسيع علاقاتها الاقتصادية مع حلفائها الاستراتيجيين في الشرق الأوسط». وفي أواخر مارس، تناول البيت الأبيض التزام «أبوظبي»، بإطار استثماري مدته 10 سنوات في الولايات المتحدة بقيمة 1.4 تريليون دولار، مما سيسهم في زيادة استثمارات الإمارات في مجالات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والطاقة، والتصنيع، بالإضافة إلى إنتاج أشباه الموصلات.
وبالنسبة لدول الخليج، توفر زيارة ترامب للمنطقة فرصة مثالية للتفاوض على استثنائهم المحتمل من حزمة التعريفات الجمركية المرتفعة التي فرضها «البيت الأبيض»، على الصادرات إلى السوق الأمريكية. وتوقع «جوناثان بانيكوف»، من «المجلس الأطلسي»، أن القادة الإقليميين سيكون لديهم «نفوذ كبير وفرصة للتفاوض» مع الرئيس الأمريكي.
في الوقت الحالي، تخضع جميع دول الخليج لزيادة التعريفة الأساسية بنسبة 10%، التي فرضتها واشنطن في أوائل أبريل. ورغم استثناء صادرات النفط والغاز الطبيعي والهيدروكربونات الأخرى من النظام الجديد؛ إلا أن صادرات الألومنيوم من المنطقة -إلى جانب صادرات الصلب- أصبحت تخضع الآن لضريبة بنسبة 25% بعد أن كانت 10%. وأشارت شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، إلى أن «الإمارات»، تبرز كأكبر مصدر لمنتجات الألومنيوم إلى الولايات المتحدة بعد الصين، حيث تحتل المرتبة الثانية، بينما تحتل «البحرين» المرتبة الرابعة، تليها «سلطنة عُمان» المرتبة العاشرة، وقطر المرتبة الثانية عشرة، مضيفة أنه «على الرغم من الاتفاقيات التجارية الحرة القائمة التي وقعتها واشنطن مع هذه الدول؛ إلا أن الرسوم الجمركية الجديدة التي تم فرضها قد تجاوزت هذه الاتفاقيات.
ورغم أن الاقتصاديين أشاروا إلى أن التأثير المباشر لهذه التعريفات الجمركية، سيكون أقل في دول الخليج، مقارنة بأسواق أخرى تعتمد بشكل كبير على التصدير إلى الولايات المتحدة؛ إلا أن «حمزة دويك»، من «ساكسو بنك»، لفت الانتباه إلى أن الواردات الأمريكية غير المرتبطة بالطاقة إلى الخليج، مثل «الإلكترونيات، والسيارات، ومواد البناء، والسلع الاستهلاكية، وتجارة التجزئة»؛ ستتأثر أيضًا، موضحا أن دول الخليج تعتمد بشكل كبير على السلع المستوردة، وبالتالي، فإن الزيادة في التكاليف نتيجة لهذه التعريفات قد تؤدي إلى رفع الأسعار للمستهلكين في المنطقة، مما يؤثر على القدرة التنافسية في السوق. وعليه، أكدت «برايس ووترهاوس كوبرز»، في تقريرها لشهر مارس 2025، أنه يجب على الشركات الإقليمية «التخطيط لمواجهة اضطرابات السوق»، وأن تبادر إلى ذلك «فورًا».
وعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون الخليجي، قد أقامت علاقات سياسية، واقتصادية قوية مع إدارة الرئيس ترامب؛ إلا أن ذلك لا يضمن بالضرورة قدرتها على التفاوض للخروج من التعريفات الجمركية الجديدة. وأشار «هندرسون»، إلى أن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»، إلى واشنطن في 7 أبريل، كانت تهدف إلى الحصول على بعض التنازلات من الإدارة الأمريكية؛ إلا أنه «لم يحصل على أي منها».
وترتبط مسألة التعريفات الجمركية والتعاون الاقتصادي الأوسع، باختلافات قائمة في سياسات الطاقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج. وبعد عودته إلى المكتب البيضاوي، اتهم «ترامب»، أعضاء مجلس التعاون الخليجي، بأنهم «مسؤولون إلى حد ما» عن استمرار الحرب في أوكرانيا؛ بسبب سياساتهم التي تُبقي أسعار النفط مرتفعة. ولم يُخفِ الرئيس الأمريكي رغبته في خفض أسعار الطاقة عالميًا، باعتبار أن ذلك قد يُساهم في الحد من التضخم داخل الاقتصاد الأمريكي.
وأدت الديناميكية المزدوجة -المتمثلة في تعريفات ترامب التجارية، وإعلان أوبك+ عن زيادة مخططة في مستويات الإنتاج- إلى انخفاض حاد في أسعار النفط في أوائل أبريل. وعلى الرغم من أن الأسعار تعافت حاليًا إلى نحو 68 دولارًا للبرميل؛ فإنها لا تزال تعتمد على توقعات بوجود «بيئة اقتصادية أضعف» عالميًا خلال الأشهر المقبلة. وبناءً على ذلك، خفّضت «وكالة الطاقة الدولية»، (IEA) مؤخرًا توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في العام المقبل بمقدار الثلث، من أكثر من مليون برميل يوميًا إلى نحو 730 ألف برميل فقط.
وفي هذا السياق، من المرجح أن تبقى أسعار النفط أقل بكثير من مستوى 90 دولارًا للبرميل، وهو الحد الذي قدّره «صندوق النقد الدولي»، بأنه ضروري للسعودية من أجل موازنة ميزانيتها، وتحقيق أهداف رؤية 2030 الطموحة.
وقبيل زيارة ترامب المرتقبة إلى الشرق الأوسط، أجرى وزير الطاقة الأمريكي، «كريس رايت»، جولة إقليمية استمرت نحو أسبوعين بدءًا من 9 أبريل، شملت كلاً من السعودية، والإمارات، وقطر. وفي الرياض والدوحة، أفادت «إيرينا سلاف»، من موقع «أويل برايس»، بأن «رايت»، ركّز على «ضمان وفرة إمدادات الهيدروكربونات العالمية من الدول غير الخاضعة للعقوبات الأمريكية».
وبحلول منتصف مايو، إذا لم يشهد سوق الطاقة العالمي استقرارًا كافيًا، فمن المرجح أن يواجه ترامب تساؤلات من شركاء أمريكا في الخليج، بشأن طبيعة السياسات طويلة الأجل التي تنتهجها واشنطن في قطاع النفط والغاز.
من جهة أخرى، من المتوقع أن يكون ملف استئناف المفاوضات النووية الأمريكية مع إيران، حاضرًا بقوة خلال زيارة الرئيس الأمريكي للمنطقة. وأشار «كاتوليس»، إلى أن واشنطن لا تزال «ترسل إشارات متضاربة»، بشأن ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى اتفاق، أو ما إذا كان صراع إقليمي أوسع قد يحدث بدلًا من ذلك. وفي هذا السياق، عبرت دول الخليج عن ارتياحها بعد أن تدخل ترامب لمنع هجوم إسرائيلي كان مخططًا له ضد إيران في مايو 2025، والذي كان من الممكن أن يؤدي، وفقًا لتحليل «دانييل برومبرج»، من «المركز العربي»، إلى اندلاع «صراع إقليمي أوسع»، يُهدد حوالي 20% من صادرات النفط والغاز العالمية التي تمر عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الغموض الشديد في مواقف «واشنطن»، بشأن ما تريده من المفاوضات النووية لا يُعزز الثقة في نجاحها. وفي 14 أبريل، صرّح المبعوث الأمريكي الخاص «ستيف ويتكوف»، بأن إيران «لا تحتاج إلى تخصيب يتجاوز 3.67%»، وهو تصريح يتناقض مع موقف مستشار الأمن القومي «مايكل والتز»، الذي أعلن أن «التخصيب الصفري فقط»، هو المقبول لدى البيت الأبيض. كما حذر «ترامب» نفسه من أن «الخيار الثاني» لإنهاء برنامج إيران النووي، سيكون «سيئًا جدًا» لها، مما يعكس أن التهديد بضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية، لا يزال قائمًا بقوة.
ومن المتوقع أيضًا أن تُثار مسألة البرامج النووية المدنية في دول الخليج خلال زيارة ترامب. وفي أبريل، زار الوزير «رايت»، محطة «براكة» للطاقة النووية في الإمارات، والتي توفر الآن ربع احتياجات البلاد من الكهرباء. وعلّق «هندرسون»، بأن الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية «قد يكون مفتاحًا لمعالجة الإمكانيات العسكرية للبرنامج النووي الإيراني، ومخاوف الانتشار الأوسع في المنطقة». لكنه، أشار أيضًا إلى أن ترامب سيُفضل التركيز على «العلاقات التجارية»، دون تعطيلها بالخلافات النووية العالقة.
وفيما يتعلق باختيار الرئيس الأمريكي لثلاث دول خليجية لتكون وجهته الأولى في جولاته الدبلوماسية الرسمية -بعد حضوره جنازة البابا الراحل فرانسيس في الفاتيكان- تساءل «هندرسون»، عما إذا كان الهدف من هذه الخطوة هو «منع تقويض نفوذ واشنطن من قبل بكين»، التي قامت بتوسيع علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. لكنه، أضاف أن هذا الهدف لا يزال يمثل «تحديًا طويل الأمد».
وفي السياق نفسه، خلُص «كاتوليس»، إلى أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك «فرصًا مهمة لإيجاد مسارات للسلام، والاستقرار في الشرق الأوسط»، ولكن لتحقيق هذه الفرص، فإنها «بحاجة إلى استراتيجية أوضح لمعالجة مخاوف شركائها الإقليميين الرئيسيين»، خصوصًا فيما يتعلق بإنهاء الحرب في غزة، والتوصل إلى تسوية بشأن مستقبل فلسطين، والالتزام الجاد بالمفاوضات النووية مع إيران.
وفي ظل الأحداث المضطربة التي شهدتها الأشهر الأولى من ولاية ترامب الثانية، أشار كل من «هندرسون»، و«كاتوليس»، إلى أن العديد من العوامل قد تطرأ وتؤثر على جدول أعمال الزيارة المرتقبة، مما قد يغيره قبل موعدها في 13 مايو. وأوضحا أن «الوضع الأمني المضطرب في الشرق الأوسط»، «إضافة إلى تزايد حالة عدم اليقين في المشهد الجيوسياسي الأوسع»؛ هي عوامل لا توفر بيئة مثالية لإنجاح زيارة دبلوماسية بهذا الحجم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك