يقول نعوم تشومسكي في مقدمة كتابه (قراصنة وأباطرة) إنه: يروي القديس أوغسطين قصة قرصان وقع في أسر الإسكندر الكبير، الذي سأله «كيف يجرؤ على إزعاج البحر، وبالتالي كيف تجرؤ على إزعاج العالم بأسره؟» فأجاب القرصان: لأنني أفعل ذلك بسفينة صغيرة فحسب، أدعى لصًا، وأنت، الذي يفعل ذلك بأسطول ضخم، تدعى إمبراطورًا.
ثم يواصل تشومسكي ويقول: جواب القرصان كان أنيقًا وممتازًا، فهو يلتقط بدقة معينة العلاقة الراهنة بين الولايات المتحدة ومختلف اللاعبين الصغار على مسرح الإرهاب الدولي.
يختلف الباحثون فيما إذا كان يعود الإرهاب إلى القرن الأول الميلادي ممثًلا بجماعة السكاري زيلوت اليهودية، أو ببعض الطوائف الأخرى، فتشير عديد من الدراسات إلى أنه خلال القرن الأول الميلادي، ثار أتباع طائفة الزيلوت اليهودية في مقاطعة يهودا الرومانية، وقتلوا الأعوان البارزين للحكم اليوناني. وفي القرن السادس الميلادي، تبعًا للمؤرخ يوسيفوس، شكّل يهوذا الجليلي طائفة شديدة التعصب من الزيلوت اليهود تدعى (سيكاري، وتعني رجال الخنجر). كانت جهودهم موجهة ضد من أسموهم (الأعوان اليهود) وكهنة المعبد والصدوقيون والهيروديين وآخرين من النخبة الثرية. تبعًا ليوسيفوس، خبًأ السياكاريون خناجر قصيرة تحت معاطفهم، واختلطوا بالحشود أوقات الاحتفالات لاغتيال ضحاياهم، ثم يختفون بين الجموع الخائفة، كان اغتيالهم الأكبر بحق الكاهن الإسرائيلي الأعلى جوناثون.
إلا أنه استُخدم مصطلح الإرهاب أول مرة في اللغة الإنجليزية خلال عهد الإرهاب من الثورة الفرنسية، عند تطبيق نادي اليعاقبة – الحاكم للدولة الثورية آنذاك – ممارسات إرهابية تضمنت الإعدامات الجماعية باستخدام المقصلة لفرض الطاعة بالقوة وبث الرعب بين أعداء النظام. واستمر ارتباط المصلح بالعنف والترهيب من قبل السلطة حتى منتصف القرن التاسع عشر، حين اتصل بالمجموعات غير الحكومية. كانت الأناركية – التي وقفت بصف كل من القومية ونقد السلطة المَلَكيّة – المذهب الأبرز المرتبط بالإرهاب. مع حلول نهاية القرن التاسع عشر، ارتكب الأفراد أو المجموعات الأناركية اغتيالات بحق كل من الرئيس الأمريكي وأحد القياصرة الروس.
وخلال القرن العشرين، استمر ارتباط الإرهاب بمجموعة واسعة من الأناركيين والاشتراكيين والفاشيين والمجموعات القومية، الذين ارتبط معظمهم بنضالات العالم الثالث ضد الاستعمار، وكان العنف الممنهج الداخلي والتخويف الذي تمارسه السلطة –مثل الاتحاد السوفيتي الستاليني وألمانيا النازية – مما وصفه الباحثون أيضًا بالإرهاب، والغريب في هذا الموضوع أنه لم يرتبط مصطلح الإرهاب خلال كل هذه العقود بجماعة ذات فكر إسلامي إلا بطائفة الحشاشين في القرن الحادي عشر الميلادي، وخلاف ذلك فلا يوجد إلا بعد أحداث سبتمبر 2001 التي تمثلت في تفجير برجي مركز التجارة الدولية الواقعة في مانهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية، المعروف باسم البنتاغون، بينما لم تُحدد التحريات حتى اليوم الهدف من وراء كل هذا، وكل يوم تتكشف أمور وتختفي أمور بحسب ما ترغب القوة العظمى عندما تريد الابتزاز.
في الحرب العالمية الأولى كانت أمامنا جبهة الحلفاء والتي كانت تضم فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا والولايات المتحدة وإيطاليا واليابان وبعض الدول الأوربية الأخرى، وجبهة دول المحور والتي كانت تضم ألمانيا والنمسا والمجر وبلغاريا والدولة العثمانية التي كان تسمى آنذاك (الرجل المريض) إذ لم يكن لها حول ولا قوة، وتُعد الحرب العالمية الأولى واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ. إذ بلغ عدد القتلى حوالي 8.5 ملايين جندي، بالإضافة إلى ملايين المدنيين الذين فقدوا حياتهم بسبب المجاعة والأمراض الناتجة عن الحرب. ترى هل كان المسلمون أو العرب هم سبب إشعال هذه الحرب؟
وفي الحرب العالمية الثانية والتي قامت ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة وفرنسا والصين وبعض الدول الغربية الأخرى من جهة وبين ألمانيا وإيطاليا واليابان وبعض الدول الأخرى، إذ تشير التقديرات إلى أن عدد القتلى كان يتراوح بين 50 مليونا إلى 85 مليون شخص، بما في ذلك المدنيين والعسكريين. الاتحاد السوفيتي والصين كانا من بين الدول الأكثر تضررًا، حيث فقد الاتحاد السوفيتي حوالي 27 مليون شخص، بينما خسرت الصين حوالي 11 مليون شخص. والسؤال المهم للمرة الثانية أين كان العرب والمسلمون من كل هذه الدماء التي انسكبت، هل كان لهم دور؟ ومن كان الإرهابي في الحربين العالميتين؟
وربما هناك جانب آخر غير مخف ولكن يجب إبرازه حتى يمكن تحديد وتوضيح مفهوم الإرهاب والكراهية الذي نرغب في توضيحه، وهو ما يتعلق بسكان الأمريكتين الأصليين والمعروفين بالهنود الحمر، فإن كانت الإحصائيات لا تشير بوضوح إلى عدد القتلى في تلك الشعوب منذ دخول الغزو الأوروبي لهما مدمرًا أقصد فاتحًا، إلا أن بعض الدراسات تشير إلى أن عدد السكان الأصليين قبل وصول كريستوفر كولومبوس كان حوالي 50 مليون نسمة، وبعد عدة قرون من الاستعمار الأوروبي، انخفض العدد إلى حوالي 6 ملايين في القرن العشرين، ما يعني أن حوالي 44 مليون شخص فقدوا حياتهم بسبب الأمراض المعدية التي نشرها الأوروبي، والقتل الجماعي، والاستعباد، والتهجير القسري. وحتى نسترشد ببعض الأحداث التاريخية، إليكم بعضها:
{ وصول كريستوفر كولومبوس عام 1492، قام بنشر الأوبئة والأمراض الميكروبية مثل الجدري والطاعون عبر تلويث البطانيات والملابس والتي تم توزيعها مجانًا على السكان، مما تسبب في وفاة ملايين السكان الأصليين.
{ أصدر قانون الإزالة الهندي عام 1830، ولذلك أجبر السكان الأصليين على ترك أراضيهم والسير فيما يعرف (درب الدموع)، حيث مات الآلاف بسبب الجوع والمرض.
{ مذبحة الركبة الجريحة عام 1890، قُتل فيها أكثر من 150 شخصا من السكان الأصليين على يد الجنود الأمريكيين.
{ مذبحة ساند كريك عام 1864، وذلك من خلال هجوم دموي على قرية سلمية من قبائل شايان وأراباهو، أسفر عن مقتل أكثر من 400 شخص.
وهذا غيض من فيض، مما سجله التاريخ.
ونحن لا نقول إن المسلمين على مدى التاريخ كانوا ملائكة ولا يخطئون، ولكن من أجل المقاربة لنتدارس الفترة التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ترى كم عدد القتلى في جميع غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
تشير الدلائل التاريخية أن عدد غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال عشر سنوات حوالي 25 غزوة و70 سرية، وبعض العلماء يرجح أنها 100 غزوة وسرية. وخلال كل تلك الغزوات والسرايا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل إلا رجلا واحدا بيده. فأين الإرهاب الإسلامي؟
وإليكم بعض الإحصائيات بحسب كتب السيرة،
{ كان عدد القتلى في غزوات النبي وسراياه من المسلمين والمشركين، يتراوح من 625 إلى 1018 قتيلا كأقصى.
{ وبعض المؤرخين يرى أن عدد القتلى من المسلمين 236 رجلا قتلوا في معارك على مدار عشر سنوات، وأما عدد المشركين 625 ليصبح المجموع 861.
{ لم يثبت وجود امرأة مقتولة في المعارك والغزوات إلا واحدة، وهي التي كانت في حنين، ولها قصة ليس هذا وقت بيانها.
{ لم تقع أي حالة اغتصاب في كل المعارك.
{ لم يعهد قتل أي شيخ كبير في كل تلك المعارك إلا دريد بن الصمة؛ الذي شارك في غزوة حنين، وكان الخبير العسكري لجيش المشركين، حيث كانوا يأخذون عن رأيه، وقد قتلته إحدى سرايا النبي صلى الله عليه وسلم عند ملاحقتها لفلول الفارين.
{ عدد حالات الغلول أو النهب من المال العام لم تتجاوز عدد قبضة اليد في كل تلك المعارك.
إذن فمجمل الخسائر في الأرواح على مدى العشر سنوات كان في أقصى حدودها 1500 مقاتل من فريقي النزاع، وقياسًا مع عصرنا الذي تزخر فيه المنظمات الدولية الداعية لأخلاقيات الحرب وحقوق المدنيين ومنظمات الحياد المسلح وحقوق الإنسان، نجد أن كل قتلى العهد النبوي لا يساوي قتلى أسبوع من أسابيع قطاع غزة وما تفعله دولة الاحتلال والقوة العظمى التي تحافظ على الحريات وحقوق الإنسان، بل لا تساوى عدد قتلى القنبلة الذرية على هيروشيما.
أما ما حدث من تداعيات لأحداث سبتمبر 2001 فلم يكن حربًا على الإرهاب وإنما كانت حربًا صليبية صهيونية على الإسلام لذلك فمنذ تلك اللحظة انبثق إلى الوجود مصطلح (الإسلاموفوبيا)، وهذا يعني بوضوح أن الدين الإسلامي هو المستهدف من كل تلك المسرحيات وكل هذه الهجمات وكل ما حدث ويحدث اليوم وسيستمر ذلك حتى يعاد تعريف الإرهاب والكراهية.
فالإرهاب حسب تعريف الأمم المتحدة هو؛
(يشمل الإرهاب تخويف السكان أو الحكومات أو إكراههم من خلال التهديد أو ارتكاب العنف. وقد يؤدي إلى الوفاة أو الإصابة الخطيرة أو أخذ الرهائن. يجب منع هذه الأعمال، ووقف تمويل الشبكات الإرهابية والتصدّي لحركتها ونشاطها، من أجل منع انتهاكات حقوق الإنسان في المستقبل.
كما يجب أن يحصل ضحايا الإرهاب على سبل انتصاف وتعويضات فعالة. وبإمكان ضحايا الإرهاب والتطرف أن يؤدوا دورًا حاسمًا في بناء مجتمعات أقوى وأكثر قدرة على المواجهة والصمود.
ينتهك الإرهاب والتطرف العنيف حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجماعات والأفراد. ومع ذلك، تُعرِّف الدول الإرهاب بطرق مختلفة، وغامضة أحيانًا، لذا فإن التشريعات المحلية لا تحمي دائمًا حقوق الإنسان للمواطنين).
ومن خلال هذا التعريف يجب أن يعاد تقييم ما تفعله دولة الاحتلال بمعاونة الولايات المتحدة والدول التي تدِّعي أنها دول الحريات في غزة من إرهاب وبث الكراهية والابتزاز السياسي والعسكري، حينئذ سيكون التعريف أكثر دقة. وما زلنا نتحدث.
Zkhunji@hotmail.com
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك